من منظور الكاتب 

_____________

أن أي دولة في مرحلة تحول ، من استعمار لاستقلال من شمولية لديمقراطية، تحتاج لفترة إنتقالية لإجراء إصلاحات تشريعية ومؤسسية عميقة ، تهدف إلى إعادة بناء وهيكلة الدولة.
&&& يمر السودان الآن بمرحلة انتقالية، من نظام شمولي لنظام ديمقراطي، محكومة بوثيقة دستورية أهم اهدافها إجراء إصلاحات تشريعية ومؤسسية شاملة(م. 8) تقوم بها المفوضيات المستقلة الواردة في الوثيقة، يشكل بعضها المجلس السيادي، وبعضها مجلس الوزراء(م.39).
&&& فيما يلي الإصلاح العدلي نصت الوثيقة علي ان : (تلتزم أجهزة الدولة في الفترة الانتقالية بانفاذ.. الإصلاح القانوني وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية..) م .8 /5 .
إعادة البناء والتطوير تعني أن الوثيقة تدرك ما لحق بالأجهزة العدلية من تدمير متعمد في إطار سياسة التمكين التي شملت كل مؤسسات الدولة، وأن إعادة البناء والتطوير ، يجب أن تتم في إطار نظرة إستراتيجية تربط ما بين الإصلاح القانوني و المؤسسي.
&&& فيما يلي الجهة المختصة بإجراء الإصلاح العدلي القانوني و المؤسسي، تنص الوثيقة علي ان : ( تنشأ مفوضيات مستقلة ويرشح لها شخصيات من الخبراء مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة..)- م. 39 / 1.
ثم حددت باقي فقرات المادة مفوضيات على وجه الحصر، يعين عضويتها مجلس السيادة، و مفوضيات أخرى يعين عضويتها مجلس الوزراء، ثم نصت المادة 39 /4/ ط ، علي أن لمجلس الوزراء الحق في تعيين عضوية اي مفوضيات أخرى.
بالتالي فإن المفوضية الواردة في المشروع، تجد سندها الدستوري في المادتين 39 /1 ، و ، 39/ 4 / ط ، من الوثيقة الدستورية.
&&& تعيين عضوية المفوضية بالفهم أعلاه لا يمس استقلال القضاء، للاتي:-
1- فكرة الإصلاح تقوم على أن المؤسسات العدلية وصلت مرحلة انهيار تحتاج فيها لإعادة البناء، ويصبح من الطبيعي أن لا يترك الأمر لذات الجهة المستهدفة بإعادة البناء .
2- المفوضية المقترحة ليست ضمن المفوضيات المسماة ، في المادة 39 و بالتالي يختص بتشكيلها مجلس الوزراء، وهو المختص اصلا بتحقيق مهام الفترة الانتقالية، بموجب المادة 16/ 1 و5 والمادة 39 / 4 / ط من الدستور .
2- المفوضية القومية المعنية ، مستقلة بنص الدستور، وتحديدا المادتين 16 /5 ، و 39 /1 ، و بالتالي لا علاقة لها بالجهة التي تعين عضويتها. 3/ المفوضية تنشأ وتعمل بموجب قانون يصدره مجلسا السيادة والوزراء، بصفتهما التشريعية، فهي لا تتبع لأي منهما.
4- سواء تم تعيين عضوية المفوضية بواسطة مجلس السيادة أو الوزراء، يفترض أن يتم الترشيح بواسطة قحت، باعتبارها ممثل الشعب صاحب الحق الطبيعي في المؤسسات محل الإصلاح، وعبرها رشح الشعب رئيس القضاء والنائب العام.
5- لإعطاء المزيد من الثقة نص المشروع بأن تكون المفوضية برئاسة رئيس القضاء والنائب العام رئيساً مناوبا ووزير العدل مقررا.
6- إن ضمان استقلال القضاء يكون في وجود رئيس القضاء في قمة المفوضية المختصة باصلاحه ، وليس في بعده عنها.
7- إن المرحلة التي نمر بها والواقع العدلي الذي نعيشه، والفكرة السامية التي يهدف إليها المشروع، تستوجب التأمل والتفكير خارج الأطر التقليدية المعلومة للجميع، كما ان التوجس من عدم استقلالية المفوضية بالتشكيل المذكور، لا يبرر رفض الفكرة برمتها، ومن هنا تنبع أهمية دعوة مولانا نصر الدين حسن للجميع لابتداع الحلول بالتفكير التجريدي "خارج الصندوق" abstraction

&&&صحيح الوثيقة نصت على تكوين المفوضية من شخصيات طبيعية من ذوي الكفاءة والنزاهة والاستقلالية المهنية، لكن هذا لا يتناقض مع المشروع في تسميته لرئيس القضاء والنائب العام ووزير العدل، فالصفات المطلوبة بالضرورة تتوافر فيهم، ووجودهم في المفوضية أكبر ضمانة لاستقلالها.
&&& رئاسة رئيس القضاء للمفوضية لا يمس مبدأ الفصل بين السلطات في شئ، فهذا المبدأ لا يعني أن تعمل هذه السلطات في جزر معزولة عن بعضها وعن مجتمعها، فهي آليات حكم داخل دولة واحدة، فالتعاون والتنسيق حتمي ومطلوب، ثم إن الأمر هنا يتعلق برئاسة جسم معني بكيفية تحديث وتطوير منظومة حقوقية وعدلية تتكامل الأدوار فيما بينها.
&&& المقصود بالمنظومة العدلية القضاء والمحكمة الدستورية والنيابة، اما المنظومة الحقوقية فالمعني بها الجهات التي تتداخل وتتكامل أدوارها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عملية صناعة العدالة، بما يستدعي وجودها تحت مظلة تنسيقية واحدة بغرض الإصلاح والتطوير، الذي ينعكس إيجابا على كل المنظومة، الحقوقية والعدلية.

فهي بهذا المعنى، تشمل وزارة العدل كجهة معنية بالتشريع في الجانب المرتبط بالمنظومة العدلية والحقوقية.

وتشمل مهنة المحاماة باعتبارها تمثل القضاء الواقف، فتطويرها وكفاءتها ينعكس إيجابا على المنظومة العدلية.

وتشمل كليات القانون، فمن أسباب تدني العمل العدلي ضعف مستوى الخريجين، بالتالي تكون كليات القانون في حاجة للإصلاح والتطوير ضمن المنظومة.

وتشمل المنظومة بالضرورة معهد العلوم القضائية والقانونية كجهة مسؤولة عن تدريب القضاة وكل القانونيين.
&&& إصلاح وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية، بواسطة المفوضية وفقا لما هدف إليه مشروع القانون، يتمثل في :-
1 - التأسيس لإنشاء مجلس القضاء العالي، بوضع قانونه، وطلب تعيين عدد من القضاة بالمحكمة العليا من القضاة السابقين والمحامين وغيرهم ، وفقا لشروط الكفاءة المهنية والسيرة الحميدة، ليشكلوا مع زملائهم بالداخل عضوية مجلس القضاء العالي، ليضطلع بمهامه المنصوص عليها في الدستور( خطة عاجلة).
إعتماد تعيين قضاة بالمحكمة العليا بواسطة مجلس السيادة، وفقا للوثيقة لا يكون إلا بترشيح من مجلس القضاء العالي، ولما كان انشاء المجلس نفسه يحتاج لتعيين قضاة بالعليا، يمكن لرئيس القضاء وبصفته رئيس المفوضية أن يرشح لمجلس السيادة عددا ممن تنطبق عليهم الشروط ، لاعتماد تعيينهم قضاة بالمحكمة العليا، كأجراء أولي يمكن المفوضية من القيام بمهامها.

2- التأسيس لإنشاء المجلس الأعلى للنيابة ومجلس وزارة العدل، بالطريقة أعلاه ليضطلع كل منهما بمهامه، في إطار خطة الإصلاح عاجلة المدى.

3- حصر شروط وضمانات استقلال القضاء والنيابة، ووضع الأسس والمعايير اللازمة، ليتم في إطارها تسكين وإعادة تسكين القضاة ووكلاء النيابة في الدرجات المختلفة، من الداخل والخارج، بما يضمن الحيدة والنزاهة والاستقلالية والكفاءة المهنية، ويبقي التسكين مسألة داخلية يقوم بها مجلس القضاء العالي، وفي إطار هذا التسكين يتم النظر في طلبات القضاة السابقين. (خطة إصلاح عاجلة).
وبالمثل يقوم كل من المجلس الأعلى للنيابة ومجلس العدل بمهمته.

4- إجراء الدراسات المستفيضة المتأنية ، بغرض تحديد الوضع الأمثل للمحكمة الدستورية للإبقاء عليها كما هي، أو تكون دائرة داخل المحكمة العليا.

5-إجراء الدراسات اللازمة التي تضمن تطوير وكفاءة وفعالية كل المنظومة الحقوقية والعدلية.
6- تعديل أو سن القوانين المرتبطة بالمنظومة الحقوقية والعدلية.

7- وضع الأسس اللآزمة لتشكيل مجلس أعلى للعدالة والقانون، كمجلس تنسيقي يضم كل المنظومة الحقوقية والعدلية.

تقوم المفوضية بهذه المهام بطلب الدراسات المتخصصة وتلقي الرأي من الأفراد والجهات المختلفة وعقد الورش والندوات.. الخ.

&&& معظم الاخوة الذين تناولوا مشروع القانون ، كل ما خرجوا به هو أنه يهدف إلى تفكيك بنية التمكين والإقصاء والتشفي ، وبقليل من التأمل لاتضح لهم أن هذا المشروع وتقيدا بالوثيقة، يهدف إلى إنشاء جسم قومي مستقل مهمته التأسيس لبناء أو إعادة بناء المؤسسات الحقوقية والعدلية، ودعم العلاقات التكاملية بينها، بما يعينها على القيام بدورها في إرساء حكم القانون وتحقيق التحول الديمقراطي.
&&& أما تفكيك بنية التمكين السياسي الحزبي داخل الأجهزة العدلية، فهو هدف مطلوب وما كان يحتاج حتى للنص عليه، فالمفترض أن يتم في إطار وضع الأسس والضمانات التي تكفل استقلالها، وفي مقدمتها عدم الانتماء للحزب ولجهاز الأمن والبعد عن الفساد الذي كان سمة المرحلة.
&&& الخوف من الإقصاء والتشفي لا مبرر له، فالاسس يجب أن تكون عادلة وفي إطار روح المرحلة، فالمفترض ألا يحاسب احد بسبب انه عين في عهد الإنقاذ بأي دوافع كانت أو لأنه ينتمي للتيار الإسلامي ، ما دام قد اثبت تجردا في سلوكه وكفاءة في مهنته، وحرية الفكر والعقيدة مكفولة لأعضاء الأجهزة العدلية باعتبارها من حقوق الإنسان.
&&& ما لحق بالأجهزة العدلية في عهد الإنقاذ، وخصوصا القضاء، من تسييس وتدني مهني وسلوكي لبعض منسوبيها ، حقيقة علينا مواجهتها، بغرض التشخيص والعلاج وليس التشهير بأحد، ومن ينتمون لهذه الاجهزة أنفسهم يحرصون على ذلك، تنقية لصفوفهم وتمسكا بالمستوى المهني المطلوب، وتحقيقا للاستقلال ولسيادة حكم القانون الذي يكفل لهم الاحترام والتقدير.
&&& وصف من يقفون وراء مشروع القانون بالخونة وأنهم يسعون لتقويض حصن العدالة، أسلوب غير حميد فيه تزكية للذات واحتكار للهم الوطني وخروج عن النقد الموضوعي.

لقد تم نشر المشروع ليكون عرضة للتداول حوله ، وحتي يتسم هذا التداول بالموضوعية علينا أن نحسن الظن بالآخرين ونجتهد في فهم ما يرمون إليه، لكي نتجاوز الماضي الأليم ونساهم جميعا في النهوض ببلادنا.

26/11/2019


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.