كلمة جلابة كلمة قديمة فقد ورد ذكرها في كتاب طبقات ود ضيف الله: " قال ولد ابو عريف الجعلي: ونحن طلاب نقرأ القرآن في خلوات الشيخ بدوي ختت جلابة بين المغرب والعشاء فيها ستمائة حمار بلا الزمل والخيل"( )، وختت تعني نزلت، والزمل هي الإبل، وفي هذا النص إشارة واضحة لارتباط اللفظ بالتجارة، وعدم ارتباطه حتى ذلك التاريخ بالمكونات الجهوية لعناصره.

في تفسيره لكلمة " جلابة " يقول الدكتور يوسف فضل: "الجلابة تعني التجار والعير التي تحملهم. وقد تطورت هذه الكلمة حتى صارت تعني علي وجه الخصوص من يعملون بالتجارة من الدناقلة أو العناصر النوبية المستعربة في مناطق كردفان، دارفور وجنوب السودان وبعض المناطق التي لم ينتشر الإسلام فيها بعد في السودان".
ويبدو أن المقصود بالعناصر المستعربة من جانب د. يوسف فضل قبائل مثل الجعليين والشايقية وآخرين غيرهم. وفي تعريف د. يوسف فضل إشارة لتطور الكلمة وظهور مكوناتها الجهوية. كما ظهرت المكونات الجهوية للفظ أيضاً في تعريف د. عون الشريف حيث أورد في تفسيره للاسم: "والجلابة القافلة أو الذين يجلبون، وتطلق فى غرب السودان على الذين جلبوا الى المنطقة من جهات اخرى كالهوارة والجعليين وغيرهم. ولعل التسمية من اشتغالهم بالجلب اي التجارة"( ).
ثم حدث تطور جديد في مفهوم اللفظ فأصبحت تشمل التجار المنحدرين من أصول شرقية من غير السودانيين من الشوام والمصريين والأتراك، وهم من أشار إليهم شقير بقوله: "وكان هناك كبار التجار الذين بنوا إمبراطوريات وجيوش وجمعوا ثروات ضخمة من تجارة الرقيق مثل الحبشي، احمد العقاد، وعلى أبو عمورى ، ومحجوب البصيلى، وعطاس القبطي، وكوشول على التركي، وإدريس ابتر الدنقلاوى، والزبير باشا رحمة"( ).
ويتفق د. محمد سليمان مع رأي شقير حيث يورد عن الكلمة أنها: "تعد خليطاً من عناصر كثيرة‎ ومتعددة عرقياً، شملت ‏حتى الأقليات الوافدة من أهل الشام و‏المماليك ‎واليونانيين والأتراك. وهم يمثلون ‏اليوم، بشكل رئيس؛ شبكة التداخل الاجتماعي بين أهم المجموعات ‏العربية السودانية، ‏بغض النظر عن أصولهم‎ ‎القبلية أو الجهوية، وهم يمثلون أيضاً الطبقة التجارية ‏الحضرية ‏التي‎ ‎انتشرت في جميع أرجاء السودان، وبعض الدول المجاورة له"( ).
لكن هذا المصطلح من وجهة نظر سكان المناطق المجلوب إليها في الغرب والجنوب، اكتسب ابعاداً أخرى، فهو يبدو وكأنّه يشير إلى وجه واحد للعملية هو جلب البضاعة إلى أماكن تصريفها، ولكنه لا يشير إلى الوجه الآخر للعملية وهو شراء المنتجات المحلية للمنطقة بواسطة الجلابي نفسه ونقلها لمناطق أخرى حضرية وبيعها فيها، أو بيعها في الأسواق المحلية الريفية؛ وربما تصديرها للخارج، ولو أرادوا الإشارة لوجهي العملية لكفتهم كلمة (تاجر) وقامت بالمهمة، وربما كان هناك شعوراً ما بان ما يجلبه التاجر من وارد قد يفوق في القيمة والأهمية ما لدي المنطقة من صادر.
هذا الوجه الواحد وهو التركيز على الجلب أكثر من الأخذ، لم يضع في اعتباره أنّ هناك تكافؤاً في الأهمية، كما أنه أبعد عنصر المخاطرة في التجارة، وقادت هذه النظرة الاحادية إلى الافتراض أن الجلابي يضع أسعاراً باهظة لما يجلبه، وكانت النتيجة هي دمغ تلك الطبقة بالاستغلالية.
تختلف سبل كسب العيش لدى سكان السودان من منطقة لأخرى، وهذا الاختلاف يولد ثقافات فرعية متعددة ضمن الثقافة السودانية العامة، فهناك بادية رحل؛ وهم بدورهم ينقسمون إلى رعاة إبل ورعاة أبقار، وهناك قبائل أفرادها مزارعون مستقرون على ضفاف النيل، وهناك قبائل أفرادها رعاة يربون الماشية ومزارعون في الوقت نفسه يعتمدون على الزراعة المطرية، وهناك سكان مدن يمتهنون التجارة وتقديم الخدمات والصناعة.
استفادت مهنة التجارة من هذا التفاوت بين أنماط سبل كسب العيش الذي أفرزته الجغرافيا، وهو تفاوت بين بيئات طاردة شحيحة الموارد في الشمال وبعض أجزاء الشرق، وبيئات جاذبة غنية بالموارد في الوسط والغرب والشرق أيضا، وقد اثر هذا التفاوت على توجهات الناس تجاه الهجرة والمغامرة، فإنسان البيئة الطاردة كان أكثر استعداداً وحماساً لمغادرة دياره؛ وفي المقابل لا نجد لإنسان البيئة الجاذبة نفس الحماس؛ إذ يفضل في الغالب الأعم عدم مغادرة أرضه أو ديار قبيلته، أما البيئات الجاذبة نفسها فيختلف فيها المناخ؛ وتختلف فيها المحاصيل تبعا لذلك؛ وتختلف أوقات الحصاد وأماكنه، وهذه الاختلافات يستفيد منها الوسطاء الذين ينقلون البضائع مكانياً وزمانياً، مكانياً بترحيلها من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك، وزمنيا بتخزينها في وقت الوفرة ثم بيعها في وقت الشح، ثم ما يعقب ذلك من تنقل لرؤوس الأموال بين الأقاليم، فالأموال التي رُبحت في إقليم مستهلك قد يعاد ضخها في الإقليم المنتج لجني مزيد من الأرباح، بينما يذهب جزء منها لاستثماره في الخدمات والصناعة في المدن، وكل هذا بالضرورة يحتاج عدا الوسطاء؛ إلى إنشاء شبكات الشراء والنقل والتخزين والبيع..الخ.
ولَّد إذن هذا التفاوت في أنماط العيش الحاجة إلى طبقة تجارية، وكان فرسان هذه الطبقة تلك الفئة المسماة (الجلابة)؛ والتي جاءت من مناطق مستقرة لا ترحل فيها؛ ولكنها شحيحة الموارد وطاردة؛ حيث لا تفي الرقعة الزراعية الضيقة على الشريط النيلي باحتياجات السكان، إضافة إلى أن النظام القبلي فيها قد تآكل وأصبح صورياً ولا يشكل قيوداً على تحركات أفراده، وساعد على انسجام مكونات هذه الفئة أن آخر نزاعات قبلية جرت بين قبائلها الرئيسية وهي المحس والدناقلة والشايقية والجعليين حدثت قبل الغزو التركي المصري عام 1821.
لكن هذا الانسجام بين هذه المكونات شكل عائقاً أمام انصهارها مع مجتمعات البيئات الجديدة التي وجدت نفسها فيها، فقد عزلت نفسها داخل احياء تسمى احياء الجلابة، ولم تسر وتيرة الانصهار بالمعدلات المطلوبة التي كانت ستقود لتجانس اجتماعي ملموس.
أما المكون الثاني للطبقة التجارية فقد جاء من المجموعات المهاجرة والتي لا تنتمي للنظام القبلي كلية ولكنها تسودنت، واغلبهم من المصريين وشوام واليمنيين والاتراك والمغاربة، كما أن هناك مجموعات مسيحية من الأرمن والإغريق، وكان هناك بعض الهنود وغالبيتهم من الهندوس، وقد قامت طبقة الجلابة بدمجهم في المجتمع خصوصاً المسلمين منهم، حيث كانت قبائل الجلابة هي الأقرب لهذه الفئات خصوصاً من ناحية تآكل النظام القبلي. وبالمقابل استفاد الجلابة من خبرة هذه المجموعات المهاجرة ومهاراتهم في التجارة في تطوير اعمالهم التجارية، كما استفاد الجلابة من الثقة المطلقة التي كانت توليها الحكومات الاستعمارية لهؤلاء المهاجرين والامتيازات التي توفرها لهم وهي حكومات العهد التركي المصري والعهد الانجليزي المصري، وحدث تداخل للمصالح بين الفئتين.
قاد تداخل المصالح لتداخل اجتماعي بعلاقات المصاهرة مما جعل مصطلح جلابة يشمل كليهما، كما أشار لذلك د. محمد سليمان، ومن أمثلة هذا التداخل في المصالح نموذج الشركة الرباعية التي سيطرت على تجارة الثروة الحيوانية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي في كردفان وكانت تتكون من أربع شخصيات من كبار رجال الأعمال هم محمد أحمد البرير وعبد المجيد مهدي وأحمد كردمان وسعد أبو العلا، إذ أنّ ثلاثة من هؤلاء من فئة الجلابة والرابع من المجموعات المهاجرة.
استفادت التجارة كمهنة من فئة الجلابة إذ ازدهرت على يدهم، لكن الفكر التجاري الذي يؤسس لتراكم رأس المال؛ ومن ثم استغلال الفائض في أنشطة تصنيعية أو زراعية أو خدمية على نطاق واسع؛ مما يقود إلى نهضة زراعية وصناعية لكل البلاد لم يستفد من ذلك، والجلابة ظاهرة لابد أنّها قد ألقت بظلالها على الفكر التجاري السوداني، فقد كانت هي الطبقة التي تقوم بالعمل التجاري في العهدين التركي المصري والإنجليزي المصري، كما أن كثيراً من العائلات التجارية السودانية التي تقود الاقتصاد اليوم، والتي استقرت بالمدن الكبرى مثل الخرطوم وبورتسودان ومدنى والأبيض تعود أصولها إلى فئة الجلابة. ومعظم هؤلاء هم ممن عملوا أو عمل آباؤهم في تجارة الحبوب الزيتية والصمغ والسمسم ومعاصر الزيوت والقطن والمواشي، وريش النعام والجلود، والكركدي، وكل هذه المواد تنتج أما في غرب البلاد أو في وسطها أو في شرقها، بينما لا يوجد للمناطق الشمالية من محصول رئيس سوى التمر.
كان الجلابة جسراً للتواصل بين عالمين، عالم ذو نوافذ متعددة على المحيط الخارجي وهو عالم المركز وتوابعه من المدن الكبرى، وما يتبع ذلك من علاقات مع المحيط الرأسمالي العالمي، وعالم آخر كاد الجلابة أن يكونوا نافذته الوحيدة، وهو عالم الهوامش أي المناطق البعيدة عن المدن الكبرى من أرياف وبوادي، وكلمة جسر ليست مليئة بالإيجابيات كما هو متصور، بل لها سلبيات، فمن سلبياتها أنّها تشير إلى نوع من عدم الاستقرار يجد الجلابي نفسه في خضمه، فلا منطقة انطلاق الجلابي في المراكز الحضرية أو توابعها استفادت من تراكم ثروته؛ إذ هو في حالة تنقل دائم بين البلاد، ولا مناطق تجارته في الهوامش استفادت هي الأخرى من هذه الثروة وذلك بحكم إحساس الجلابي أن وجوده فيها مؤقت، لذا وعلى سبيل المثال فان الثروات الهائلة التي كونها كبار الجلابة في العهد التركي المصري أمثال الزبير باشا، وإدريس ابتر، والياس امبربر وغيرهم لم نجد لها أي صدى في تاريخ السودان الاقتصادي، حيث تبددت تلك الثروات وضاعت وكأنها لم تكن. ولم تساهم في إحداث أي تطور يذكر في اقتصاد البلاد.
تعرض الجلابة لمنافسة حادة في العهد الإنجليزي المصري، فقد ظهرت الشركات الأجنبية ووكلائها في الساحة، وهذه الشركات والوكلاء هم في حقيقة الأمر جلابة من نوع حديث يضعون القبعات بدل العمائم، ولم تجازف هذه الشركات ووكلائها مثلها مثل الجلابة بتوطين استثمارات رأسمالية ضخمة تؤدى إلى نهضة زراعية وصناعية شاملة تستفيد منها البلاد، ولا ساهمت في تقوية الشريك المحلي الضعيف، بل اكتفت هذه الشركات الأجنبية ووكلاؤها بالعمل التجاري الآمن والمضمون، وتنفيذ عمليات الاستيراد والتصدير ذات العائد السريع والمخاطرة المنخفضة وتقديم الخدمات المصرفية. ووضعت الجلابة في خلفية الصورة كمزودين بالسلع، ولم نشاهد ضلوع هذه الشركات في التصنيع إلا نادراً مثل مصنع اسمنت عطبرة الذي أقيم عام 1949، كما أن أول دخول لشركة بريطانية مجال تصنيع الدواء كان في عام 1964 أي بعد ثماني سنوات من رحيل المستعمر عام 1956. ومن المؤسف القول أن الجلابي صاحب العمامة كان يتفوق علي الجلابي ذي القبعة؛ من حيث قبوله سقفاً أكبر من المخاطرة؛ وهو يتجول في بعض المناطق التي ينعدم فيها الأمن، فقد لا يكون ثمن المخاطرة لهذا الجلابي المحلي فقدان رأسماله فقط، بل أحيانا فقدان الرأس والمال معاً.
في وقتنا الحالي نلحظ أن المناطق التي كانت مسرحا لعمل الجلابة في الماضي، تطورت مهارات ابنائها في العمل التجاري واصبحوا يمارسون التجارة في مناطق الشمال وفي الجزيرة، حتى وإن كان على مستوى بقالات الأحياء، وفي استقبالهم وتخفيف معاناة غربتهم نوع من رد الجميل لما قام به اسلافهم من استقبال الجلابة في عهود خلت، ويشكل وجودهم ايضاً فرصة لمزيد من الإنسجام الإجتماعي وإزالة كثير من المفاهيم المغلوطة التي ينتج عنها في اغلب الأحيان شعور بالغبن، وتحرم المجتمع من فرص تكاتف ابنائه لينهضوا به نحو مدارج الرقي والتقدم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.