قال تعالى : ( ولا تبغ الفساد فى الارض ان الله لا يحب المفسدين ) اية 77 سورة القصص
لعله وبعد هذه الوحدة الوطنية و الوقفة الرائعة لمختلف شرائح المجتمع السودانى (عدا اولئك العاقين من جماعة الانقاذ ) مع ثورة الشباب السودانى المباركة التى نادت بالعدالة و الحرية و السلام .. علينا جميعا ان نستثمر هذا الموقف وتحقيق تلك الشعارات و نبدا بخطوات تصحيحية لاخطاء كثيرة وقعت سابقا و لعله من الاستدراك الجيد ان نبدا بالعمل بجدية فى تلبية مطالب الشارع الشاب الثائر الذى كانت العدالة شعاره و يدفع جهود الإصلاح بمكافحة الفساد أولا و ذلك باعداد قانون من اين لك هذا لمن تولى المسؤلي ابان العهد السابق و لمن سيتولى المسؤلية اليوم بدلا من قانون اقرار الذمة المالية الذى اثبت فشله لوجود ثقرات كثيرة يمكن الالتفاف عليها والنفاذ من خلالها كما كان يحدث فى عهد الانقاذ البائد .. ؟؟
الفكرة من وراء قانون من اين لك هذا صائبة و تصب فى خدمة الاجابة على( سؤال المليون ) من قبل الشارع السودانى فالمسالة غايتها هى الجرح و التعديل للسمعة المالية التى تواجه المسؤل فكتب التاريخ الاسلامى مليئة بالقصص و اقرب مثال ذلك الاعرابى الذى واجه الخليفة عمر بن الخطاب عندما صعد عمر الى المنبر و بدا حديثه قائلا :السمع و الطاعة..فقاطعه ذلك الاعرابى لا سمع و لا طاعة ( فيتو عليك يا ابن الخطاب بلغة اليوم ) .. من اين لك هذا الجلباب الطويل يا عمر يا ابن الخطاب فالاقمشة التى وزعت علينا كانت متساوية القطع .. فلماذا قطعتك اصبحت طويلة هكذا بينما قطعنا صغيرة لا تتجاوز الركب .. ؟؟ توجد شبهة فساد هنا .. لا بد انك مختلس يا عمر .. ؟؟ لم تتحرك الاجهزة الامنية لاعتقال الرجل .. لم يضربه احد من قوات الدعم السريع ولا الحرس الرئاسي .. بل الكل ينتظر إجابة مقنعة من الخليفة عمر على سؤال ذلك المواطن ذلك السؤال المشروع من اين لك هذا يا عمر ولم يقل له يا امير المؤمنين .. ؟؟ فالتفت عمر يمينا و يسارا الى ان وقعت عينه على ابنه عبد الله فقال له تعال يا عبدالله و قل لهم كيف اتتنى هذه الزيادة فى التوب .. ؟؟ فقال عبد الله بن عمر : كما تعلمون ان ابى فارع الطول و القطعة التي كنتم اعطيتموها له لاتكفيه فقمت باعطائه قطعتى . ليضيفها الى قطعته .. !! عندها قال الاعرابى : الان السمع و الطاعة .. يعنى براءة يا عمر من تهمة الفساد .. و عمر كان هنا امير المؤمنين .. ؟؟
وهنالك امثلة معاصرة لمسئولين من بلادنا السودان كانوا مثالا للعفة و الاستقامة لم تمتد ايديهم للمال العام و لم يتهموا فى ذمتهم المالية بعد رحيلهم فهناك عبود برغم وصفه بالدكتاتور الا انه لم يسرق و لم يوصف بالخيانة و يتهم بالفساد المالى .. و قصة الازهرى و دفتر الجرورة و الشيك بدون رصيد و كان حينها رئيس وزراء .. و جعفر نميرى برغم دمويته الا انه كان مثالا اخر للاستقامة و نظافة اليد .. بالمقابل هناك اخرين ليسو من بلادنا طالتهم المساءلة على مئات الدولارات و ليس ملايين وكان الثمن حياتهم السياسية و الوظيفية ..
لكن تبقى العبرة و قبل اعداد مشروع القانون .. وقبل ان تروج له الحكومة الجديدة على انه العلاج السحرى لامراض الفساد المالى و الادارى لبعض مسؤلى الدولة كما كانت تفعل ذلك حكومات الانقاذ البائدة ان يكون لدى الحكومة نية قاطعة فى تطبيق قانون من اين لك هذا .. ؟؟
رسالتنا الاولى لحمدوك : اعلن على الشعب السودانى ما هو راتبك و امتيازاتك و رواتب وزرائك و امتيازاتهم عملا بمبدا الشفافية و درءا للشبهات فكما تتحدثون عن تحديد الحد الادنى للاجور و تعلنونه على الملا فينبغى ان يحدد كذلك ويعرف الشعب السودانى عن الحد الاعلى لاجور المسؤلين حتى لا يكون السقف مفتوحا الى السماء كما كان فى عهد الانقاذ الفاسد .. ؟؟
لتكن بداية تطبيق سؤال من اين لك هذا بالرئيس المخلوع البشير نفسه اذ لا تسقط جرائم المال العام بالتقادم و يستطيع النائب العام بهذا القانون ن يثبت انه كان فاسدا اذ ان مجموع رواتب البشير و الامتيازات التى حصل عليها منذ استيلائه على الحكم فى اواخر التمانينات من القرن الماضى و الى لحظة اقتلاعه لا تكفى للحصول على ربع ما هو لديه اليوم من املاك و هذا بحد ذاته كفيل بادانته .. و يكشف و بجرة قلم و بدون لف و دوران ان الرجل كان فاسدا و اعتدى على المال العام .. وسخر وظيفته للاثراء غير المشروع بعدما تبين و على حسب قوله فى لقاء تلفزيونى متاح للجميع مع قناة سودانية 24 مع الطاهر حسن التوم انه يمتلك عقارات و مزرعة و غيرها مما خفى و سيكتشف باذن الله تعالى اضافة للعقارات و الاراضى و الشركات التى تمتلكها زوجته بالاضافة الى ما حصل عليه اخوته و خاله الرئاسى انه كان هنالك ايضا استغلالا للنفوذ من عائلته .. و كذلك تطبيقه على باقى المسؤلين الذين تولوا المسؤلية العامة فى العهد البائد اذ لا يمكن لوزير سودانى يتقاضى راتبا محددا ان يشترى قطعة ارض ب 2 مليون دولار دون ان يشك احد او يتساءل عن ليلة القدر التى هبطت عليه فى غير شهر رمضان .. ؟؟
المسؤل فى نهاية الامر عبارة عن موظف يتقاضى راتبا محددا و يجب ان يكون ذلك الراتب وما يتبعه من علاوات معلوما للجميع عند تعيينه فى ذلك المنصب و يعلن ذلك فى الجريدة الرسمية و ذلك اسوة بما يحدث فى كل دول العالم .. اذكر اننى قرات فى احدى الصحف السعودية اعلان عن تعيين احد وزراء العمل بعد ذكر اسمه و وظيفته ذكر ان راتبه كذا و علاواته كذا كل ذلك نشر فى الصحف .. بل كل العالم يعرف راتب الرئيس الامريكى وراتب المستشارة الالمانىة و غيره ممن يتولون المسؤلية فى العالم .. ما عدا سودان الانقاذ سابقا فالسقف كان مفتوحا للسماء و لا احد يعلم .. ؟؟
امور فنية كثيرة يجب ان يتضمنها قانون من اين لك هذا .. فمن المؤكد ان السؤال لن يوجه من قبل اى شحص ..كما ان الاجابة عليه لن تكون بسيطة و متاحة لذلك يجب ان يعالج القانون كل الشبهات فى الفساد المالى و الادارى .. و يجب ان بضمن للشارع السودانى أجابات شافية عن اسئلة الثراء الفاحش الذى سيظهر على اى مسؤل تولى مناصب رسمية فى جهاز الدولة السودانية اذ لا يعقل ان موظفا ايا كان موقعه فى الوظيفة العامة من اصغرها الى اكبرها و اعلاه ان تظهر او تكون لديه ثروة بالملايين خلال توليه ثم لا يواجه ولا تقع عليه اسئلة عن ثروته وهو لا يعمل فى القطاع الخاص حتى و ان كان وارثا فانها لن تصل باى نسبة مما يمتلكه .. يجب ان يكون القانون موجها لخدمة الاصلاحات الشاملة فى الدولة فتصحيح هذه الخطوة حتى و ان جاءت متاخرة لكنها ستؤسس لحالة من الثقة بمؤسسات الدولة الرسمية .. و حالة خوف من قبل من يتحمل المسؤلية فسؤال من اين لك هذا سيكون حاضرا فى وجدان كل المسؤلين لذلك يجب تبسيط اجراءات هذا السؤال لمستويات المواطن العادى .. و الذى ان علق بسؤال من اين لك هذا سيرعب كل من اختلس جنيها واحدا من المال العام سيندم على حيث لن تسقط التهمة بالتقادم و سيعلم الذين ظلموا اى منقلب سينقلبون
وسيعلم اى انسان قبل ان تمتد يده للمال العام ان القانون سيطاله يوما .. ؟
لا شك بان هذا السؤال و تداعياته و احكامه سترخى حالة من الطمانينة على الشارع السودانى .. و حالة من المسؤلية فى كل مؤسسات الدولة السودانية لذلك فان سؤال من اين لك هذا هو اول مراحل الاصلاح يقوم عليه ان يخدم مصالح التهدئة فى الشارع السودانى .. و عودة الثقة لمؤسسات الدولة السودانية و التى افسدتها جماعة الانقاذ البائدةو فعلت فيها ما فعلت فسمعنا بوزير يشترى قطعة ارض فى الخرطوم ب 2 مليون دولار .. و سمعنا بجنسية و جوازات تباع للأجانب و لللاجئين بالدولار و فى سوق الله اكبر و على عينك يا تاجر .. ؟؟
نريدها ان تكون بداية الانطلاقة .. و عودة الوعى و الثقة لجهاز الدولة .. نريدها خطوات نحو المستقبل .. نحو سودان لا مكان فيه لالغاء الاخر بل للكفاءة .. نرى ان نكون نموذجا متقدما فى محيط غير مستقر .. و جوار غير امن .. نريد ان يعلم المواطن ان المسؤل مواطن مثله له ما له و عليه ما عليه ن اخطا يسال فالاصلاح الحقيقى و الهادف سيكون اداة لاستقرار و استمرار السودان كبلد متقدم وسط اقليم متخلف .. و لا يكون ذلك الا بالإصلاح الحقيقى الشامل الهادف الذى سيخدم الاجندة الوطنية .. فقد انتظرنا طويلا واضعنا وقتا طويلا .. لكن ما زالت الفرصة امامنا ذهبية كى نخطو للامام بخطوات ثابته لا تعرف التوقف و التردد من اجل ان تستمر مسيرة الثورة الاصلاحية .. فلقد كانت ثورة الشباب رسالة موجهة للجميع من سيحكم و من سيكون فى الجانب المعارض بان الوطن خط احمر لا يحق لاحد ان يتجاوزه و يتعدى عليه .. و لا يحق لاى كائن كان ان يتلاعب بمقدراته و ينهب ثرواته بدون رقيب كما كان يحدث فى العهد البائد .. ؟؟
الرسالة الاخيرة لمن سيتولى المسؤلية فى الحكم هى ان تستثمر هذه الوحدة الوطنية التى قد لا تتكرر و تبدا فى فتح جبهة الاصلاح التى يجب الاتوقف ابدا .. يجب ان تستثمر و تظل هذه الجبهة هى الاخرى جبهة يقظة تقاتل فى سبيل مقدرات الوطن و المواطن مثلها مثل باقى الجبهات .. فالوطن يتسع للجميع .. و لكن لا مكان لفاسد فيه او خائن .. ؟؟

حمد مدنى حمد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.