قلت فى مقالى بعنوان: ( المآلات الإقتصادية لفرمانات قوى إعلان الحرية والتغيير) إن التقرير الصادر من صندوق النقد الدولى فى شهر مارس 2020عن حالة الإقتصاد السودانى؛يرسم صورة قاتمة جداً ويثير الرعب وذلك فى حالة عدم القيام بالإصلاحات الإقتصادية الضرورية التى تحول دونها فرمانات قوى إعلان الحرية والتغيير.ولإعطاء أمثلة يقول التقرير:

أولاً يتوقع أن ينكمش الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى بنسبة (1.2)% فى هذا العام 2020 وبنسبة (0.6)% فى 2021 ثم يرتفع بنسبة (0.4)% فقط فى 2022ولن يزيد معدل النمو عن (1.5)% فى العام حتى عام 2025.
وثانياً يتوقع أن تسجل ميزانية الحكومة القومية عجز مقداره (502)مليار جنيه فى هذا العام 2020 و (985)مليار جنيه فى 2021 و(1863)مليار جنيه فى 2022 ويواصل العجز الإرتفاع فى السنوات التالية.
وثالثاً يتوقع أن يصل الأنفاق على دعم إستهلاك الرغيف والبنزين والجازولين والكهرباء إلى (421)مليار جنيه فى2020و(818) مليار جنيه فى 2021 و(1526)مليار جنيه فى 2022 ويواصل الإرتفاع فى السنوات التالية.
ورابعاً يتوقع أن يصل المعدل السنوى لإرتفاع الأسعار( التضخم) إلى (66.4) % فى 2020. وقد وصل المعدل الفعلى للسنة من بداية مارس 2019إلى نهاية فبراير 2020 وصل إلى (71)% .وسوف يواصل التضخم إرتفاعه ويصل إلى (74.8)% فى 2021 و (80.2)% فى 2022ويواصل الإرتفاع فى السنوات التالية.
وخامساً يتوقع أن يسجل الميزان التجارى (قيمة الصادرات السلعية ناقصاً قيمة الواردات السلعية)عجز مقداره (3759) مليون دولار أمريكى فى 2020 و (3471) مليون دولار فى2021 و(3433)مليون دولار فى 2022 ويستمر العجز فى السنوات التالية لأن حكومة ثورة ديسمبر2018تسير فى نفس طريق نظام حكم الإنقاذ بمحاربة التصدير وتشجيع التهريب بالتمسك بسياسة سعرصرف ظالمة وضالة وفاسدة.
الحكومة مشلولة عن الحركة بأمر حاضنها السياسى :
من المسلمات الأساسية للإدارة إلقاء المسؤولية عن الإبتدارinitiation وأكررالإبتدارعلى عاتق المسؤول التنفيذى الأول أو رئيس الجهاز التنفيذى.إبتدار الخطط والسياسات والإجراءات التى ترمى إلى تغيير ماهو قائم بجديد أعدل وأفضل وأنجع منه. ولا ترجع قلة وضعف روح المبادرة عند المسؤولين التنفيذيين الكبار؛ لاترجع فى أغلبية الأحيان إلى عدم إدراكهم للحاجة للتغيير أو نوع التغيير المطلوب ولكن تعود لأسباب أخرى منها هبوط الهمة وعدم خضوعهم للمساءلة والمحاسبة عن ما هو قائم أو لوجود مصالح شخصية لهم فى الوضع القائم أو لخوفهم من أعداء التغيير أو لخوفهم من مخاطر الفشل أو لأسباب أخرى قد تكون أحياناً قاهرة مثل وضعنا فى السودان اليوم .فعلى الرغم من الصورة القاتمة التى يرسمها تقرير صندوق النقد الدولى ومطلوبات مواجهة وباء كورونا التى تقدرها وزارة الصحة السودانية القومية بحوالى (70) مليون دولار أمريكى أو (8.4)مليار جنيه سودانى بسعر الدولار (120) جنيه سودانى؛ وعلى الرغم من إدراكنا لصعوبة توقع دعم من الخارج لأن كل العالم مشغول اليوم بهمومه المحلية؛ ولكن للأسف الشديد لا يظهر فى الأفق ما يشير إلى إننا نتعامل مع تحديات هذا الواقع الصعب بالتحرك والمجهود المطلوب بإتخاذ تدابير إقتصادية إستثنائية معتمدين على قدراتنا الذاتية. وذلك لأن حكومة ثورة ديسمبر 2018 مشلولة عن الحركة بسبب متاريس و فرمانات حاضنها السياسى قوى إعلان الحرية والتغيير التى ربما تدعى الإستناد، وهى خاطئة فى تقديرى، على نص المادة (16)(1) من الوثيقة الدستورية.

لا مبالاة وإستخفاف:
ومن الأمور المحيرة جداً اللامبلاة و الإستخفاف الذى تتعامل به مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير مع الوضع الحالى.لم أسمع أو أقرأ أن أياً من تلك المكونات قد ناقش الوضع الراهن وتقدم بتوصيات للحكومة بإتخاذ تدابير محددة بل ذهب بعضهم إلى التريقة والسخرية وكأنه شامت.وكنت أتوقع أن يقوم العقلاء منهم أو كبار السن بالحديث مع المتطرفين الذين يهددون بمواجهة حامية الوطيس فى المؤتمر الإقتصادى؛الحديث معهم لإزلة المتاريس والفرمانات حتى تستطيع الحكومة القيام بعملها. ولكن يبدو أن من نعشم فى تدخلهم أكثر رغبة فى فشل الحكومة من الذين يضعون المتاريس ويصدرون الفرمانات فى وضح النهار.ومن نحسبهم عقلاء يدركون أن المؤتمرات المفتوحة ليست المنابر المناسبة لمناقشة القضايا الخلافية كما يقول بحق أخونا الدكتورحسب الرسول عباس البشير أستاذ مادة الإقتصاد بجامعة الخرطوم حتى وقت قريب.ولكنهم الأعلى صوتاً اليوم فى المناداة بعقد المؤتمر على الرغم من أنهم لا يملكون بضاعة سوف يعرضونها للبيع.

تفعيل نص المادة (25)(3) من الوثيقة الدستورية للفترة الإنتقالية:
وتنص المادة (25)(3)من الوثيقة الدستورية للفترة الإنتقالية على أن يقوم مجلسا السيادة والوزارء بممارسة إختصاصات وسلطات المجلس التشريعى الإنتقالى إلى حين تشكيله.وقد جاء فى بعض الصحف السودانية أن الفريق أول ركن رئيس مجلس السيادة قد أعلن عن تشكيل صندوق لمجابهة كورونا. وهذا قرار صائب ويستحق المساندة.ولكن من أين للصندوق بالمال؟ وكيف يجوز قانوناً لوزارة المالية والتخطيط الإقتصادى الصرف على مجابهة كورونا بدون تخويل من السلطة التشريعية؟ ولهذا أتوقع من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن البرهان تفعيل المادة (25)(3)ليقوم مجلسا السيادة والوزراء بدورهما الذى تنص عليه المادة بإصدار قرار يقضى بوضع حد لمسرحية المسارات والدولارات التى تعرض فى جوبا وسوف تستمر إلى ما لا نهاية و قرار يطالب الوزارات ذات الصلة بإبتدار مشاريع قوانين تخاطب بطريقة جادة وعملية مطلوبات تحديات الوضع الحالى لمناقشتها وإعتمادها لأننا نحن السودانيين لا نملك اليوم ترف الإنتظار والزوغان من إتخاذ القرارات الجريئة التى لا بدائل لها ذات جدوى وعائد سريع. وفى مقدمة تلك القرارات تحرير سعر صرف الجنيه السوانى وتحويل الأموال المرصودة فى موازنة 2020 لدعم إستهلاك الرغيف والبنزين والجازولين وغاز الطهى والكهرباء ؛ تحويلها إلى صندوق مجابهة كورونا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.