وانفض أخيرا مؤتمر شركاء السودان بعد التآمه في ظروف دولية بالغة الصعوبة تكبلها قيود جائحة كورونا، التي جعلت كل دول العالم تراجع حساباتها الاقتصادية وتتحسس خزائنها وجيوبها، وتمسك بما لديها من فوائض مالية لمجابهة واقعها الماثل وأي مخاطر أخرى محتملة. وطبيعي في مثل هذه الظروف أن يقل سقف توقعات الحصول على أي منح أو مساعدات مالية من أي نوع، وهذه الحقيقة هي التي أكدتها مخرجات المؤتمر ومآلاته الختامية. فما انتهى إليه المؤتمر هو حصول السودان على مبلغ ضئيل دون المتوقع بكثير وهو في أحسن حالاته وفي مجمله لا تتجاوز قيمته ملياري دولار، كما أن جزءاً من هذا المبلغ عبارة عن إعفاء من ديون ورثتها الحكومة عن النظام السابق، وبعضها مساعات عينية، وجزء منها يقدم على مدى عدد من السنين وليس مبالغ حالة لجبر المشكلات التي تواجه السودان الآن. فالنتيجة أقل مما كان في الحسبان، خاصة إذا سايرنا تصريحات السيد وزير المالية في أن احتياجات السودان في حدود ثمانية مليارات للخروج من أزمته.

النقطة الاكثر ايجابية وأهمية في المؤتمر مما حصل عليه السودان من ميزات مالية، هي أنه دشن مصالحة جديدة مع المجتمع الدولي وفتح باباً للتعاون يفصم علاقة الكراهية السابقة بما يمكن الحكومة من استغلالها مستقبلاً في مشاريع مشتركة، إذا أسست لمثل هذه العلاقات بصورة جيدة تخدم مصالح السودان، وتساعده في تجاوز العثرات الاقتصادية.
اشارت مخرجات المؤتمر إلى حقيقة اساسية وهي أن حل مشكلة السودان يبدأ من الداخل وليس من الخارج، فالمجتمع الدولي لا يقدم حلولاً جاهزة ولا يساهم بالمجان في حل مشكلاتنا وإخراجنا من مأزق الأزمة التي نعيشها، والشراكة معه لإيقاف مسلسل التدهور وابتدار نقلة اقتصادية تتطلب القيام بواجب منزلي يهيئ، المناخ الاستثماري للتفاعل المطلوب مع الدول ومؤسسات التمويل الدولية. فقدرات السودان الطبيعية هائلة، وما ننعم به من مصادر كفيل بأن يجعلنا في مراتب متقدمة، والمشكلة التي عجزنا عن الاجابة عليها طوال فترة الحكم الوطني هي كيفية تحويل هذه القدرات إلى قوة.
الواجب المنزلي المطلوب الآن هو تهيئة البيئة الداخلية لشراكة حقيقية مع المجتمع الدولي، وفي تقديري أن هناك عدد من الضرورات الملحة في هذا الشأن منها:
1- استكمال مؤسسات الدولة التي نصت عليها الوثيقة الدستورية، ومن بينها المجلس التشريعي ومجلس القضاء العالي والمجلس الأعلى للنيابة والمحكمة الدستورية، فقد مر زمن كافي من الفترة الانتقالية، ونحن على طريق الفشل في إكمال البناء المؤسسي، ولا يمكن خلق شراكة حقيقية مع طرف اخر دون الاستيثاق من وجود أجهزة الحكم التي تصنع القرارات وتقيم حكم العدل في الداخل.
2- إجراء دراسات اقتصادية جادة يشارك فيها خبراء سوانيون من مختلف التوجهات والميول للخروج بسياسات اقتصادية فاعلة، تستصحب كافة التجارب الماضية، وما اكثر ما مر بالسودان من تجارب، إضافة إلى السهر على تطبيقها مهما كان الألم الذي يتم دفعه في سبيل الخروج إلى بر آمن.
3- الاسراع في إنهاء ملفات السلام وتحقيق البيئة الصالحة لشراكات اقتصادية، فلم يحدث في تجارب الدول أن نشأت نهضة اقتصادية في أجواء حرب.
يجب أن تكون أيدينا ممدودة لشراكة حقيقية فلسنا معدمين وإنما تعوزنا الخبرة في وضع السياسات والإدارة والتقنيات، وهذا ما نطلبه من المجتمع الدولي. ومجرد طلب المعونات المجانية لا يعود بخير، ولا يوقد همة في سبيل نهضة، وفي الأدب النبوي، لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم.

أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.