مدخل أول: ارتباك المشهد ما بين فض الاعتصام وتشكيل حكومة الثورة.

أراد له المخلوع أن يكون كرته الرابح في حربة ضد شعبه، هذه الحرب التي إنتقلت بفعل ثورة الشعب إلي داخل العاصمة، فالثوار هم من يحدد المعلب الأن، بعد أن كانت قواته تقاتل في تخوم دارفور. أراد له أن يكون يده التي يبطش بها والتي سوف تفشل الثورة التي أطبقت عليه وحاصرته في مقر إقامته بالقيادة العامة للجيش. لكن تصريح القائد لقواته والتي فهم منها أن الحياد هو موقفه المعلن الأن. وفهم منها ايضاَ أنه لن يكون مخلب قط في يد حاكم موتور معتل العقل. كان هذا الموقف أولى بشريات السقوط، فالمخلوع رغم تحويله الجيش إلى كتائب شبيهة بتلك التي كانت عند موتور ليبيا، إلا أن هواجس الغدر والخيانة التي مارسها حيناَ من الدهر كانت تقلق مضاجعه. موقف الرجل على الحياد كانت طعنة نجلاء في خاصرة المخلوع لم يتحسب لها ابدا. إبتلع المخلوع تلك الإهانة في صمت، فالرجل جبل على تجرع الإهانات فهو مهان بطبعه، إلا أنه كان يضمر شراَ لا يستطيع الإفصاح عنه، وذلك لعجزه أولا ولعلمه ثانيا أن أي معركة مع قوات الدعم السريع سوف تكون مآلاتها الخسران المبين. هذا موقف يجب أن يذكر لقائد الدعم السريع، لأنه لو سار فيما أراد له المخلوع، لكانت أنهار الدماء تجري حتى الأن.
الجيش كان عليه قادة خانعون، يشكلون طبقة منفصلة عن صغار الرتب، لم يتحركوا إلا عندما تيقنوا من موقف قائد الدعم السريع. ساعتها أنكشف ظهر الحركة الإسلامية الهلامية، التي كانت تُراهن على كتائب ظلها وأمنها الشعبي، وهي الاخرى حسبت ذات حسابات الجيش، وهي أن أي مواجهة مباشرة مع الدعم السريع سوف تكون نتائجها كارثية وسوف تلحق بهم هزيمة تسير بها الركبان. عندما أيقنت الحركة الإسلامية بضعفها وقلة حيلتها وهوانها تجاه قوات متمرسة في فنون القتل والحرق، لجأت إلى إسلوب الضرب تحت الحزام حتى تعم الفوضى وحتى تُورط قائد الدعم السريع في مزيد من الدماء، من ذلك محاولات فض الإعتصام في أيامه الأولى. قبيل بدء الإعتصام في السادس من أبريل وأيام إحتدام الحراك، أدخل نظام المخلوع فكرة أن ترتدي القوات النظامية زي بعضها البعض، فترتدي الشرطة ملابس الدعم السريع او الجيش، وترتدي كتائب الظل زي قوات أخري وهو اسلوب خبيث عرف به هؤلاء المتاسلمين . الهدف من ذلك هو تفرق دماء الشهداء بين القوات المختلفة. وكان حميدتي وقواته هم الاكثر استهدافا بذلك، خاصة بعد موقفه المعلن من الحراك.

مدخل ثاني: شيطنة قوى الحرية والتغيير.
لم يستوعب عقل من ادمن الرضاعة من ثدي الدولة أن الفطام قد حان وقته، وهم في حالة الإنكار تلك وبعد أن أنقطع العشم في إسترداد العرش المفقود، ذهبوا إلى بث شائعات أن قادة الثوة الجدد أتوا من وراء البحار لمحاربة الدين وإشاعة الفاحشة وغيرها من الترهات التي تحمل بصمات تجار الدين، وقد جاز هذا الأمر على البعض من قادة الجيش والدعم السريع، إعتلى وقتها قائد ثاني الدعم السريع عبدالرحيم دقلو إحدي مسارح ساحة الإعتصام مخاطباَ الجموع قائلَا: ( لو نحن أديناها للناس ديل (يقصد الحرية والتغيير) انتوا بترضوا)...أتته الإجابة بنعم فوصفهم بالمندسين.

مدخل ثالث: فض الإعتصام
قوات قوامها مجهول لكنها تمت بعلم المجلس الإنتقالي وقتها، قلنا أن المجلس العسكري لم يكن جادَا في حل كتائب الظل والدفاع الشعبي، وذلك لأن قادته هم اللجنة الامنية للمخلوع، وقد صرح وقتها الفريق عمر زين العابدين بأن الدفاع الشعبي مؤسسة لا يمكن حلها. كان من الواضح لكل من أُوتي عقلا أن عساكر المجلس الإنتقالي يوالون النظام المدحور، وأنهم ُأجبروا على الإنحياز وليسوا بأي حال من الاحوالِ أبطالُا. هذه كانت أولى المؤامرات ضد حميدتي، إرتدى الكل ملابس الدعم السريع، وكما أشرنا آنفاَ أن تلك بدعة خبيثة ادخلها النظام، وهي أقتل والمتهم جهة أخرى. سوف لن نسهب كثيرا في فض الإعتصام إلى أن تقول اللجنة المكلفة القول الفصل.

مدخل رابع: مسيرة 30 يونيو الحاسمة
جعلت عساكر المجلس الإنتقالي يدركون أن الحرية والتغيير تملك الشارع. أعقب ذلك مارثون المفاوضات. وقبلها أعلن البرهان في خطاب ووجهه يعلوه الغضب أنه في حِل عن أي إتفاق مع قوى الحرية والتغيير، لكن مليونيات ال30 من يونيو أرغمته على العودة صاغراَ وهو حسير.

مدخل خامس: الوثيقة الدستورية وتشكيل الحكومة.
تبين للناس تماما عدم الإنسجام بين المكونين العسكري والمدني، ولكن سارت القافلة بمبدأ أن ما لا يدرك كله لا يترك جله. المكون العسكري ترك عمدَا كثير من العقبات في طريق الحكومة المدنية وكأنه يريد رداَ عمليا للهتاف ( مدنياووو)، وكأنه يريد أن يقول ها هي حكومتكم المدنية تفشل، وكان واضحا وضع المتاريس منذ الايام الأولى، بتركهم كتائب الظل دون حل، وبتقاعسهم في إعتقال شخصيات بقيمة بكري حسن صالح وشقيق الرئيس ناهب الاموال ومساعدته في الهرب لتركيا. هل يستقيم عقلَا أن تترك قوات غير منضبطة ومسلحة ترتدي الازياء العسكرية وتركب سيارات الدفع الرباعي، شاكلة الامن الشعبي والدفاع الشعبي وكتائب علي عثمان وأنت ترفع عقيرتك صبح مساء تحدثنا عن الأمن واهميته. كيف يتقبل العقل السليم أن تترك هيئة العمليات سيئة الصيت بكامل قوتها وعتادها، حتي وصل بها الامر أن تتجرأ برفع السلاح في رابعة النهارفي وجه السلطة.

مدخل سادس: حميدتي والدسائس.
قائد الدعم السريع رجل بسيط على سجيته البدوية، لم تلوثه مكائد ومؤامرات الساسة، نعم أنه أَستغل لظروف تتعلق ببناء قواته من قبل النظام المباد. وأستخدم كيد باطشة للنظام ليحارب بالوكالة بعد أن تم تهميش الجيش، بتوصية من رجل جُبل على الحقد والمُكر وهو علي عثمان، الذي قال للبشير لو تريد أن تكون مخلدَا في حكم هذا البلد فعليك بإضعاف مصدر الخطر وهو الجيش وذلك خوف الإنقلابات العسكرية. والبشير حسب علمنا رجل ضيق الافق وغبي بالفطرة، فنفذ وصية أخبث رجل ولدته إمرأة وهو علي عثمان.
أدرك حميدتي خبث القوم باكراَ، كيف لا، وهو قد شاهد العصبة تفتك بأبنائها، تارة بإطلاق النار من الخلف في المعارك المختلقة، وتارة بحرقهم في جوف الطائرات الملغومة، وأخرى باطلاق كاتم الصوت ووضعه في يد الضحية في عملية إنتحار متوهمة، ورابعة باحداث خلل في كوابح السيارة، وخامسة بإفتعال حادث مروري وأخذ الضحية لمستشفى الأمن وهناك تغرز السيخة في عنقه لتخرج من الجانب الآخر، كل أولئك كانوا إخوانهم في الدين ولكنهم إختلفوا معهم في مغانم الدنيا. الأن يتعين على قائد الدعم السريع النوم بعين واحدة، فلا المكون العسكري يؤمن جانبه، ولا بقايا النظام المطلوق سراحهم عمداَ يؤمن لهم جانب، إلا كما تأمن الشاة الذئب. في خطابه الأخير الذي ذرف فيه الدموع قالها حميدتي بصراحته المعهودة أن أيادي الفلول الآثمة تعبث بأمن الوطن وتستبيح الدماء. مالم يقله حميدتي نصاَ لكنه مفهوم ضمناَ، أنه على استعداد لوضع الإمور في نصابها، ولو فعل حميدتي لما سمعنا طنين من أدمنوا حياة الدعة، ولما تجرأ غندور والعتباني وأنس وغيرهم.

مدخل أخير: عبء التأريخ.
يمثل التأريخ عبئاَ على البعض، والتاريخ قيمة تنعكس على الحاضر، قائد الدعم السريع يعاني من حمولة التاريخ، أتي حميدتي ومعه مذابح دارفور، وحقيقة الامر أنه كان يد البشير الباطشة في ذلك الإقليم المحزون. كلما خطى حميدتي خطوة تتسق مع أشواق الشعب وطموحاته، حاصره ذات الشعب باستدعاء مخزون التأريخ القريب، فهو في نظرهم سفاح دارفور وجزارها الأوحد، ويقيني أن هذا التأريخ هو ما يُكبل قائد الدعم السريع، وإلا لكان بإمكان حميدتي في غضون 24 ساعة أن يضع الأمور في مسارها الذي طالما حلم به الثوار. فهو بكل سهولة يمكنه قلب الطاولة على المكون العسكري المتماهي مع الكيزان، الذي يمثله الان الفريق أول البرهان، والفريق الكباشي والفريق ياسر العطا، وذلك بزجهم في غياهب السجون، وإذاعة بيان بحل كتائب الظل والدفاع الشعبي والأمن الشعبي، مع وضع كل عناصر النظام في المعتقلات، والشروع فورا في محاكمات رموز النظام
في تقديري أن ذلك الأمر لهو هين على قائد الدعم السريع، وأنه مؤمن بأن تلك هي مطالب الثوار، وأن ذلك هو الطريق الاقصر لتحقيقها، وأن ذلك سوف يشفي صدور امهات وأباء الشهداء. إلا أن عقبة حمولة عبء التاريخ الفادحة تقف عائقا أمام رجل أدرك باكراَ حجم التآمر على ثورة الشعب الفريدة.

 

د. عادل العفيف مختار

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.