ما أن يحين موعد الانتقال السنوي حتى يتم الإعداد والترتيب لانتقال الموكب السلطاني عابرا الى الشاوايه التي درجت العادة ان يمكث فيهاالسلطان بعضاً من اشهر السنة ويؤدي فيها صلاة عيد الفطر المبارك . في هذه الرحلة الى الشاوايه كان النحاس ابرز وسيلة إعلامية تُنبئوتخبر بمسير السلطان . قيل انّ النحاس يتألف من عدة قطع تُحمل على ثمانية جمال منها نحاسات كبيرة تّحّمل على أربعة جمال علىظهر كل جمل نحاسين كبيرين ونحاسات صغيرة ( تمبل ) تُحمل على الأربعة جمال الأخرى . قيل انّ هناك تشكلية من الجيش تتبع موكبالسلطان تمشي خلف موكبه . أما السلطان فيكون على جواد أُسرج بعناية وزُيّن بحللٍ ذهبية يتبختر في مشيته وحركته . يُضرب النحاسفيعلم الناس انه السلطان متجه الى الشاوايه ، أما الضربات فكانت تُضرب النحاسات الكبيرة جميعها في وقت واحد وبضربات متزامنة فتُحدث جلبةً ودوِّياً يُسمع في كل النواحي (جييو .. جييو .. جييو ) ويتخلل ذلك بوتيرةٍ اسرع إيقاعات على النحاسات الصغيرة تُصدر أنغاماً وتعزف مقطوعة تقول كلماتها ( بالفوراوية ) : 

( فاشر داينج تونج )
( طُرّه داينج تونج )
( شاواي داينج تونج )
( تُربو داينج تونج )
( دوبو داينج تونج )
( كيلا داينج تونج )
وهكذا تُذكر وتعدد المناطق ، منطقةٌ منطقه بمعنى أنّ المناطق والبلدات كلها بيوتنا وحيث ما حللنا فلسنا بالغرباء بل نحن أهل الدار
قيل انّ موكب السلطان يأتي احيانا الى الشرق من جبل عفاره ، فإذا كانت وجهته الى كيلا ثم الانطلاق الى الشاوايه ، سلك الموكب طريقامؤدياً الى تُربه ومنها الى كيلا حيث يقيم فيها السلطان يومين لإقامة الحولية السنوية في قبة جده يحي - يرحمه الله . اما السلطان في هذاالموكب فيكون في المقدمة يُحيط به من أمامه وعن يمينه وعن شماله مجموعة من الشّبان الأشداء من ذوي قرابته وممن تربوا على يده وهمركوب وهناك نفرٌ من الشبان على زيٍّ موحد يحملون في أيديهم عصي المارشات ما ان يقدم السلطان بالدخول الى القرى حتى تراهميترّجلون ويمشون على الأرض بنسق واحد يتقدمون موكب السلطان بينما الأهالي يصطفون على الطرقات جاثين ، مطرقي الرؤوس ويرددون ( سيدنا جيتن جيت .. سيدنا جيتن جيت )
اما على صعيد الشاوايه فقد جرت العادة ان تتهيأ قبلاً لاستقبال السلطان ، فما ان يُقرع النحاس باتجاهها حتى يقُمن النسوة في عمومالشاوايه بإعداد الطعام لضيافة السلطان ومرافقيه في فناءٍ مُعد لمثل هذه المناسبات كثيرًا ما يشهد فيه السلطان السباقات والمناسبات .
الشاوايه على عهد السلطان علي دينار أمّها خلق كثير فقد كانت تتألف من ثماني مشيخات وتقيم فيها تشكيلة عسكرية ( راس مِيّه ) ، وقدنُظمت الإقامة فيها لجميع القبائل ليكون سكناها الى الشرق من بيوت السلطان عدا الفور الذين حُددت لهم الناحية الغربية ، وقد قام السلطان ببناء مسجد ( القمير ) الذي شارك هو شخصياً في النفير لتجهيز طُوبه - رُوي أنّ السلطان شُوهد في ثوبٍ اخضر رُبطت أكمامه الى الخلف ، مُشّمراً يجتهد مع الناس في صنُع الطوب الذي بُني منه المسجد ، وقد عهد السلطان الإمامة والقضاء في الشاوايه الي الشيخ / الشريف عوض ابو دُواره من إشراف البرتي والذي تولى كذلك مهمة تعليم ابناء السلطان . ليس ببعيد من القمير كان دار السلطان تحده ( راكوبتين عظيمتين ) هما بمثابة ديوانين ومجلسين للسلطان تطّلان على الامتدادات السكنية شرقا وغربا ، ففي الصباح الباكر من كل يوميُهيأ المجلس الشرقي بالفُرش فيؤمه أعيان القوم والزعامات الأهلية وأهل الفُتيا والقضاء ويأخذ السلطان مكانه في هذا المجلس على كُرسي. كذلك يقصد هذا المجلس أُناس كُثر من اصحاب القضايا والشكاوى والمسائل ، فيه تُبّين الأحوال ويتم التداول في كثيرٍ من امور الشأنالعام وفيه يُنظر في بعض القضايا ويُفصل فيها ، فإذا حل المساء أغلقت الأبواب وقام عليها جنود الحراسة . اما السلطان - يرحمه الله ،فيجلس مساءاً في المجلس الغربي يستقبل أهله وخاصته ويستعرض الأحوال ، وقيل انه يتجول احيانا داخل الأحياء الغربية يجلس لدىقرابته ومعارفه من النسوة العجائز يسمع منهن ويمازحهن ، وفي بعض الاحايين يقصد بعض البيوت طالبًا تناول عصيدة إدامها ( الكول ) أو غيره من الاملحة المفضلة لديه .. وهكذا يقضي جزءاً من أماسّيه احياناً ، فإذا عاد السلطان الى داره أسدل الستار بإغلاق البوابةالغربية ليقوم عليه جنود الحراسات .
قيل انه في الناحية الغربية من الشاوايه تنتشر وقتها قطعان كبيرة من ماشية السلطان يقوم عليها نفرٌ من ابناء قبيلة ( البندله ) يعتنيبعضهم بحلب الأبقار وإعداد اللبن ( الروب ) والذي يُقدم لسقاية خيول السلطان . ومن مظاهر الاحتفاء بمقدم السلطان الى الشاوايه سنويًاوليمة تقدمها نساء كيلا تتقدمهن خالة السلطان الميرم ام الحسن بنت علي بنت يحي بنت احمد بكر حيث يقمن بتجهيز وليمة كبيرة فيها مالذ وطاب من الطعام ينقلنه من كيلا الى الشاوايه في وفد كبير من النساء تتقدمهن الميرم أم الحسن يقضين يوما كاملا يقدمن فيه ضيافتهنويعدن في المساء بعد إكرام وفادتهن من قبل السلطان .
وللسلطان في الشاوايه مواقف كثيره حكاها من عاصروه من الكبار سمعتُ منها ما حكاه جدنا /
( أبكر طُلْبَوْ ) الملقب بإبي زيادة قال : كنت صبيّاً ممن يركبون الخيل ويستعرضونها في الملّمَات أمام السلطان وقد جرت العادة ان يشهدالسلطان وبصورة راتبه سباقات الخيول عند مجيئه السنوي الى الشاوايه وكانت هناك نقعه ( ميدان ) مخصصة لذلك ما بين( القمير ) و(سُلم ) يُنظم فيها السباق وفق ترتيبات وطقوس .. ففي احدى المرات وبينما كان السلطان مقيماً في الشاوايه ، قمتُ مع احد أندادي بركوبفرسَيْنا قاصدين البئر للسقايه مرورًا بالطريق التي تعبر ( النقعه) . ولانّ الخيول تستشعر حاسة الانطلاق لخوض السباق حالما تجد نفسهافي المضمار الذي الفت ان تجري فيه فقد ( حرنت) أي تمّلكتها الرغبة في الانطلاق والجري بمجرد ان دخلنا أطراف ( النقعه ) ، لذا قلتلصاحبي ( خَلّنا نبّرد ليهن قلوبهن ) ، وبالفعل أخذنا شوطين وانطلقنا بعدها للبئر ، قمنا بذلك ولم يخطر ببالنا ان احدا سينقل خبر مثل هذاالتصرف التلقائي الى السلطان .. فما لبثنا في البئر الا قليلاً حتى قدم إلينا الخفر فأوثقونا قائلين أنّكما مطلوبين للمثول أمام سيدناالسلطان . فلّما جيئ بنا الى مجلس السلطان في قصر القمير في الشاوايه وامتثلنا أمامه وأدينا فروض الولاء والطاعة نادانا السلطانباسماء أبوينا قائلاً : يا ابن فلان ، ويا ابن فلان ، لماذا تطردان الخيل ؟ اما تعلمان أنّ هذا ممنوع ؟ فحكينا للسلطان ما كان من امرالفرستين وأنهما ( حرنتا ) فوقع منّا ما وقع ، ونحن معترفين بالغلط لكن نرجو السماح والعفو ونعاهدك بأن لا نكرر تلك الفعله مرة أخرىسيدنا السلطان . عندها عفا عنّا وأمر الخُدام لإعطائنا فطورًا فكان إناءُ لحمٍ لذيذٍ أجيد طبخه .
وقصة أخرى حكاها جدنا أبّكر (ابو زيادة ) قائلاً : بينما كان الطفل علي يرعى غنمه وبرفقة بنتٍ من بنات الفريق في نواحي وأطرافالشاوايه أذا به والبنت ينشغلان باللعب عن أغنامهما التي وجدت طريقها الى مزرعة للقطن . فبينما هما كذلك اذا بصاحب المزرعة يفاجئهماويقول : ( هاي يا عيال مالكم تركتوا الغنم يدخلن في زرعي ) ؟ وتقدم إليهما وكانت في يده عصى رقيقه ( بسطونه ) ، طرق بها طرقات خفيفهعلى رأس الطفل علي قائلاً : ( هذه كلها منك انت يا أب رويس ) . كبُر الطفل علي الملقب ( بعلي دينار ) ودارت عجلة الايام وتقّلبت الأموروالأحداث فجاء عليٌ سلطاناً على دارفور . وكانت واحدة من اهتماماته إعمار مسقط رأسه ومراتع صباه فكان ان بنى قصر القمير فيالشاوايه وخصها بزيارته الراتبة والمكث فيها بعضا من اشهر السنة على نحو ما ذكرنا .. استطرد جدنا ابكر ( ابو زيادة ) قائلاً : ففي بدايةعهد مجيئه الى الشاوايه سأل عن ذلك الرجل صاحب المزرعة فجيئ به اليه فذكر له السلطان ما كان من قصته معه بيد ان الرجل نسيالواقعه ولا يكاد يذكرها لكنها ظلت حاضرة في ذهن السلطان ، فلعل التذكير بمثل هذه الواقعة كانت إجابه وإشاره لما يمكن ان يكون قدسمعه الطفل عليُ من لسان الرجل على وجه التحديد حينها ولم يتسنى للرواة ذكره على وجه الدقه . ومن ناحية أخرى كذلك تعكس شكيمةوقوة شخصية علي الذي لقب نفسه في صباه -بدينار الذهب ، اعتداداً بنفسه .
وهناك موقف وقصة أخرى ذات صله بعودة علي دينار من شمال شاد والتي كان فيها ضمن جيش السلطان ابو الخيرات بن ابراهيم قرض ،فالذي حصل هو انّه وبعد الملابسات التي قُتل على اثرها السلطان ابو الخيرات فإنّ علي دينار واصل مسيره حتى بلغ نواحي (قُبُو )وفيهاأعلن نفسه سلطاناً وطلب من زعماء العشائر والإدارات الأهلية مبايعته ، وبالفعل اجتمعوا عنده لكن افتقد احدهم كانت تتبع له تلك النواحيالتي حلّ بها السلطان ، فسأل عن ذلك الزعيم ، أين فلان ؟ قيل له : لم يأتِ ولكنه اوفد فلاناً ( اسمه عبدالرسول توسو ) ، لم يَرُق ذلك للسلطانعلي دينار وعلى الفور نزع تلك النواحي ( الحاكورة) واتبعها لابي البشر ود بلّال (اَي انه ضمّها لكالوكتنج ) .
فلمّا وصل الى كيلا ذُكر له أنّ فلاناً ( اسمه أبيده تورونج كوي ) كان في المجلس عندما عاد الرسول الذي أُوفد لحضور البيعة ، فسأله سيده، كيف وجدتم حال هذا السلطان المزعوم ؟ ( سؤال على هذا النحو ) ، فرد عليه الرسول بقولٍ فيه تحقير لشأن السلطان حيث قال : ( هايابو ، سلطان شنو ، زول دربه مثل درب فاراي ) أي أنّ اثر خطْوِه في الارض كأثر الفأر . وكما يُقال في المثل : ( الكلام الشين ما بتنسي ) . فقد بلغ هذا الكلام الى مسامع علي دينار وهو في كيلا بعد ان وصل اليها من (قُبُو ) وظل هذا الكلام محفورًا في ذاكرته حتى اذا استدارالزمان وجاء علي دينار بعد سقوط المهدية سلطاناً على عموم دارفور واتخذ من الشاوايه عاصمة ثانية قِيل له في احدى الأيام وهو فيالشاوايه أنّ فلانًا من قرابته في كيلا زوّج ابنته لفلان ذلك الزعيم الذي استنكف حضور البيعة الأولى التي نادى لها علي دينار بُعيد عودتهمن شمال شاد ، غضب السلطان من هذه الزيجة فجاءته مجموعه من كبار قرابته من كيلا ، قيل انهم استأذنوا لمقابلته وظلوا وقوفًا فيالشمس منتظرين خروجه اليهم وطال الانتظار لولا تدخل الميرم تاجا والتي كثيراً ما وُصفت بجرأتها عليه لتخرجه إليهم بعد أنّ أسمعتهكلامًا قوياً من قبيل: هؤلاء هم أعمامك وعشيرتك وعليك ان تنزلهم منزلتهم من الاحترام ( كلامٌ بهذا المعنى ) ، فخرج اليهم وأنزلهم واسترضَوْه، لكن تّرتب على ذلك أن تم فسخ تلك الزيجه وأمر السلطان بحصر كل فتيات كيلا من قرابته ممن كُنّ في سن الزواج فزّوجهنّ لقادة جيشه ( المعروفين برؤوس المِيَات )
اما الزعيم الأهلي الذي فُسخت زيجته فقد تحّسب للأمر لما علم بعدم رضى السلطان عن تلك الزيجه فلجأ خِلسة واحتمى بقبة يحيى في كيلالينال عفو السلطان وقد كان له ما أراد .
مواقف ومشاهد الشهيد السلطان علي دينار - يرحمه الله ، لن تحيطها بضع مقالاتٍ هنا وهناك لكن أتمنى أن يقوم كل من يسعفه الحظلاستنطاق الكبار ممن لا يزالون على قيد الحياة لجمع السير والأخبار من تاريخنا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.