أعتذر لغيابي الطويل فقد كنت متوعّكاً قيد الفراش قرابة العشرين يوماً أيام عيد الفصح.

كنت في اغترابي كما ذكرت سابقاً، أذهب لحانات الخمر في فترة غربتي لممارسة الإجتماعيات من بابها الأوحد تقريباً، ولكني، كما هو الأمر الذي دأبت عليه طوال حياتي، التزم بمبدأ عدم الانغماس والإنشغال في أي أمرٍ يذهب عني سلطة نفسي على نفسي. كنت أسمي بعضها أحياناً البعد عن التسليم، مثل التوقف متعدداً عن التدخين، عدم تدخين سجارة الصباح أو سجارة النوم كما هما مفضلتان لأغلب المدخنين. أو شرب الخمر في فسحة الغداء في العمل أو الكلية، أو كأس الصباح. وكنت أسمي بعضها الآخر تأديب النفس، مثلاً بعد أن التقاني مدرب فريق الهلال في مسبح جامعة الخرطوم، وخرجت من المسبح لأدخن سجارة، فنصحني ألا أدخن عندما تكون رئتاي في حالة انفتاح تام، في فترة الرياضة أو أثناء سيري في الطريق، فالقطران والنيكوتين يصلان فُتق من الرئة لا يصلانها في التدخين وقت الراحة، فليس عليّ أن أعلّها حينئذٍ. وعلى نفس المنوال أخذت على نفسي أن أوقف فجأة عن أي خمور أوتدخين، أوسورة غضب أو عدم تسامح، وعن كل متعة حتى لو كانت من الحلويات، بعد كل شهرين لفترة ترجع فيها سيطرتي على نفسي، قد تأخذ عشرة أيام وقد تصل للشهر. فأسست في نفسي عدم فقدان "بوصلة الخير والشر"، وادخرت ذاك، نيةً مدى حياتي.
وبعد انفصالي من زوجتي الإنجليزية، وبعد فترة الماجستير، رجعت لمنزلي في كنقسونفورد في منطقة بيرمنجهام ولا زال به المؤجرون الطلاب العرب الثلاثة نبيل وغسان وماهر لتسليمه لي ومغادرته. وبدأت إجراءات عرض البيت للبيع لإجراءات الطلاق وتبقى فيه منهم فقط ماهر لإيجارةٍ أطول. وكنت أعمل أغلب ساعات اليوم. وفي ذات ليلة أتى نبيل وغسان وبدأوا كلهم معاً في إعداد وجبة عشاء عربية بالفول والزعتر والحمص والفلافل والشطة، وموسيقى عربية، ولما رجعت من العمل بعد المساء انضممت إليهم، ودخل عليّ صديقي الإنجليزي من العمل والذي كان قد ترك معي صديقته سوزان في البيت، ومعه شاب وشابة تكبره سناً وعرّفني بهما وقال إنها دكتورة في علم الاجتماع وتطلّقت من زوجها الذي كانت تدير معه حانة شراب هي مسكنهم في ويلز، والتقاها في البار والتقى ذاك الشاب من ويلز ايضاً، ودعاهما لزيارتي على أنني أيضاً خريج جامعي كنت في دراسة فوق الجامعية لتوي. تعرفت بهم، وكان صديقي قد أحضر معه كمية من الشراب، فعرفتهم بأصدقائي العرب وتناولنا جميعاً الأكل العربي وبدأنا نشرب وكلنا (إلا ماهر وغسان). وجلست معي تلك الدكتورة واسمها جان، وتبادلنا كثيراً من الأحاديث حول فلسفات الحياة. وفي لحظةٍ سقطت على الأرض وهي مخمورة، فتقدمت سوزان لترى ما عليها فنادتها جان بأنها تحتاج لمشروب سكر مركز. فقالت سوزان إنها تحت صدمة سكري، وبعد شراب السكر قامت معافاة، وأخذتها سوزان لغرفة لتنام.
وفي الصباح صارحتني بأنها مصابة بسرطان في الغدة الدرقية وأن الطبيب أعطاها ستة أشهر مدة قصوى تعيشها، وهي لذلك تشرب كثيراً، وأن زوجها أهملها ومسك عنها بناتها الثلاثة ولكن أمها احتفظت بتعهد له بالبنتين الصغيرتين لترعاهما, جان تبكي فراقهم يومياً.
انفطر قلبي لما هي فيه وهي تكبرني قليلاً وفي غايةً الجمال، مع نضوجٍ في شخصيتها، وطمأنتها قائلاً لها "سنبدأ من الأول ونطلب أوراقك الطبية من طبيبك ونسعى لعلاجك ولكل سعي حظه. ولو تستطيعين أن تُليني ثقتك أود أن أؤكد لك أنك لن تفقدي شيئاً فعندنا في الإسلام الموت حق والحياة باطلة، فلا تهلعي على ما لا قيمة له فلن تفقدي ما ليس بدٌ منه." ثم طلبت منها أن توقف الشراب فوراً وسأوقفه معها فوراً. سألتني عن الإسلام وصارحتها أنه الدين الحق والذي عن طريقه تكسب آخرة خيراً من دنياها، وشرحت لها عن صراع الخير والشر حقيقته الواقعية والجادة في الإسلام. أعجبها الحديث وأعجبها الدين وطلبت مني إدخالها فيه. أوصيتها إن تدخل فيه عن توبةٍ صادقة، فستكون بعدها وكأنها مسلمة طول عمرها الماضي، ودهشت لفلسفة الغفران الإلهي الذي لا يتدخل فيه أحد أو طقوس. قلت لها أن تغتسل لتطهر نفسها من درن الكفر، ثم لتغطي كل جسدها ورأسها حتى تستطيع أن تسيطر على أخلاقها وتتحلى بمزايا دينها الجديد، ولا تمارس الجنس أو ما شابه من المغريات، وأنها بعد أن تتعلم دينها يمكنها الفرز بين ما هو حرام وما هو حلال، والمكروه والمستحب. ثم اوصلتها بصديقي الذي يتولى تعليمها الصلاة ويمدها بالترجمات الإنجليزية للدين الإسلامي.
أخذت جان بالسيارة لزيارة أمها وبناتها في ويلز، وكانت أمها سعيدة جداً وبناتها كُنّ في أوج السعادة. أخذنا معنا سجلها الطبي وسلمناه لطبيبي الذي، بعد معاودتها فترةً والفحص عليها مجدداً، تأكد له أن الظاهرة في غدتها الدرقية اختفت وزال عنها السرطان، واحتفلنا بذلك حمداً لله وثبّت ذلك في قلبها الإيمان أكثر.
والتقيتها مع الجالية السودانية التي التقي. وكنت آخذها الى البار ولكننا لا نتناول خموراً، وأحبتها أسرة البار. وهناك التقينا شاباً قوياً مقعّداً يدعى كارل، تعلّق بنا ودعوناه معنا لمنزلي، وكان ماهر دائماً يرافقنا. وفي المنزل تحدثنا مع كارل وعلمت منه أنه كان عازف الإيقاع لفرقة ال "بلاك ساباث" الشهيرة في أوائل السبعينات، وكان مقعداً منذ صغره لإصابته بشلل الأطفال، ولشدة آلامه كان يمنح مخدرات لعلاجه، بين المورفين والكوكايين، وأرساه طبيبه إلى حصة من الكوكايين تصرف له اسبوعياً. كان كارل متزوجاً ولديه طفلة، وله منزله، وحكى أن زوجته بدأت خيانته بعد أن انحلت فرقة البلاك ساباث، وبلغ بها الاستهتار ان تاتي بعشيقها وتطلع معه السلالم لغرفة النوم, وكارل يظل محسوراً في الأرض. ومنعها من ثمّ من دخول البيت وترك طفلته مع والدته. واعتزل كارل نشاطه الموسيقي وانحسر دخله ، وقال أنه لم يكُ أن يشرب خممراً فالشراب لا يفيده شيئاً، ولا يملك دخلاً غير نفقة الإعاقة، فيبيع بعضاً من مخدره لشراء مخدرات أرخص ليغرق نفسه، هذه المرة، في غيبوبة عن الواقع. ووعدته جان بانها كانت في علة أفظع وأنني ساعدتها فهي تسلك طريقاً جديداً فتح لها باب السعادة. وقال لي كارل "أخي سعيد أنا لن أصلح لذلك لأني لا أستطيع التوقف عن المخدر، ولا أصلح في دين وأنا في تلك الحالة من التخدير"، فردّت عليه جان " أنا خبيرة اجتماعية، وتلك ستكون مهمتي، وسعيد سيقودنا سوياً إلى التمسك بالخير فينا، ودين سعيد هو أساساً التمسك بالخير في حربه على الشر، ومن هنا اعتبر نفسك أنك في طريق الهداية، ولكنني أنا هي من يدلّك إذا أفلحت او اخفقت" وضحكت، ثم همست لي "سآمره يبيع أغلب مخدراته، ونجبله على شراب البيرة، والبيرة فقط، فهي أفضل مشروب روحي لتغذية العلاقات الاجتماعية وأقل سعراً من المخدرات القوية والكحول. فإذا كان عزمه في إصلاح حاله قوياً سيتبع خطتي وتكون تلك في طريق التوبة، أليس ذلك ما علّمتني؟" فأجبتها بالإيجاب وبدأنا في البرنامج.
بعد يومين جاءتنا والدته فرحة وهي لا تصدّق ما تحوّل إليه إبنها، وقد خرج من هبوطه النفسي وتعرّف على شباب ال "پنك" المدبجين بالجلد الأسود والأسورة والحلقان الفولاذية من هواة الموسيقى الفولاذية من بلاك ساباث، حتى انعدل طريقه واندمج مع شلته الجديدة والتأمت علاقته بأمه وبإبنته وقاد حياته المستقلة.
وتم بيع البيت ورحلنا لمنطقة "وانزويرث" في أطراف مدينة بيرمنجهام، أجرنا فيه غرفة لكلٍ منا. ورحل ماهر لمنزلٍ آخر. كان في البيت المواجه للبيت الذي سكنّاه أسرة سودانية ويقطن معهم عدد من الأهل.
ووصلتنا دعوة من الجالية السودانية أنها تقيم حفل وداع لشاب جنوبي انتهت بعثته ليعود للسودان، والحفل يقيمونه في منزل صديق جمايكي يتخصص في حفلات البيوت "هاوس بارتي" المشهور بها أبناء جزر الهند الغربية في إنجلترا.
ذهبنا للحفل وحملنا معنا خمراً للمضيف وأخطرناه أننا لا نشرب خمراً، وبدأ الحفل وكان بهيجاً وكنت أرقص مع جان، فدخل علينا شاب بهيج الطلعة له لحية وحيّانا وقال لنا أرى أنكم لا تشربون خمراً، فقلت نعم والحمدلله، فقال لي "أخوك في الله دينو، من أبناء الباكستان" فحييته وقدّمته لجان، وقال لي "هلا سمحتم لي بالانضمام إليكما؟"، قلنا سوياً "مرحباً بك"، وظل يرقص معنا، يطلب لنا العصير ونطلب له العصير، وندخن السجائر. وخلص لدينا السجائر، وصاحب الحفلة لا يبيع سجائراً، فخرجت أبحث عن متجر وكانت كلها مغلقة، وبدأت أبحث في محطات البصات عن ماكينات سجائر فلم أجد، ورجعت.
لم أجد جان ولا دينو، وسألت فقيل لي أنه قال بما أنني تأخرت فسيذهب بعربته لأقرب مكان لاحضار السجائر وذهبت معه جان. وانتظرتهما ولكن طال انتظاري، وتحيّرت هل قدّر مسافة أطول مما كان يحسب، وبدأ الحضور يتفرّقون وصاحب المنزل يرتّب منزله. غادرت لا ألوى علي شيء في ذهولٍ شديد، وقصدت الشرطة فوراً. شرحت لهم فذهلوا عند ذكري إسمه قائلين " إنه أخطر قوّاد مطلوب القبض عليه، فقد قاد كماً من البنات للدعارة" ووعدوني بالبحث عنهما فوراً. وبقيت مع الشرطة، ولكنهم نصحوني أن أذهب وسيصلوني عندما يصلوا لشئ.
وذهبت اتجول حتى تفتح المتاجر المبكرة لأشتري سجائر، ثم ذهبت سيراً لمنزلي، وأعلم أن جان لو حضرت، فستكون في معية الشرطة، ولكن كان المنزل كله مظلماً. وكان منزل السودانيين المقابل مضيئاً وفيه أصوات ضحك، فدخلت عليهم وكانوا يفترشون بطانية ويلعبون كوتشينة. وسألوني "وينك ؟" قلت لهم كنت في حفل تكريم الجنوبي ومعي جان ولكنها خرجت للبحث عن سجائر ولم تعد، فقالوا لي "جان ترقد هناك في تلك الكنبة وأحضرها سائق تاكسي بارك الله فيه وهي مصابة بعدة جروح وكدمات" ورفض أن يأخذ منا أجرة التاكسي، فهرعت إليها أتحسس جروحها، واستيقظت من النوم، وقفزت تحتضنني "سعيد يا عزيزي" وأخذت تبكي فقلت لها "ماذا جرى؟ ما فعل دينو بك؟" قالت "فور خروجنا بعربته اتجه لبيرمنجهام، فضحكت وقلت له هل هذه جولة فسحة قبل السجائر؟، فتجاهلها ودخل فوراً الكوبري الذي يقود بطريق سريع لبيرمنجهام. ارتعبت جان وبدأت تحاول الخروج، ولكنه أغلق الأبواب وبدأ يضربها، فسالته "لم تفعل ذلك؟" فقال لها "لا تعرفينني ولكنك الآن ستعرفين، فانا قوّاد لي قيمة في اختياري للنساء ولدي عملاء قيمين ينتظرونني اليوم ولذلك لا تحاولي مقاومتي" فصرخت في وجهه وأخذ يضربها فاصطرعت معه وهو سائق حتى تمكنت من فك إغلاق الأبوب، ثم فتحت بابها وقفزت من العربة. أسرع فأوقف العربة وطاردها حتى القى القبض عليها ولكمها ثم حملها للسيارة، وكانت منهكة خائرة القوى فقالت له بصوت ضعيف "أسألك بالله لا تفعل ذلك" فضحك ساخراً قائلاً لها "ومن أين تعلمين بالله وما ذا يجمعك به؟" قالت له "أنا مسلمة" ضحك بصوتٍ عالٍ وقال لها "وأنا البابا"، فحلفت له، فقال " مسلمة؟ وماذا تفعلين مع سعيد وفي حفل سكرٍ؟" قالت له "ليس لسعيد علاقة فاحشة معي، بل هو معلمي في الدخول للإسلام، ونحن لا نشرب". صمت دينو فترةً وبدأ بتهدئة العربة، وقال لها وماذا تريدينني أن أفعل؟" قالت له فقط إرجعني لسعيد وأنا أعدك بأنه لن يقدمك للشرطة. ثم أخرج دينو خنجراً من درج القفاز بالسيارة وقال لها "سأرجعك ولكن لو حاول سعيد الغضب أو التعصب فسأقتله". وكانت قد فقدت مفتاحها في تلك المعركة، ولما أوصلها طلبت منه أن ينزلها في دار السودانيين.
وصمت السودانيون يستمعون لها تحكي لي وهم في ذهول، وغضبوا كيف فلت ذاك القوّاد منهم.
اتصلت بالشرطة وشرحت لهم ما تم ودهشوا لتلك الخصلة الخفية في خلق ذلك القواد (وفي واحترام الإسلام الدين وليس الإسلام الخلق).
تم حسم قضية طلاقي من زوجتي، فأخطرت جان أنني أترك لها كل أغراضي واودعها هي في حفظ المولى عز وجل وأغادر لبلادي لأواصل رسالتي، وتعهد ماهر بالوقوف معها ومساندتها، وفارقتها والدموع تتدفق من عينيها...ومن عينيّ.
وفي السودان وصلتني منها قصيدة طويلة، اذكر منها الأبيات التالية:
Haven of hay and hills of scent and feel
Time enamoured makes it seem so real
…….
He gained me sight
I’ll keep that heal
I’ll hold on strong to the ray of light with all my might
I lost my doubt
I smile not bout … I chirp blurt out
For this man had shown me what life is
And what it’s all about.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////