معركة قوى الثورة الديسمبرية المجيدة ضد بقايا دويلة الهوس الديني لم تنتهي بموقعة كافوري ليلة الأمس, فالنظام البائد ما زالت خلاياه نائمة داخل مؤسسات الدولة تمارس فقه التقية, وهناك بعض من منافقيه لو سمعت هتافهم منادين بالمدنيااااو لحسبتهم الأكثر ثورية من الشهيد عبد العظيم, اليافع الذي رق قلب والدته عليه حين هم بالخروج من بيت أمه وأبيه للانضمام الى مواكب الثوار بأم درمان, فما كان منه الا أن خاطبها قائلاً: إذا أمسكت كل أم بفلذة كبدها يا والدتي الحبيبة فمنذا الذي يقوى على مواجهة الطغيان و يناهض الظلم ليريح الشعب من شرور جبروته, أو كما قال.

الأحزاب المؤدلجة هي من أعقد التنظيمات السياسية, كالجبهة الاسلامية التي بني فكرها على أيدلوجيا التطرف والهوس الديني, وشحنت دماغ كادرها السياسي منذ مراحل دراسته الأولية بقيم ميتافيزيقية لا تمت الى واقع حياة الناس بشيء, فحرفت فكر و سلوك هذا الكادر بأن صورت له نفسه بأنه لا يختلف عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في المنهج و السلوك, الفاروق الذي ما سلك طريقاً إلا وسلك الشيطان طريقاً آخر, فعشعشت الفكرة في رأسه متناسياً فارق الزمان و اختلاف الانسان.

وبعدما شب و شاب هذا الأخونجي وجد نفسه كما وجد أهل الكهف أنفسهم غرباء في دنيا جديدة حالت بينها وبين دنياهم القديمة قرون من الزمان وشروخ على جدران المكان, هذا المنظم الاسلامي عاش حياة منعزلة و منفصمة و جدانياً عن أهله و أصدقائه و جيرانه وأولاده, وظل يلهث ويبحث طوال حياته عن قيم ومعاني افلاطونية هلامية بعيدة عن واقع الحياة التي يحياها الناس في الالفية الثانية, هذه الثورة الهائجة و المائجة التي اشتعلت نارها منذ عام وبضعة أشهر, أدخلت هذا الرجل المتأسلم في هيستيريا وحالة من الدوار وعدم الأتساق, إذ أنه مازال متأرجحاً بين ما تم حشوه في جمجمته من ترهات و خزعبلات هيأت له أنه القائم بأمر دين الله في الأرض, وبين مد كاسح من الوعي الجديد لشباب غض وضع ملامح مختلفة لخط سيره في الحياة, لقد قضى هذا الموتور وقتاً طويلاً متوهماً أن مشروعه غير العقلاني هذا لا يقوى على هزيمته أحد, متكأً على هلوسة باطلة تهمس له في أذنه وتقول له إنّه مشروع رسالي مبارك من السماء.

ما زلت أذكر ابن مدينتي الذي غشّه الكيزان فأرسلوه الى جنوب الوطن الحبيب مجاهداً في سبيل حماية مشروع دويلة الهوس الديني, الشاب الواعد الذي استمرأ الوهمة الجهادية و أكمل ثلاث سنوات جامعية دون أن يجلس لامتحان واحد من الامتحانات الرسمية, معتمداً على ما كان يسمى (امتحانات المجاهدين), ذلك العار الاكاديمي الموصوم على جبين النظام البائد, الذي شوّه لوحات الاعلان في الكليات الجامعية في ذلك الزمان بقوائم اسماء المهووسيين القادمين من الجنوب, لقد اصطدم ابن هذه المدينة العريقة بحتمية الجلوس لامتحان السنة الرابعة و النهائية لنيل البكالوريوس, لأن المفاصلة بين الأخوة أولي البأس قد ألقت بامتحان المجاهد على قارعة الطريق, أصيب ابن مدينتنا المجاهد الغرير بصدمة نفسية قاسية افقدته عقله, فلا هو قادر على أداء امتحانات السنوات التي خلت, ولا هو يعلم مثقال عشر من واجبه الاكاديمي للسنة النهائية.

ميدان المعركة يا إخوتي وأخواتي في حقيقته يقع في المساحة الفاصلة ما بين العقل الثوري الواعي من جهة ومخلفات التخلف و الغلو الديني والتطرف و الجهل من الجهة الأخرى, كل الذخائر التي سمعنا صوت تفجرها المرعب ليلة الأمس تسبب بها رجال يحملون عقولاً فارغة إلا من حشو الهوس الديني, فكما اشتغل جهاز الدولة البائدة في التمكين لذوي العقول المغسولة والخربة لمدة ثلاثة عقود , على جهاز حكومة الانتقال أن يفسح الباب واسعاً للعمل التوعوي الذي يستهدف الشباب, فالواقع المأساوي الذي كابده سكان مدن الخرطوم الليلة الماضية بدأ ببذرة شرارة صغيرة غرسها وأشعلها عرابو المدرسة الأصولية المتشددة, في أذهان المراهقين عندما سطوا على كرسي السلطة في ليل بهيم من ليالي العام الخاتم لثمانينيات القرن الماضي.

إنّ مهمة نشر الوعي هي الاكثر صعوبة من هيلمانة القيام بتدشين حملات اجبار الناس لحمل البنادق , كتلك الحملات التي كان يقوم بها نظام المخلوع بهدف التجنيد القسري للشباب و الطلاب, فبناء الأوطان لا يكون بزيادة العدة والعتاد العسكري وكم التسلح وتملك الأسلحة, وإنما يقوم على إيقاظ العقول النائمة من سباتها العميق الذي طال واستطال, والاسراع لافاقتها من حالة التخدير الكامل ألذي ادخلها في غيبوبة دامت سنين وسنين نتاج وخزها وحقنها بإبر أفيون الهوس والتطرف والدعشنة.

إسماعيل عبد الله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.