منذ اليوم الأول لإعلان البيان الثاني للفريق أول عبد الفتاح البرهان, في الثاني عشر من أبريل في العام المنصرم, قلنا لابد من تفكيك جهاز الأمن و المخابرات و إعادة هيكلته, فماطل العسكريون و المدنيون من جماعة قوى إعلان الحرية و التغيير فانفجرت القنبلة الموقوتة اليوم, الانفجار المتمثل في تمرد بقايا النظام البائد التابعين لهيئة العمليات بجهاز الأمن والمخابرات, لا تسمعوا الحجج الواهية المتعلقة باستحقاقات المسرحين من أفراد هذه الهيئة, فالموضوع أكبر من ذلك بكثير والأمر جلل, إنها تقاطعات المصالح الاقليمية و الدولية.

من ظن أن جماعة الاخوان المسلمين ستترك السلطة هكذا دون مقاومة, يكون شخص بعيد عن عالم السياسة السودانية, فالتغيير الذي تم في الحادي عشر و الثاني عشر من أبريل الماضي, لعب فيه دوراً فاصلاً الفريق أول أمن صلاح عبد الله قوش, هذه حقيقة, خرج الرجل ودخل البلاد وسوف يفعلها ثانية و ثالثة ورابعة, ولكن تظل مشكلته الوحيدة والمعيقة لتطلعاته السياسية, هي أنه صاحب شخصية مكروهة ومبغوضة من جميع مكونات الشعوب السودانية, وستتكرر مؤامرات هذا القوش إذا لم يتم حسم أزمة هذه القوى الأمنية المنفلتة والتابعة للنظام البائد.
المرحلة القاسية التي تمر بها بلادنا هذه الأيام, ضرورية و حاسمة برغم ما سوف يتمخض عنها من ضحايا في الأرواح و خسائر في الممتلكات العامة, لكن ومع كل ذلك لابد من حدوثها, وكل صاحب بصيرة يعلم تمام العلم أن عملية الاسقاط الكامل للنظام لم تكتمل بعد, بينما دمبلاب ظهير قوش ما زال قائماً ومديراً للجهاز الذي أسسه وأشرف على تطويره رئيسه, هؤلاء القوم لن يسكتوا على مشاهدة زوال سلطانهم وانهيار امبراطوريتهم بهذه الطريقة المؤلمة, خاصة وأنهم ظلوا وعلى مدى ثلاثة عقود يمثلون واجهة المجتمع السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية.
ما حدث اليوم يعتبر ناقوس خطر مبكر يدل دلالة كبرى على خطل النظرية الاخوانية في كيفية سياستها للناس, فأي عاقل لا يمكن أن يعلن عن المواجهه العسكرية مع سلطة وليدة جاءت من رحم ثورة شعبية عظيمة حازت على قلوب الجماهير , ما حدث يعتبر انتحار سياسي لهذه الشرزمة المهووسة, التي استعانت بذات الرجل الذي اوصلها لهذا الحال البائس عندما خانها وتآمر ضدها, ففي اللحظات التاريخية الفاصلة لا يمكن للقائد الحقيقي أن يهرب و يترك قيادة المعركة للذين يلونه في الرتبة العسكرية وموقع المسؤولية, الأمر الذي حدث مع قوش.
سيتم احتواء الموقف وسينكشف مخطط الدولة الجارة التي منّت نفسها الأماني بالاستفادة من تعاملها الناريخي مع متناقضات الملف السوداني, بذات الطريقة التي اعتادت عليها قياداتها السالفة في التعاطي مع هذا الملف الشائك, إن جميع التجارب التي سبقت في استخدام آلة العنف و القوة العسكرية في تغيير النظام في الخرطوم دون اجماع شعبي قد أثبتت فشلها, ومنها محاولة دخول الجبهة الوطنية بقيادة محمد نور سعد ممثلاً لكل من الصادق والشريف الهندي والترابي في سبعينيات القرن الماضي, ومحاولة زعيم المهمشين الدكتور خليل ابراهيم لاقتحام عش الدبور في مدخل الألفية الثانية.
العبرة من أحداث اليوم هي وجوب تآلف و تآخى جناحي المجلس السيادي, وضرورة عملهما سوياً من أجل إخراج البلاد من نفق الفقر و الحرمان و حالة عدم الأمان الذي يعاني منه الشعب السوداني, فالملف الأمني في القضية السودانية هو الأهم, بالأخص لدولة تجاور دول محورية كمصر وأثيوبيا وأرتريا مثل السودان, فهذا الثلاثي الخطير الذي يؤثر فينا و نتأثر به وترتبط مصائر شعوب أمتنا به, مع الوضع في الاعتبار هشاشة الوضع السياسي والأمني الداخلي لبلادنا, فإن لم يحدث هذا التآلف سوف يجتاحنا طوفان الأطماع الدولية والاقليمية.
ظللنا نرغي ونزبد و نقول بأن أزمتنا الحقيقة تكمن في عدم تماسك جبهتنا الداخلية, هذه الجبهة التي في حقيقة تكوينها تمثل العديد من الجبهات, جبهة الشرق و جبهة الشمال و جبهة دارفور و جبهة كردفان و جبهة الجزيرة و جبهة الخرطوم, فهذه الجبهات الست لها تمايزاتها الوجدانية واختلافاتها الثقافية التي تحتاج إلى خطاب إعلامي و سياسي جامع يصهرها في صحن واحد, حتى ينعم الجميع بالأمن و الأمان وحتى لا يعيش الكل في خوف و رعب وانعدام للطمأنينة.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.