هناك أشخاص عاديون فى كل المجتمعات، لم يشتهروا ولم يكونوا نجوماً ساطعة يوماً ما، ولم يذع صيتهم فى الأفاق، غابوا عن دنيانا جسداً إلا أنهم ما زالوا حضوراً معنا طيفاً وروحاً بين الحين والحين. تركوا فينا ذاكرة مشتعلة فلا تكاد تأتي مناسبة، أو حتى من غير مناسبة، إلا و نتحسر على غيابهم ثم يأتي حيناً يطوف فى الخيال أن ذاك الحبيب ما زال حاضراً بيننا بجسده وفكره ومرحه ليضفي على المناسبة لوناً وطعماً خاصاً يحمل بصمته، فتعيش لحظات سعيدة قبل أن يعود إليك البصر خاشعاً فتتيقن أنه غائب إلى الأبد فيعاودك الحزن من جديد أشد من ذى قبل. وواحدٌ من هؤلاء القلائل هو شريف، طيب الله ثراه، الرجل الذى تُوِّج كبيراً على مملكة جيل من الشريفاب وتُوِّج حبيباً فى مدار أصدقائه ومعارفه وكل من قابله ولو للحظات.

قاربت عشر سنوات منذ أن فارقنا شريفٌ و لحق بالرفيق الأعلى، لكن إنسان مثل شريف وإن غاب عنا بجسده وتوارى بشخصه فإن ذكراه لا تبارح قلوبنا، فروحه حاضرة فى حياتنا وذكراه باقية فى وجداننا فى صحونا ومنامنا فى حديثنا وصمتنا، ومتى ما تقابل أو تحدث أى من الأصدقاء والمعارف والزملاء مع بعضهم إلا وكانت سيرة شريف هى الأوفر حظاً على كل لسان و الفاكهة المحببة فى كل لسان بها نبدأ وبها نختم .. لقد صار إدماناَ.
شريف محمد عثمان أحمد شريف والده محمد أحمد شريف وأطلق عليه هذا الإسم المركب (محمد عثمان) لوجود عمه محمد أحمد شريف وتلك كانت عادة الناس فى المنطقة تفادياً للتكرار وتداخل الأسماء والخلط. والعائلة ككل سميت ب"الشريفاب" أو "الشرفاب" نسبة لجدهم الكبير شريف بن عيسى كاشف. والدته فاطمة صابرين محمد سليم، جده أحمد شريف كان من أعيان قرية "دبيرى"أو "دبيرة" حيث كان يشكِّل ثقلاً اجتماعياً واقتصادياً لما كان يملكه من بيوت وبساتين ونخيل وكان أسد زمانه وحامى حمى القبيلة.. ومما ذكر عن بطولاته عندما وصل جيش دراويش المهدية إلى وادى حلفا بقيادة الأمير عبدالرحمن النجومى لغزو مصر وغزوة توشكي المشهورة عام 1889 وأثناء مرور الجيش بقرى "أرقين" و "دبيرى" غار بعض المتفلتين منهم على ممتلكات الأهالى من الحرث والأغنام في تلك القرى، فتصدى لهم أحمد شريف وقاوم تلك الهجمات لكن تم طعنه بسونكى البندقية وبقرت بطنه لكنه لم يستسلم بل قاومهم مع الأهالى حتى تراجعوا وولوا أدبارهم. وكانت آثار طلقات الرصاص موجودة على جزوع النخيل حتى الهجرة شاهدةً على التصدى والمقاومة لتلك المناوشات.
ولد شريف عام 1939 وكفى ذلك لجيله... فالساعة واليوم والشهر لحفل عيد الميلاد، الذى إخترعه الروائى الإنجليزى شارلز ديكنز فى روايته المشهورة "انشودة عيد الميلاد"، كان فى نظر جيله هو نوع من الترف الإجتماعى أو خرافة دينية وثنية إستعاضوا عنها بربط تاريخ الميلاد بأحداث عامة معروفة كفيضان 46 والحرب العالمية الثانية وميلاد أو موت العمدة وهكذا... مسقط رأسه كان فى قرية"دبيرى" بمركز وادى حلفا وقريته كانت تقع متاخمة للنيل، وبعد طوفان 1946 الشهير هاجر الأهالى جميعهم شرقاً بعيداً عن النيل وأقرب إلى الجبال والرمال في منطقة "حوى" وتحديداً في حى "فِكرتى" بالقرب من الشريط الفاصل بين "دبيرى" و "سرى شرق". ومن حسن الطالع أن الأراضى التى غمرها طوفان 46 أصبحت أراضى زراعية خصبة للزراعة بعد إنحسار النيل وعودته إلى مكانه الطبيعى. هاجر والده كأقرانه إلى مصر وعمل بها سنوات طويلة وعاد منها بعد هجرة الأهالى إلى شرق السودان في حلفا الجديدة عام 1964 وإستقر به المقام في منطقة دبيرى- هاجر – تبدل إلى القرية 7 بعد الهجرة - مشرفاً على حواشاته التي كان يزرعها قطناً وقمحاً.
تربى شريف فى بيئة الأرض والنيل والساقية والجروف واللوبيا والرعى والبيت المحروس ببركات "شيخ أحمد الأزهرى" و "شيخ عمر" والشيخ "حسن الولى" فى "فكرتى وشولين و ولياب إركى". له ثلاث شقيقات وثلاثة أشقاء كان هو أكبرهم، اقرانه فى تلك المرحلة منهم الأساتذة شريف دولى، صلاح عليش، أحمد الأزهرى، إسماعيل نصوح، عبد الفتاح صيام، حسن بقوجة، صلاح حسن آمنه، محمد صالح خليل ، أبناء ظرافة وحسن خليلونن رحم الله من توفى منهم ويطيل عمر الأحياء منهم. تلقى تعليمه للمرحلة الأولية فى مدرسة دبيرة فى سوق الخميس والمرحلة المتوسطة فى وادي حلفا ثم المرحلة الثانوية فى بورتسودان. إلتحق بالعمل فى مصلحة الإحصاء الزراعي فى مدني وعمل فى جوبا والخرطوم ثم عمل محاسباً فى شركة موبيل أويل ومنها إنتقل ليعمل رئيساً للحسابات فى شركة التأمينات العامة إبان عهدها الذهبى.
بجانب عمله الوظيفى نشط شريف فى العمل التجارى الخاص، فكان من أوائل الناس ،بعد الهجرة إلى حلفا الجديدة، من إشتروا سيارات نقل أو "لوارى بدفورد " (سفنجة) جديدة التى كانت تجوب فيافى السودان العريض حاملة الواردات والصادرات من و إلى ميناء بورتسودان. عملا هو وشقيقه الأصغر المرحوم عبد الفتاح فى مجال التجارة والنقل التى توقفت بعد فترة لأزمات البترول و"اللساتك" فى عهد من العهود. وبهذه المناسبة لا أنسى أن أذكر إسم قريبه وزميله الأستاذ محمد صالح تيلكاق، طيب الله ثراه، الذى إرتاد التجارة أيضاً، بجانب عمله كمعلم، وإشترى لورى "بدفورد" نقل لكنه كان يسافر بنفسه مع السائق ليتعرف على باقى أجزاء السودان. الأستاذ محمد صالح تيلكاق تخرج من كلية الآداب جامعة الخرطوم عام 1960وعمل معلماً ولذلك عندما إشترى اللورى وعمل في التجارة و النقل كان مثار نقد من العامة آنذاك. لكنه كعادته لم يهتم وواصل العمل فى تجارته بجانب مهنة التدريس إلى أن إغترب إلى المملكة العربية السعودية.
عندما ساءت الأحوال المعيشية فى السودان ولاحت لشريف فرصة الإغتراب غادر هو أيضاً إلى الإمارات العربية المتحدة عام 1981 بدعوة من إبن عمه الكابتن حسن شريف وعمل مديراً للحسابات فى شركة الظفرة للتأمين والتى كانت وما زالت من كبريات شركات التأمين الوطنية فى أبوظبى وبقى فيها ما يربو عن الثمانية وعشرين عاماً وهى كل فترة إغترابه. أينما ذهب شريف كانت له جماهير مثل لاعبى كرة القدم المشهورين. وفى أبوظبى كان أصدقائه أذكر منهم الأستاذ محمد العبيد(ود العبيد) والأستاذ المرحوم محمد حاج عمر(ود الحاج) والأستاذ معتز العركى ود. محمد الشيخ و د. فتح الرحمن والأستاذ مصطفى حسن محجوب وسعادة الدكتور فتحى صالح والمرحوم الأستاذ الهادى جيب الله.
عاد شريف من الإغتراب الطويل عام 2008 ليستقر مجدداً في منزله بحى الزهور بالخرطوم مع زوجته"زوبة صالح" وأبنائه معتز ومحمد عثمان وبناته ناهد ونهى وناريمان و د. نادين يحفظهم الله، وبدأ نشاطاً تجارياً ليشغل به نفسه.
حياة شريف إمتدت من عام 1939 إلى عام 2010 أي ما يتخطى السبعين بعام واحد كانت عامرة وحافلة بالإنجازات والعلاقات والمرح ولكنها كانت حياة عادية بسيطة متوسطة الحال كما معظم الناس. ولقد أجملت لكم تلك السنوات في أسطر قليلة أو فقرات معدودة بسبب أن 50% تقريباً من الشعب السودانى تربيته وحياته هي حياة متوسطة الحال أو كما تصنف حياة الإكتفاء أو كما يقول المثل الإنجليزى "من اليد إلى الفم". فهى حياة متشابهة أو متطابقة تماماً فى كل مراحلها من الطفولة إلى الصبا ومراحل التعليم المختلفة والبطالة والعمل. ورغم هذه الحياة البسيطة وظروفها المتشابهة إلا أنها أخرجت لنا العالم والباحث والمخترع والمؤلف والفنان والمزارع والعامل والعاقل والمجنون وهكذا. فنظام التعليم في السودان في الماضى لم يُفرِّق بين الغني والفقير ومتوسط الحال.. كل من ينجح كان له مكان حسب درجاته والأهم من ذلك أن الدولة كانت تصرف على التعليم والسكن والإعاشة حتى التخرج من الجامعة. ولذلك تعلم كل من أراد أن يتعلم.
هذه التربية والحياة المتشابهة أيضاً أفرزت لنا شخصيات متكررة طبق الأصل تجدها في مجتمعات كثيرة متباعدة الأمكنة. فكل قصة تحكيها عن شخص ما أو مناسبة معينة سوف تجد أمامك شخص آخر يرد عليك بقصة شخصية مماثلة أو مناسبة مماثلة في مجتمعه المختلف تماماً عن مجتمعك. ولذلك فقد تلاحظ كلما إلتقى سودانيان في أي مكان تجدهما يكادان يحكيان نفس القصة لبعضهما في نفس الوقت، وبالطبع كل منهما يريد أن يسبق الآخر فيخطف طرف الحديث من لسان الآخر وينتهى لقاؤهما دون إضافة تُذكر. وهكذا السودان. سوف أزودكم فيما يلى بقليل مما عرفته عن شخصية شريف الأنسان.. وحتماً بنفس المفهوم ستكون في مخيلة القارىء شريف آخر يود القارىء أن يسبقنى ليحكي لى عنه.
تمتع شريف بخصال كثيرة قل أن تجدها مجتمعة في شخص واحد أهمها أنه رجل موسوعة على نسق الكاتب والأديب الفرنسي فكتور هيجو، فهو مثقف مطلع و له علم و كان يتحدث ويشارك في كل المواضيع التى تفتح له أو أمامه. إذا تحدث في الدين إفتكرته أزهرىاً وإذا ناقش في السياسة فهو مخضرم حافظ للتاريخ والأحداث والشخوص، وكانت له تحليلات سياسية واقعية. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان شريف سياسياً نشطاً له علاقات وطيدة مع رجال السياسة وقياداتها المعروفين آنذاك ، وكانوا يزورونه ويعقدون الإجتماعات الحزبية في داره، كما كان يأوى كل من كان مطلوباً لدى السلطات الأمنية في منزله. وفى بحر الأدب والفلسفة فهو مطلع على أمهات الكتب ولذلك إذا تحدث عن الأدب والفلسفة فكأنك مع الكاتب المعروف أنيس منصور وقد حلل لى مره كتابى أنيس منصور " الذين هبطوا من السماء" و "الذين عادوا إلى السماء" فأبدع في الشرح و المقارنة. و إذا تحدث عن الإجتماعيات فهو مرجع متحرك يتجول بك في شجرات العائلات بسهولة فهو بليغ عالم ومهتم بعلم الأنساب (جينيالوجيا) وعلاقات القربى وصلات الرحم. وللحقيقة بعد والدى وجيله، طيب الله ثراهم، لم أجد من ينافس شريف في هذا المجال المهم والمطلوب. فإذا غاب شريف والقلة من أمثاله فالأجيال الحالية والقادمة سوف لن تعرف أكثر من إبن العم وإبن الخال كما هو الحال الآن.. بل يقولون عن الوالد "الحاج"، والوالدة "الحاجة"، حتى لو لم يحجوا، بدلاً عن الاسمين المحببين أمي، وأبوي، وطبقاً للبيئة، ماما وبابا، وسوف يأتي اليوم الذى يجلس فيه الحفيد قرب جده في الشارع أو في الحافلة او الطائرة كأغراب لا يعرفان صلة القربى بينهما وهذه مصيبة كبرى. وإذا تحدث شريف عن ضروب الفن و تطوارته فهو سيد العارفين ينافس فيها النقاد الفنيين. وكان كثير القراءة ويحب الاطلاع الذى كان من هواياته ولديه مكتبة زاخرة تعج بأمهات الكتب في الدين والسياسة واللغة والأدب والفلسفة والشعر والفن كما فيها كتب من الأدب الإنجليزي وليم شكسبير وتشارلز ديكنز وجون ملتون وونستون تشرشل.
ومن طبيعة شريف أنه كان لماحاً كمن تخصص فى علم الجينات أو ضروب الفراسة. فكثيراً ما كان يصدق عندما يتعرف على الناس بأصواتهم أو مشيتهم أو طريقة كلامهم أو بعض حركاتهم ويعرف أن هذا إبن أو أخ أو أب فلان كما كان يهتم بالتواصل مع صلات الأرحام والأصدقاء.
كان أيضا يتمتع بحدة الذكاء وحضور البديهة لدرجة أنه برز حتى في مجال عمله الذى كان يحتاج إلى كثير من العلم والدراسات والدقة. ورغم أنه كان مديراً للحسابات إلا أننى عاصرته حين كان ينوب عن المدير العام لإدارة شركة الظفرة للتأمين في كثير من الأحيان. حياته وعمله في أبوظبى أكدتا أن شريف كان رجلاً حلو المعشر حتى خارج حدود بلاد.. فعدد الأصدقاء والمعارف من الجنسيات المختلفة، خاصة إخواننا الشوام والمصريين الذين عرفوه، كان لا يعد ولا يحصى، وقد أحاطوه جميعاً بحبهم وشغفهم لرؤيته وكانوا ينتظرون أن تخرج من فمه كلمة حتى يضحكوا ويمرحوا. ما كان يعجبهم فيه أكثر أنه كان جريئاً و صريحاً قولاً وفعلاً. فعندما يتحدث ما كان يضع حواجز أو فلاتر.. يطلق الكلام على عواهنه بدون رتوش فيعرف الناس حقيقتهم، فمنهم من يرتاح ومنهم من يغضب لكن كان هو أيضاً متقبلاً لما يقال عنه أو أي نقد.
قديماً كانت العلاقات مع كبار السن، مع الأب أو العم أو الخال ومن فى حكمهم، فيها حواجز و كثير من الحذر. هذا الحال كان لا ينطبق على شريف.. فقد كانت له علاقات حميمة مع من يكبرونه سناً، فمثلاً كنت أراه يجلس فى قهوة "قندول" فى الخرطوم 3 بالساعات مع والدى والعم محمد هارون سليمان والحاج مختار والشيخ جمال محمد صالح، طيب الله ثراهم، بل كان يداعبهم ويتبادل معهم النكات والقفشات، ونحن مستغربون لذلك التبادل معه، وكان يودهم ويزورهم و هم يودونه وينتظرون لقاءه.
كان ذهنه حاضراً وخياله رحباً متقداً. فما أن رأى شيئاً إلا وشبهه بشيء آخر فيحيرك التقارب وملامسة الواقع وسرعة خياله فى إلتقاط الشبيه لمن ترى أمامك. من الأمثلة لذلك : فى زمن بعيد كنا جلوساً فى مطعم فندق الشرق بشارع الجمهورية وكان المتر أو النادل آنذاك رجل أبيض قصير القامة شعره أسود ناعم جميل ويسرحه إلى الخلف... فما أن لمحه شريف قال : "عامل كده زى مجيب الرحمن"، فلم نتمالك أنفسنا من الضحك من شدة الشبه والسرعة وخيال شريف الذى أتى برئيس الوزراء الشيخ مجيب الرحمن من قصر الحاكم فى بنغلاديش إلى فندق الشرق بشارع الجمهورية. ولو كنت معنا لتخيلت الشكل أكثر وضحكت علماَ بأنه فى ذلك الزمن كانت ثقافة السياسة العالمية وأدوات التواصل الإجتماعى و تناقل الصور محدودة جداً. هذا مجرد مثال واحد جاء وليد اللحظة.
هذه ملامح من رحلة المرحوم شريف فى الحياة وعموماً رحلة الإنسان هى رحلة قصيرة مهما طالت لكن ما يبقى فيها ما أنجزه الإنسان وماذا فعل لغيره ليترك السيرة الطيبة حتى لا يكون نسياً منسياً. رحل شريف منذ سنوات وما زلنا نتداول سيرته الطيبة أمس واليوم وغداً.
وكما قيل اللقاء والرحيل أمران يُحدثان جلجلة فى القلب لكن فى إتجاهين مختلفين، الرحيل يبقى مؤلماً حتى اللقاء، واللقاء يبقى مفرحاً حتى الرحيل، وبين هذا وذاك أحاسيس وذكريات تبقى عالقة فى الوسط. ولذلك فإن الإنسان لا يختفى بموته، بل يموت حقاً حين يرحل آخر الذين عرفوه وأحبوه وذكروه، فالموت الحقيقى هو النسيان ، فالغائب مثل شجرة غريبة يجب أن تسقى كل يوم على إمتداد الأشهر والفصول وإلا ذبلت ويبست وأمحى طيف صاحبها. هكذا سيظل شريف حياً فينا فسيرته الدائمة هى السقيا وذاكرته ستبقى خالدة فى أجيال وأجيال قادمة.
ولوصف هذا الحال أردد أبعض بيات من قصيدة إبن قريته بل إبن حيّه الدكتور المرحوم محمد مهدى أحمد على:
وقد مددت يميني كي أصافحه فإذا بأحمد طيف غير موجود
مضى تولى تناءى عن مرابطنا.. فأعجب لطيف تولى غير مطرود
واحسرتاه فإني اليوم تقتلني.. ذكرى الصحاب بتأريق وتسهيد
كثيراً ما ينعى المؤمن نفسه.. فعندما تخرجت أصغر بناته الدكتورة نادين قال شريف: "الحمد لله فقد أديت رسالتى وحجيت وما بقى لى شىء". وذكر صهره أنه كان يود العودة صباح اليوم الثانى إلى حلفا ليلحق بعمله هناك إلا أن شريف قال له: "إنتظر شوية الجماعة ما بقدروا يعملوا أى حاجة"، وكأنه أحس بدنو أجله. وفى صبيحة اليوم الثانى من يناير 2010 وبعد أن أدى فريضة صلاة الصبح أدار "موتور" الماء فى حوش منزله وإستلقى على سريره فى إنتظار توفر المياه فى الخزان ليتسبح إستعداداً للخروج. وما هى إلا لحظات فى سريره حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها وسط دهشه زوجته وبناته لعنصر المفاجأة. وسبحان الله فقد غُسل بنفس المياه التى جمّعها ثم صلوا عليه فى المسجد وشيعه عدد كبير إلى مثواه الأخير بمقابر فاروق بالخرطوم.
اللهم وسِّع مدخل شريف وأفسح له فى قبره مد بصره وأحشره مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و حسن أولئك رفيقا.
ودعواتنا لزوجته وأبنائه وبناته وأهله وأصدقائه بالصبر والسلوان.. والله المستعان. وهكذا حال الدنيا لا تدوم لمخلوق.

شوقى محى الدين أبوالريش
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.