آخر النفق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

طرأت على بلادنا في الفترة الأخيرة آفة خطيرة ومدمرة لكل القيم، هي آفة الجحود، والإساءة للآخرين. كل الآخرين بلا تمييز. ساهمت في ذلك الوسائط التي يكتب فيها العامة، ممن لا يتوقع منهم سوى الغوغائية والجهالة واللغة القادمة من قاع المجتمع وحضيض الأخلاق. ولكن المؤسف أن ينجرف في تيار ذلك التوجه، بعضٌ ممن يظن الناس بهم الفهم، وقيادة الرأي العام ببصيرة وبأعلى مستويات المسؤولية الوطنية والخلقية والدينية.

فليس من خلق أهل السودان، جحود أفضال الناس عليهم، وليس من المروءة أن يعض الإنسان اليد التي أحسنت إليه، وليس من المحمود أن يسئ المرء لجيرانه وأهله، حتى لو كانوا هم لا يرعون حق الجوار والرحم، دعك عمن يقدرون العلاقات ويدفعون عن خاطرٍ طيبٍ ضريبة تلك القربى والجوار.

ومصر من أقرب البلاد للسودان، ليس فقط جواراً جغرافياً ملتصقاً لا فكاك منه، بل هو جوارٌ رسخته وعمقته الصلات المتصلة منذ عهود غابرة، في كل مجال من مجالات الحياة. فالدماء التي تجري في العروق هي دماء مختلطة أشد الاختلاط، بالهجرات والمصاهرة والتداخل القديم. والثقافة بكل مكوناتها من لغة ودين وتقاليد، وحتى الطعام والملبس والأعراف، هي من المشترك بحيث يصعب أحياناً معرفة ما هو سوداني أصلاً مما هو مصري الجذور.

وإذا كان التأريخ القديم قد حدثنا عن مملكة مصر الفرعونية، فهي ليست مصر التي نعرفها اليوم بحدودها الواقعة جنوب أسوان، بل هي مملكة ممتدة من شمال الخرطوم إلى البحر المتوسط، تزيد وتتوسع حيناً وتنقص وتضيق أحيانا، ولكنها رقعة جغرافية واحدة، تشهد عليها الآثار من معابد وأهرامات وعبادة آمون وسلالات الملوك المشتركة. تلك الشواهد التي تمتد من البجراوية إلى الجيزة، ومن بعانخي إلى محمد نجيب والسادات.

ولم تبدأ العلاقة بين البلدين برواق السنارية في الأزهر في عهد الدولة السنارية، ولا بدخول جيش محمد علي باشا ومن معه من المصريين التجار والعلماء والمدرسين والإداريين وغيرهم، ولكنها ترسخت أكثر بفعل هذه الأحداث والعوامل. واستمرت مصر منبعاً للكثير من المؤثرات الكبيرة والعميقة في ثقافة وتاريخ السودان: التعليم والفقه والأدب والشعر والصحافة والمسرح والنظم الادارية والقانونية وحتى المطبخ والأزياء وغيرها.

وفي عهد الدولة المستقلة في البلدين بعد جلاء الاحتلال البريطاني عن كليهما، واصلت مصر علاقتها الخصوصية بالسودان، وليس صدفةً أن سيارات السفارة المصرية في الخرطوم تحمل الرقم (واحد)، ذلك أنها أول دولةٍ اعترفت باستقلال السودان وفتحت فيه سفارتها، ثم مدت حبال الوصل والتأثير حتى يومنا هذا.

وفي عهد الدولة الوطنية، قدمت مصر للسودان ما لا يقدر بثمن، من فرص الدراسة الجامعية والتدريب التقني في المعاهد العليا. وقد بلغ عدد الطلاب السودانيين في جامعات مصر ومعاهدها في بعض سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ما يزيد عن عشرين ألفاً، في وقت كان فيه السودان يقبل بجامعاته ومعاهده ما لا يزيد عن الخمسة آلاف. وظلت تجارتنا الخارجية تتوجه إلى مصر وتأتي منها في أغلب الأحيان، بما يضعها دائما في صدارة الشركاء التجاريين، وذلك للقرب الجغرافي، ووفرة السلع المطلوبة (ملابس، أدوات منزلية، أدوية الخ)، وذلك قبل ظهور الصين كشريك تجاري أول بسنين طويلة.

وظلت مصر ملجأً ومهجراً للسودانيين عبر العهود والحقب. ولعل من أكبر الجاليات السودانية في الخارج، إن لم تكن أكبرها على الإطلاق، هي التي في مصر. ورغم تقلبات السياسة والخصومات الحزبية، فقد ظلت مصر تفتح أبوابها وأحضانها لهذا التيار أو ذاك من السودانيين، يذهبون ويعودون، تم تقتضي تقلبات السياسة أن يجاهروها بالعداء، وتدور الأيام والدول، ثم يعودون لها مستجيرين بها من بأس بعضهم، وهي لا تلوم ولا تعاتب ولا تحاسب، كأنما عناها بيرم التونسي وهو يسبّح في حرم ربه ويقول: لا يعاتب اللي يتوب، ولا بطبعه اللوم!

ولعل شاعرنا نحن تاج السر الحسن، قد اختصر المسألة من جانبها الأهم وبكلمة واحدة حين قال مخاطباً مصر جمالٍ أم صابر: يا حقيقة.
فمصر حقيقة ماثلة. يشهد بها التاريخ، وترسخها الجغرافيا الصامدة، ويشهد بها الواقع الحالي. لا يمحو فضلها الجاحدون، ولا يقلل من قدرها المبخسون، ولا يغير من حقيقتها الذين فقدوا الحد الأدنى من المروءة.

نختلف مع نظام مصر سياسياً، ونختصم مع هذا الحاكم أو ذاك الحزب، ولكن تبقى مصر الدولة والشعب، كالشمس التي ترسم خيوط أشعتها على جدران معابد آمون في جنوب الوادي وشماله، لا يغطي فضلها من ينكر ضوءها لرمد في عينيه وثلمة في مروءته.