الديمقراطية ، سيادة الشعب الطريق الأوحد

نعبر اليوم في السودان مرحلة جديدة من تاريخنا الحديث ، تخلصنا من طاغية وحكم شمولي أذاق بلادنا ومستقبلها الويلات ووضع السودان في مسار فشل وتراجع غير مسبوق ، هذا العبور كما توقعت الغالبية وكما نرى ونعايش اليوم ليس سهلا وسيكون على الدوام مليء بالتحديات والمطبات الصعبة والحتمية ، ولكن مالمسناه وشاهدناه خلال مسيرة ثورة ديسمبر المجيدة يجعلنا نؤمن باستمرار بنجاح الثورة ووصولها لأهدافها .

خلال تاريخ السودان مابعد الاستقلال والبالغ أكثر من ستين سنة لم يكن الشعب يتحكم في قراره سوى في عشر سنوات تقريبا وعبر فترات متقطعة من الديمقراطية كانت أطولها بالكاد أربع سنوات ، تأرجح الحكم بين دكتاتوريات عسكرية طويلة وديمقراطيات قصيرة ومشوهة تتبع ثورات شعبية عظيمة ، واليوم جميعنا نقف أمام الحقيقة مرة أخرى ، عبر طريق الأمل العريض الذي رسمته الثورة ورصفته تضحيات الشعب الفردية والجماعية منقطعة النظير ، الحقيقة التي تتمثل اليوم في السؤال التاريخي المكرر ، كيف سنتعامل مع فرصة أخرى للديمقراطية ،للحرية ، للسلام والعدالة ؟ .

التاريخ كتاب لاتتكرر صفحاته بسهولة ، كما أن نوافذ الأمل لا تستمر مشرعة بدون حراسة وعمل جاد ، فاليوم نحن مدينون لأنفسنا كجيل وكشعب ومدينون لأجيال سودانية قادمة أن نظل نقدم في هذه اللحظة التاريخية أقصى مانستطيع من الممكن والكثير من المستحيل حتى نضمن كتابة صفحات تاريخ بلادنا من الآن وصاعدا كما نشاء جميعنا وليس كما تشاء قلة منا ، وحتى نحافظ على فوهة الأمل مضيئة ومليئة بالنور للأجيال القادمة، في هذه الفرصة الموجودة أمامنا اليوم والتي ربما لن تتكرر مجددا .

الديمقراطيات التي وجدت عبر تاريخ السودان لم تقدم ما هو كافي لضمان استمرارها ، نعم هي لم تدم الوقت الكافي حتى تنجز ذلك ولكنها على الأقل لم تقدم الحد الأدنى لتصبح محصنة من الانقلاب ، كل نماذجنا الديمقراطية كانت مشوهة ومريضة بأمراض عضال عجلت من موتها وهيأت الظروف لخطفها وسرقتها ، واليوم تواجهنا الحقيقة حتى لا نكرر الأخطاء ولانعيد تشغيل الأسطوانات المشروخة والمعطلة .

تتحمل أحزابنا السياسية التركة الأكبر من سيناريو الفشل الوطني المزمن ، وبالطبع فإن هذه الأحزاب هي نتيجة تفاعلات المجتمع السوداني وسنام حركته ونشاطه ، وببساطة فإنه من البديهي أن تنتج الثورة بضخامة التفاعل والحركة التي هزت المجتمع المدني طرائق وأنماط جديدة للعمل السياسي وآلياته وإلا فإنها ستكون منقوصة و مهددة بالخطر ، فالأولوية هي أن نتمكن من تجاوز بناء سياسي قديم ومترهل ، ضعيف التنظيم ، غير موضوعي ، غير واقعي ، مليء بالحمولات الشخصية ، متصارع أيديولوجيا في استباق وتجاوز مخل للأولويات ، وفي مقدمتها الأولوية الأهم التي لم تخاطب ولم تنجز عبر تاريخنا الوطني حتى الآن ، أولوية بناء الدولة .

فالدولة ومؤسساتها التي يمكنها أن تستوعب خلافنا الأيديولوجي والفكري لم تبن بعد ، وبعبارة أبسط (فإن الملعب الذي يمكنه أن يستوعبنا جميعا لم نجتهد في بنائه وتأسيسه كما أننا وحتى الآن لم نتفق على قواعد اللعبة ) ، لم تستقر حتى الآن العموميات التي نتوافق عليها كسودانيين ، عموميات طبيعة الدولة ، طرائق حكمها ، عقدها الاجتماعي ، إدارة تنوعها وغيرها من العموميات التي أغفلتها المنظومات السياسية السودانية لتهدر باستمرار فرص التاريخ المعدودة في جدال أيدلوجي وبيزنطي عبر فضاء غير مهيأ لهكذا صراع فكري ، وفي دولة مؤسساتها التي هي في الأصل وسيلة تطبيق أي فكرة أو مشروع أيدلوجي ومناط الصراع السياسي لم تبن وغير موجودة .

واجهنا وسنظل نواجه عبر هذا المخاض العسير سيناريوهات عديدة تسعى في مجملها لاختطاف سيادة الشعب وتحكمه في مصيره ، سيناريوهات ستسعى لإجهاض الثورة وقتل الأمل في نفوس الشعب السوداني وذلك لحساب مجموعة أو مجموعات صغيرة ، لحساب قوى إقليمية ، لمصالح ضيقة لاتعني الشعب السوداني في شيء وهي في مجملها سيناريوهات لايمكن التغلب عليها سوى بالتمسك بطريق الانتقال الصعب واستكماله وصولا لديمقراطية لا سبيل للتقدم بدون التمسك بها وحراستها .

قدامنا_الصباح