إنها المرة الأولى التي يتقدم فيها وزير من وزراء حكومة حمدوك باستقالته, إنّه (إستيفن أمين أرنو) وزير الدولة بوزارة العمل الذي تم تعيينه حديثاً, في الماضي القريب شهدنا صراعاً محموماً حول الكرسي وعراكاً مشهوداً للحصول على المناصب منذ اليوم الأول لسقوط الطاغية, بسبب ما تم غرسه في ذهن الفرد السوداني من مفهوم خاطيء جعل من الوظيفة العامة مصدراً للتكسب, أو كما قال الراحل ملهم رؤية السودان الجديد أنهم أتوا إلى سدة الحكم لتغيير المفهوم الذي ترسب في العقلية الجمعية للفرد السوداني, وأنهم أرادوا تفكيك هذه الذهنية التي تتخذ من العمل العام بوابة لنهب وسلب موارد البلاد وتحويلها للمصلحة الخاصة, لذلك لابد من التأكيد على أن الدور الفعلي لموظف الدولة وزيراً كان أم خفيراً الذي هو خدمة الوطن والمواطن.

ألناس بحاجة ملحة وضرورة قصوى لأمثال الوزير استيفن أمين المستقيل, وذلك لأنه رجلٌ به حياء منعه من أن يستمرأ الأستمرار في الوزارة كما فعل غيره, فركل الوظيفة الدستورية المرموقة لأن أحد مكونات الحكم الانتقالي (تجمع المهنيين) لم يكن راضياً عن اختياره, وما جعل استيفن أمين أكثر إصراراً على الدفع باستقالته هو الضمير الصاحي والنفس البيضاء المبرأة من سوء النزعات الرغائبية,إنّها النفس العزيزة التي اجتاح انفعالها كيانه عندما لزم مجلس الوزراء الصمت حيال تصريحات تجمع المهنيين السالبة بحقه, بالله عليكم أعقدوا المقارنة بين أسباب استقالة هذا الرجل الحيي و بين اعتذار وزير التجارة والصناعة, عندما خلف وعده الذي قطعه على جموع جماهير الشعوب السودانية, بحل أزمة الخبز في ظرف زمني مدته اسبوعين بذلك اللقاء الصحفي الذي أداره رئيس تحرير صحيفة التيار.
من يستطيع استيعاب أخلاقيات الضمير لدى استيفن؟, الضمير النابض بالحيوية والرافض لاعادة تنظيم الممارسات القديمة المتربصة بالثورة والمحاصرة لها, ومن له إمكانية الوقوف ضد المحاولات المستميتة لافراغ الثورة من مضامينها ومعانيها غيره؟, ومن غير رفقاء درب نضال استيفن يريد الانتقال السلس للسلطة ليقدم الدروس المجانية في عملية ارساء قواعد ودعائم التداول السلمي لها؟ , ذلك الانتقال الذي يفضي الى سودان معافى من أمراض الصفوية المركزية, ويتحقق فيه السلام المستدام الذي ينعم فيه الجميع بالأمن و الأمان.
إنّه زمان الهرولة والتكالب على السلطة التي أريق حول جوانبها الدم, لقد ترك الكثيرون أعمالهم وأشغالهم في بلاد المهجر وطاروا مسرعين الى الخرطوم, بعد السقوط الداوي للمنظومة البائدة ليتسنى لهم نهش لحم الغنيمة وقضم عظمها, غير عابئين بشجاعة واقدام كنداكات السودان وأبطال الصبّة الذين واجهوا الرصاص ببسالة منقطعة النظير, هكذا هي سير واخبار الشرفاء التي تخيف الانتهازيين و الطفيليين المتدافعين نحو مراكز القوى, فكلما برقت بارقة عهد جديد في الحال تجدهم قد تلونوا وتبدلوا وبدلوا جلودهم و قفزوا إلى سطح السفينة المبحرة, ناكرين ومستنكرين لتاريخهم الملوث والمتسخ بمداهنة الطواغيت, فمثل هذا الشاب الأبنوسي لن يستطيع العيش وسط الوصوليين من هذه الجوقة, فالخير كل الخير فيما فعله بأن غادر في وقت مبكر.
ولعل هذه البادرة النبيلة التي ابتدرها الوزير المستقيل تكون سنة ومنهجاً يهتدي به الوزراء الآخرون, الذين لم يحدثوا تغييراً منذ تسلمهم لمقاليد أمور وزاراتهم, فأدب الاستقالة لم تعرفه سوح العمل العام في بلادنا, بل على عكس ذلك هنالك سلوك آخر مقابل لمبدأ أدب الاستقالة إسمه (الكنكشة), ومرض الكنكشة وداء التعفن في الكرسي اشتهرت به المنظومة البائدة, فكم من وزير إنقاذي اغرورقت عيناه بالدمع السخين لمجرد سماعه خبر إقالته من المنصب, فهلا قامت منظومتنا الانتقالية بترسيخ هذا المبدأ و الأقتداء بهذه القيمة النبيلة؟


إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.