عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقدمة:
تقدمت رئيس مجلس الوزراء السوداني، عبر بعثة السودان الدائمة لدى الامم المتحدة، في نهاية الاسبوع الاول من شهر فبراير، بطلب الى مجلس الامن، عبر الامين العام للامم المتحدة، يطلب فيه استخدام سلطته تحت الفصل السادس من ميثاق المنظمة الدولية، لتقديم مساعدات خاصة بالانتقال السلمي في سودان ما بعد الدكتاتورية و الحرب. و بعد الاطاحة بنظام حكومة الرئيس المخلوع البشير، حددت الوثيقة الدستورية عدد من الاولويات الوطنية العاجلة التي يقع على الحكومة واجب الوفاء بها في او قبل انتهاء الفترة الانتقالية، و كان في مقدمة تلك الاولويات انجاز السلام الشامل، و تحقيق التحول الديمقراطي السلمي، و تأسيس دولة سيادة حكم القانون.
لقد ظلت الاوضاع في السودان طيلة الثلاثين عاما الماضية مثار قلق المجتمع الدولي، و ظلت المؤسسات الدولية المعتبرة تقوم بمجهودات لتعزيز السلام في السودان و المساعدة في التحول الديمقراطي. إذ ظل مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة، و مجلس الامن التابع للامم المتحدة، و مجلس السلم و الامن التابع للاتحاد الافريقي، على الدوام يناقشون تقارير عن الاوضاع في السودان. خلال هذه الفترة قرر مجلس الامن، في أكثر من مناسبة بأن الاوضاع في السودان تشكل تهديد للسلم و الامن الدوليين، من بين تلك المناسبات، كانت قراراته التالية، بموجب سلطاته تحت الفصل السابع حمايةً للسلم و الامن الدوليين:
1- أصدر مجلس الامن قراره 1769 لعام 2007 و الذي أنشأ بموجبه البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لعمليات السلام في دارفور من ميثاق الأمم المتحدة، وتعرف البعثة اختصاراً بـ "يوناميد".
2- قرار مجلس الأمن رقم 1593 لعام 2005 و الذي احال الاوضاع في دارفور الي المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم الجسيمة التي ارتكبت في دارفور ضد المواطنين منذ عام 2003.
3- قرار مجلس الأمن 2046 لعام 2012حول ترتيب الاوضاع بين حكومة السودان وحكومة جنوب السودان لنزع السلاح في المنطقة الحدودية الآمنة المنزوعة السلاح، بما فيها "منطقة الأربعة عشر ميلا"، وللتنفيذ الكامل للآلية المشتركة لرصد الحدود والتحقق منها.
4- القرارين 1990 و 2024 لعام 2011 لضمان السلم و الامن في منطقة ابيي الحدودية و المتنازع عليها بين دولتي السودان و جنوب السودان، و التي يقطنها اثنيتين تتنازعان ثروات الاقليم، و هم قبيلة دينكا نقوك و قبيلة المسيرية.
و امتداداً لتلك القرارات، او لمناقشة قضايا أخرى ذات صلة، قام الاتحاد الافريقي باصدار قرارات و تكوين آليات لاقامة السلام و الاستقرار السياسي في السودان، من بينها تفويض الآلية الافريقية رفيعة المستوي برئاسة ثامبو امبيكي التى ظلت تعقد الجولات التفاوضية بين الحكومة والحركات المتمردة و الاحزاب السياسية في السودان.
و على نحو مشابه، ادرج مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، السودان تحت البند العاشر والرابع منذ العام 1993، وذلك بسبب الصراعات الانتهاكات الجسيمة و المتكررة لحقوق الانسان في السودان و لغياب المؤسسات الوطنية المعنية بحماية حقوق الانسان.
تزايد الحوجة للدعم الدولي في الفترة الانتقالية:
مع نجاح الثورة الشعبية في السودان في اقتلاع اشرس نظام دكتاتوري في افريقيا، كان من المهم ان تتواصل اجراءات عملية الانتقال السلمي للسطة من المجلس العسكري الانتقالي في السودان الى حكومة مدنية ديمقراطية قادرة على الاضطلاع بمهام المرحلة الانتقالية، و التي من بينها استدامة الديمقراطية، و بناء السلام و العدالة في سودان ما بعد الدكتاتورية.
ان هذا الهدف، ليس هماً وطنياً محضاً، و انما يجب ان يكون كذلك هما للمجتمع الدولي، الذي لطالما بذل جهود عظيمة من اجل بناء الديمقراطية و السلام و العدالة في السودان. ان العودة الى النزاعات المسلحة و انتهاكات حقوق الانسان، و العودة الى مربع الدكتاتورية و الحرب و الفساد، سيضر كثيراً بمستقبل السودان و بمستقبل السلم و الامن في منطقة القرن الافريقي و شمال ووسط افريقيا.
يشهد الحراك السوداني الراهن، تدخلا من بعض دول الجوار الصديقة، دعماً للتحول الديمقراطي، الا ان تدخل الدول بصورة منفردة او في شكل مجموعات، بصورة غير مؤسسة، من الارجح ان يتسبب في اعادة انتاج الفظائع التي شهدها العالم في سوريا و ليبيا و اليمن، و ان تأخر المجتمع الدولي في اتخاذ موقف سريع و ناجع، قد يتسبب في تدهور الاوضاع السياسية في السودان، و يهدد السلم و الامن العالميين بشكل خطير. أن في شأن تبني تدابير لحماية الانتقال السلمي للسلطة في السودان، و تدعيم جهود العدالة و السلام والديمقراطية و الرفاه الاجتماعي في المرحلة الانتقالية، سينجي شعب السودان من الكثير من المخاطر التي تحاصره من كل جانب، و ستهئ له سبيل المشاركة مع المجتمع الدولي بصورة ايجابية و فاعلة.
و كانت وكالات الامم المتحدة العاملة في الخرطوم قد حددت في شهر سبتمبر من العام الماضي، و قور تشكيل د. حمدوك لحكومته، عدد من الموضوعات، و التي تعد بحسب تقديرات الامم المتحدة، اساسية في سياق التحول السلمي في السودان، و بتحديدها لتلك الموضوعات كانت قد اكدت الامم المتحدة ان تنفيذ تلك الموضوعات سيحتاج الى دعم من المجتمع الدولي و المانحين الدوليين، و من بين تلك الموضوعات كان السلام و سيادة حكم القانون و يناء الدستور الدائم و التنمية الاقتصادية. و كان رئيس الوزراء قد نادى في اكثر من مناسبة، و من خلال العديد من المنابر الدولية، بضرورة دعم السودان في سبيل انجاز السلام الدائم.

صورة الدعم المقترحة:
وفق الحالة السودانية الراهنة، قامت الحكومة السودانية بطلب مساعدة من مجلس الامن بالتدخل للمساعدة لتحقيق اهداف سياسية مرتبطة بامور شديدة الصلة بقضايا السلام و الامن في المنطقة. طلب السودان من مجلس الامن المساعدة بموجب الفصل السادس، كان بقصد تيسير تحقيق الاهداف الوطنية المتمثلة في انهاء الحرب و المساعدة في الوصول الى سلام دائم و اقامة الانتخابات الحرة النزيهة و غير ذلك من قضايا. و هذا الاتجاه في طلب المساعدة في تحقيق اهداف المرحلة الانتقالية وجد تطبيقاَ واسعاَ في العالم، على سبيل المثال بعثة فريق الامم المتحدة للمساعدة في الانتقال في نامبيا 1989 -1990 بعد حرب الاستقلال الناميبية و التي اطلق عليها اختصارا UNTAG و كذلك بعثة الامم المتحدة الثانية للتحقيق في انجولا 1991 – 1995 بعد الحرب الاهلية في انجولا و التي اطلق عليها اختصارا اسم UNAVEM II
بموجب سلطات مجلس الامن الدولي تحت الفصل السادس من ميثاق الامم المتحدة، يجوز للمجلس ان ينظر الى مقترحات دولة السودان بخصوص الاليات المناسبة التي تضمن نجاح الفترة الانتقالية في السودان وفق مقتضيات السلم و الامن، و ان يحفز بناء الديمقراطية و السلام و العدالة في السودان بتقديم الدعم الفني و اللوجستي و الاشراف اللصيق للعملية برمتها، كما للمجلس ان يوصي من خلال لجانه الفنية المختصة بتطبيق آليات اخرى مناسبة وفق الحالة السودانية.
بالنظر لتجارب مجلس الأمن بموجب الفصل السادس، ماذا نتوقع منه ان يقدم من مساعدات. بحسب التجارب المشابهة فان المجلس يساعد الأطراف في الدولة المعينة إلى تسويـة النزاع بينهم بالتفاوض والتحقيق والوساطة والتوفيق أو اللجوء إلى الوكالات والتنظيمات الاقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية ( المادة 33)
كذلك يجوز لمجلس الامن ان يكون لجان فنية للمساعدة في الوصول للاهداف النهائية ، او تقديم التوصية بما يراه ملائماً من إجراءات لانجاح عملية السلام و الاستقرار السياسي في البلد (المادة 38 والمادة 37 معطوفة على المادة 36/1) .
و قد يشمل دعم المجتمع الدولي للديمقراطية و السلام في السودان اصدار قرار من مجلس الامن تحت البند السادس من ميثاق الامم المتحدة، في المسارات التالية:
اولاً: دعم و تعزيز التحول الديمقراطي في السودان، و تكوين صندوق عالمي لدعم التحول السلمي و الديمقراطي في السودان، تكون مهمة الصندوق تقديم الدعم الفني و اللوجستي في عملية التحول السلمي للسلطة، و بناء المؤسسات الديمقراطية الحديثة، و استكمال التشريعات ذات الصلة بالبناء الديمقراطي في السودان، و صياغة الدستور الدائم للبلاد، و المساعدة في انعقاد الانتخابات الوطنية. هذا الدعم يشتمل على مجموعة متكاملة من تدابير الدعم البسيط، تطبق بعدد قليل من مستشاري الأمم المتحدة وبعض الأُصول المادية الحيوية الهامة.
ثانياً: تجديد فعالية قراراته الخاصة ببناء السلام في دارفور و المنطقتين، و كذلك قراراته الخاصة في بناء العلاقات السلمية بين دولتي السودان و جنوب السودان بما فيها القرارات الخاصة بمنطقة ابيي و ترسيم الحدود المشتركة و ضمان خلو المنطقة المشتركة من السلاح.
ثالثاَ: المساعدة الفنية المتصلة بعملية توفير منصة للتفاوض حول قضايا السلام و توفير طاقم الوسطاء بمقدرات و كفاءات عالية و ذات خبرات في مجال صناعة السلام، وصولا الى صياغة اتفاق السلام الشامل و المساعدة في تنفيذه.

تجارب دولية:
بالنظر للتجارب الدولية، فان البعثات السياسية التي تساعد في الانتقال السلمي من حالة الحرب و عدم الاستقرار السياسي كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال:
أنشئت بعثة الأمم المتحدة في أنغولا يوم 15 أغسطس 2002 كبعثة متابعة لمكتب الأمم المتحدة في أنغولا لمساعدة الأطراف على عقد بروتوكول لوساكا ومساعدة حكومة أنغولا في مجالات حقوق الإنسان والإنعاش والتنمية في الميدان الاقتصادي.
أُنشئت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة الانتخابات في بوروندي بموجب قرار مجلس الأمن 2137 (2014) المؤرخ 13 فبراير 2014 لكي تتابع العملية الانتخابية التي أجريت في بوروندي في عام 2015. ونُشرت البعثة في 1 يناير 2015، وأتمّت ولايتها في 18 نوفمبر 2015.
أنشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في 16 سبتمبر 2011 باتخاذه القرار 2009 (2011)، لدعم العملية السياسية الليبية عن طريق الوساطة والمساعي الحميدة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن البعثة مكلفة برصد حالة حقوق الإنسان والإبلاغ عنها، ودعم المؤسسات الليبية الرئيسية والجهود الرامية إلى تأمين الأسلحة غير الخاضعة للمراقبة، وتوفير الخدمات الأساسية وتقديم المساعدات الإنسانية، وتنسيق المساعدة الدولية.
أنشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة في نيبال يوم 23 يناير 2007، باعتماده القرار 1740 (2007)، بناء على طلب حكومة نيبال، للمساعدة على خلق جو من الحرية والنزاهة لانتخاب الجمعية التأسيسية وكذا لتسهيل العملية السلمية بين جيش نيبال وجيش الحزب الشيوعي لنيبال (الماويِّين). وانتهت هذه البعثة يوم 15 يناير 2011.
و من احدث التجارب انشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة بموجب القرار 2452 (2019) المؤرخ 16 يناير 2019 لدعم تنفيذ اتفاق بشأن مدينة الحديدة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى على النحو المنصوص عليه في اتفاق ستوكهولم (S/2018/1134).

مسالة السيادة الوطنية:
تحدثت الاوساط السياسية و الاعلامية عن طلب الحكومة السودانية بانه تفريط في السيادة الوطنية السودانية. و هنا من المهم الانتباه الى ان الطلب موجب الفصل السادس يقدم في الاحوال بموجب طلب تقدمه الدولة صاحبة المصلحة، و ينحصر دور مجلس الامن في تقديم المساعدات المالية و الفنية لانجاز المهمة او البعثة التي حددتها الحكومة مقدمة الطلب .
ليس بالضرورة ان يوافق مجلس الامن على الطلب مباشرة، فالموافقة و الرفض، يخضعان لعملية سياسية معقدة و مشاورات علنية و سرية، اذ ان الامر يرتبط بمتطلبات مالية كبيرة جداً، و كذلك مرتبط بتوازن المصالح الدولية داخل مجلس الامن. عموما البعثات السياسية بموجب البند السادس اصبحت الاكثر تطبيقا مقارنة بقوات حفظ السلام تحت البند السابع، فحتى الان يرفض مجلس استخدام سلطته تحت الفصل السابع و رفض نشر قوات حفظ سلام في اليمن و سوريا و العراق و ليبيا، و اكتفى فقط بتكوين بعثات سياسية بتقديم الدعم الفني و اللوجستي بقصد مساعدة الاطراف للتوصل الى سلام.
كما أن الفصل السادس لم يتضمن النص على تدابير إكراه أو قمع يمكن للمجلس اللجوء إليها لتنفيذ قراراته، و ذلك على خلاف سلطات المجلس بموجب الفصل السابع الذي فيه يتمتع بسلطة اتخاذ القرارات والتدابير التي يراها مناسبة، وهذا يعود لسلطته التقديرية المطلقة و احيانا دون مشاورة الدولة المعنية .
وقانونيا، من المهم الاشارة الى ان الدول الاعضاء في الامم المتحدة كلها تتمتع بالسيادة الوطنية و على الامم المتحدة ان تساعد اعضائها على ممارسة سيادتها و استقلاليتها. ورد في الفصل الأول من الميثاق الذي اتى بعنوان « في مقاصد الهيئة ومبادئها»، إذ نصت المادة 2 في البند 7 منها على ما يلي:
ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما. وليس فيه ما يقتضي لأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع. والذي لا يركز فيه الناس ان قرارت مجلس الامن بموجب الفصل السابع الزامية على الكافة و ليس الدولة المعنية، و هذا يعني أن القرار الذي يصدر بالاستناد إلى الفصل السابع يسري على جميع الدول ولا يمكن لأية دولة أن تتنصل منه بحجة أنها لم تكن فريقاً أو شريكاً في الاتفاقية أو أنها لم تكن موافقة على القرار. و هذا يعني بصورة من الصور، ان الدولة تفقد جزء من سيادتها فقط حين تصدر ضدها قرارات بالاستناد الى الفصل السابع بشأن فرض تدابير القمع ضدها

في الختام:
ان الانتقال السلمي في دول ما بعد الحرب، و ما بعد الدكتاتوريات الشرسة، عملية طويلة و قاسية و تتطلب قدرات و مهارات و ظروف سياسية و امنية معينة لضمان تحقيق ذلك الانتقال. و من ضمن ذلك من المهم ان تحظى المرحلة الانتقالية بدعم و اسناد دولى و اقليمي، بحيث تكون موضوعات الانتقال ضمن اهتمامات المجتمع الدولي، بحيث تتكون شراكة مباشرة و غير مباشرة بقصد المساهمة في تحقيق السلم و الامن الدوليين.
حين تطلب الدولة من مجلس الامن المساعدة في انجاز مهام خاصة بموضوعات الانتقال السياسي، فانها تقوم بذلك ممارسة لسيادتها الوطنية، و ممارسةَ لحقوق عضويتها في الامم المتحدة، و يصدر مجلس الامن قراره في مثل هذه الطلبات بموجب تقديرات ذاتية و موضوعية لاعضاء مجلس الامن، و مثل هذا الطلبات في الغالب يتم تيسيرها و المساعدة في شرح مضمونها بواسطة الدول الصديقة ذات العضوية الدائمة في المجلس ، بالاضافة للاعضاء الغير دائمين من الدول الافريقية و العربية.