يأتي الموت للإنسان من دون أن يدق باب ومن دون أن يستاذن بالدخول، ويرحل الأصفياء والأتقياء عن دنيانا بهدؤ وسكون ، من دون أن يعلموا ويعلنوا بأنهم شادين للرحال إلى ديار أخريات. يرحلون عن دار الفناء كمزن ركام بصفاء ونقاء، قاصدين دار الخلود ودار البقاء. يرحلوا ويتركوا خلفهم أعين دامعة وأفئدة جريحة، ليختاروا جوار ربهم، مع من سبقوهم من أنبياء ومرسلين وصديقين وصالحين. وصلتني رسالة قصيرة ومحزنة من الأخ الصديق الدكتور عبد المنعم عبد المحمود العربي من لندن، وكان نصها: "أخي حسن أعزيك ونفسي المكلومة - رحم الله الأخ والصديق حسين". 

يا له من خبر مفجع ومحزن، وأي منا أعزي يا دكتور عبد المنعم، أأعزيك أولا، أم أعزي نفسي في رحيل إنسان تتجسم فيه كل الإنسانية وفي أدق معانيها وتفاصيلها - إنسان أحببنا من قلبه وأحببناه من قلوبنا، بصدقة ووضوحه بساطته ووفاءه. إنه البروفيسور الراحل حسين جمعان، الأب والمربي، الفنان والأديب، الأستاذ والخبير في علوم الجماليات والفنون التشكيلية. رحل البروفيسور جمعان فجأة عن دنيانا في يوم الخميس المبارك، تارك لغيره من الناس أكاليل من الرونق، والجمال والمحبة والوئام. رحل البروفيسور العلامة، والعالم البحر (إذا أوفت الكلمات في حقه) بعد حياة متحفة بالبذل والعطاء، وفي كثير من الحقول، خصوصا في الفنون التشكيلية والتصميم واللغة والأدب.
لقد كان الراحل من تلاميذ البروفيسور الراحل شبرين (نسيب الدكتور عبد المنعم عبد المحمود العربي)، وكان يكني لأستاذه الراحل، ولما علمه من الفنون التشكيلية وآدابها، كل ضروب الإحترام والتبجيل. لقد كان البروفيسور جمعان، كأستاذه وشيخه الراحل "بروفيسور شبرين" مدرسة قائمة بذاتها. بروفيسور جمعان، الأستاذ الجامعي الذي تفرد يأعماله في شيئين هامين في المجتمع: الإهتمام بأدب الأطفال، والاهتمام بالتوثيق للتراث السوداني. كانت للراحل لمساته الفنية المميزة في الرسم والتصميم. وهذا بطريقة هدفها ليس أن يفهم مضمونها الكبار فقط ، بل أن تصل رسالتها أيضا للصغار. لقد بين لي في حديث قصير، وبطريقة مبسطة، كيفية عمله في الرسم، بأنه يرسم أولا لنفسه، وثانيا من منظور الطفل الصغير. الشيء الذي يوضح للمتمعن للوحاته، كم هي مستوعبة للكل، وكم من جهد ينسكب في كل عمل فني وابداعي يشرع فيه ويكمله.
حفلت حياة الراحل بالاخلاص والتتفاني في العمل، فقد عمل لسنوات طويلة وحتى آخر أيام حياته بالتدريس في كلية الفنون الجميلة بجامعة المستقبل. لقد شارك بأعماله التشكيلية في كثير من المعارض الفنية، على الصعيدين المحلي والعالمي. ونال العديد من الجوائز العالمية المرموقة، منها جائزة نوما اليابانية بطوكيو في آداب وفنون الأطفال. لقد رفع رأس السودان عاليا وعبر السنين، الشيء الذي أدى إلى تكريمه بوسام الجدارة في الابداع من قبل بلاده.
يقول المثل: تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. كان الأمل في عمل معرض تشكيلي بالمركز الفرنسي بالخرطوم في الخامس من شهر يوليو لهذا العام. وهذا بهدف عرض لوحات تجمع بين أعمال البروفيسور جمعان، وأعمال أستاذه الراحل شبرين، وأعمال الدكتور العربي. لقد تمت كل الخطوات الخاصة بالتنفيذ، في أن يفتتح المعرض فيبداية يوليو، وهذا بعد أن تم اختيار الأعمال التي يرجى عرضها - كل هذا تم بتخطيط مكثف مع البروفيسور الراحل. وهاهي ظروف رحيله تحول دون أن يكون يحضر. فهو الآن في حضرة رب غفور رحيم، وبجوار أستاذه وشيخه الذي أحب، البروفيسور الراحل شبرين. نسأل الله تعالى أن يتقبلهم الأثنين قبولا حسنا، وأن يجعل قبورهم روض من رياض الجنة، وأن يلزم ازواجهم وابناءهم وبناتهم وأهلهم واصدقاءهم وجيرانهم وتلاميذهم الصبر والسلوان في فقدهم، وأن يجعل الخير والبركة في ذريتهم إلى يوم الدين. آمين يا رب العالمين.
أعزيك وأعزي نفسي أخي دكتور عبد المنعم في فقدنا الجلل – البروفيسور الراحل، وأستاذ الأجيال "حسين حمعان". وأسأل الله تعالى أن يقويك ويقوينا على فقده ورحيله المفاجىء. فكم من فكرة وكم من مشروع كنا نخطط له، وهو الكبير والخبير والحكيم فينا، ببساطته وتواضعه وزهده في الدنيا. كم كنا نخطط سويا للخروج بأجمل الأعمال لأطفال بلادنا. وكم كنتم تخططون للتوثيق لمدارس فنون بأكملها "شبرين وجمعان"، فعسى أن يهون المولى عز وجل ما خطط للتوثيق له، وهذا بالرغم من جرح الرحيل وألم الفجيعة - ألف رحمة وألف نور.
E-Mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.