الحكومة الحالية بقيادة حمدوك هي حكومة الفترة الانتقالية التي فرض ضرورة قيامها انتصار ثورة ديسمبر 2019م التي اسقطت نظام حكم عمر حسن احمد البشير الذي أذاق بلادنا ويلات و فظائع منذ انقلاب الإسلاميين اتباع الترابي حينها في 30يونيو1989م . ليس خفياً علي أحد دور تحالف قوي إعلان الحرية التغيير و دور الجيش بقيادة البرهان و حميدتي في بناء و تكوين هذه الحكومة التي تحولت إلي دِروة يصيبها الحادبون علي الثورة و ينتاشها أيضا بقايا النظام المباد جزئياً و المقصود سلطة البشير المهزومة بسهام النقد المسمومة في أغلب الأحيان . و من الأدوار التي يجب أن تكون حاضرة عند تفكيرنا عن حكومة الفترة الانتقالية الدوران الإقليمي و العالمي في تثبيت و إعطاء الشرعية الدولية لهذه الجكومة. و بإبعاد السودان عن أحكام البند السابع لميثاق الامم المتحدة تكون قد اكتملت الصورة المقبولة دولياً لحكومتنا.

لا أود أن أدخل الناس في أبواب التنظير حول طبيعة السلطة و انظمة الحكم في عصرنا الحالي فذلك من باب الكلام المكرور و المطروق. خاصة و أن حكومتنا قد انبنت علي ميثاق غليظ ( الوثيقة الدستورية الموقعة في 18 اغسطس 2019م) بين تحالف قوي اعلان الحرية و التغيير و الجيش بقيادة البرهان و حميدتي و المقصود بالجيش هو التركيبة الحالية للقوات المسلحة من الجيش و الدعم و السريع وهي وثيقة شراكة لاقتسام السلطة السياسية بين المكونات المذكورة آنفاً.
مصطلح الدولة العميقة صار من دارج كلام الناس و كما تعرفون إن المصطلح نفسه مصنف علي أساس أنه أحد نظريات المؤامرة لتفسير الواقع السياسي في ارتباطاته بجماعات المصالح و المستفيدون اقتصاديا من نظام الحكم. فهل هنالك دولة عميقة؟ علي حسب ما هو معروف تمَ استخدام المصطلح في الصحافة التركية خلال تسعينات القرن الماضي عندمت نسق جنرالات الجيش جهودهم مع تجار المخدرات لضرب حركة الأكراد المسلحة للتحرر. بعدها سافر المصطلح للولايات المتحدة لفسير تحالفات رجالات المخابرات و الأمن القومي مع رجال الأعمال لفرض سياست بعينها ( راجع موقع ويكيبيديا للمزيد) . في الحالتين يحيل المصطلح للممارسات الرذيلة المعروفة كالمحسوبية و التواطؤ بين نافذين في جهاز الدولة و فئات محددة من رجال الأعمال. بما أن الحكومة الحالية هي حكومة ثورة تكونت بناء علي الإعلان الدستوري من الجيش و الدعم السريع من جهة و تجمع قوي إعلان الحرية و التغييرمن جهة أخري فلقد انعدم بذلك محور التواطؤ و المحسوبية الرسمي و إنهد بذلك الركن الراسخ للدولة العميقة ألا وهو الحكومة.
تفسير انشطة بقايا نظام البشير التخريبية في فترة الحكم الانتقالي علي اساس انها من تجليات ما يعرف بممارسات الدولة العميقة فيه نوع من التسطيح للامور الساسية. تلك الممارسات مجرد أعمال تخريبية و إجرامية يجب التعامل معها بحسم و صرامة يتيحهما القانون كما تفعل حكومة حمدوك.
قاد الترابي الإنقلاب في 30يونيو 1989م بعد ذلك التاريخ و نتيجة لبسالة نضالات السودانيين قاطبة ضربت علامات الضعف و نتائجه سلطة ما كان يعرف بسلطة انقلاب الإنقاذ و اتضح ذلك في عمليات التشظي العميقة التي ضربت تنظيم الاخوان المسلمين أو ما كان يعرف بالجبهة القومية الاسلامية إلي ان صار أمرها تحت قيادة البشير و من معه من الفاسدين و رجال الاعمال الاقرب لرجالات المافيا. هذا المشروع السياسي قد انتهي المقصود مشروع الإسلام السياسي الإخواني و مات و ما نشاهده الان من فرفرة هو فقط نوع عشم ابليس في الجنة يقوده مجموعة من الناس ليسو بإسلاميين بالضرورة و لا غيره لكنهم فاسدون لن يستطيعوا الحياة دون سلطة عمر البشير التي أُسقِطت بعد أن تفسخت و تعفنت و تحولت إلي ما يشبه العصابة.
سياسات الانقاذ قادت في النهاية لبناء قاعدة اجتماعية لا يمكن ان نسميها طبقة من حيث الإصطلاح لكنها فئة اجتمعاية أدمنت الإعتياش و التطفل علي جهاز الدولة و لهذه الفئة أذرع و امتدادات في السوق قوامها نوع من رجال الأعمال الذين لا يفهمون شيئاً غير مراكمة الارباح علي طرائق اللصوص حيث يعبون عباً كأن الدنيا قد إنتهت و هم في عجلة من أمرهم لإدراك أكبر مقدار من المغنم. في زمانهم صار الدولار سلعة تخضع لمنطق المضاربة لأن الدولار نفسه حاجة اجتماعية لمسافر للعلاج او مغترب منهوب و محطم عبر آليات السوق التي تنهب مدخراته و تبيعه الوهم و هناك الفاسدون الذين راكموا الثروات الدولارية في الخارج و مازالوا يفعلون بالنسبىة لهولاء الدولار سلعة و لأولئك الذين يستفيدون من فروقات سعر الدولار هبوطا و ارتفاعاً امام العملة الوطنية. لقد بلغ عقل النظام الإجرامي مداه في الفساد عندما حاز رموزه علي ماكينات طباعة العملة الوطنية و صاروا يصدرون الفئات الكبيرة من العملة دون الإلتفاف لمتطلبات ذلك من النواحي المالية و القانونية و الإقتصادية. نحن امام سوق متفلت و إجرامي من حيث الطبيعة و الممارسة. المتكلم عن زيادة الإنتاج في القطاعين الزراعي و الرعوي و قطاع التصنيع يتكلم فيما يشبه احلام زلوط لأن عمليات الإنتاج الكبري رهينة لسياسات النظام المباد الإجرامية مالم تتغير هذه السياسات فلن يكون هنالك أمل لتعافي الإقتصاد السوداني.
القاعدة الإجتماعية التي تكونت نتيجة لسياسات الإنقاذ في السوق السوداني ليست من نوع واحد و ليست إسلامية بالضرورة لكنها تشمل جميع المستفيدين من سياسات سلطة انقلاب 30 يونيو 1989م المشؤوم. هؤلاء المستفيدون يجب أن يتم معالجة امورهم قانونيا و بنوعٍ من الحسم الثوري السوداني و المقصود هو ارجاعهم لما كانوا عليه قبل سلطة الإنقاذ الفاسدة مالم يكن النشاط التجاري او الانتاجي له ما يثبت عدم علاقته بسياسات الإنقاذ و ممارساتها في التهرب الضريبي و الإعفاءات الجمركية و غيرها من مداخل الفساد و مراكمة الثروات غير المشروعة و الكيل بمكيالين فيما يتعلق بسعر صرف الدولار . الإقتصاديون و القانونيون عندهم من الطرائق ما يعرفونه إذا توفرت الإرادة لحسم تفلتات السوق و ممارسات الفئة الإجتماعية التي كونتها سلطة الإنقاذ الفاسدة. الساجالات حول الوثيقة الدستورية و المناكفات حول المحاسبة و انفاذ مطالب الثورة المجيدة هو ما تريده هذه الفئة تريدنا أن نغفل عن مطاردتها و حسمها بالإنهماك في الجدليات غير المنتهية حول شؤون الثورة.

طه جعفر الخليفة
تورنتو – اونتاريو – كندا
18 مايو 2020م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.