على حسب التصريحات الرسمية للمسؤولين السودانيين في الآونة الأخيرة وصلت نسبة الفقر في السودان إلي ٦٥٪ من السكان، أي ما يذيد علي ثمانية وعشرون مليون ونصف المليون نسمه (٢٨,٥٠٢,٠١٩) علي حسب تقدير السكان في العام ٢٠٢٠ وتمثل تلك النسبة ٤٪ من فقراء العالم. وسيزداد نسبة وحدة الفقر مع الارتفاع المفرط في زيادة الأسعار وتدهور قيمة العملة السودانية في ظل عدم وجود استراتيجية وطنية لمحاربة الفقر. وكما ذكرنا في مقال سابق يعرف البنك الدولي الفقر بانه مستوى الدخل الذي يقل عن دولار وتسعون سنت امريكي (١,٩٠) في اليوم وذلك في عام ٢٠١٥ بأسعار عام ٢٠١١. فإي شخص يقل دخله عن هذا المستوي يعتبر فقيراً مدقعاً لا يستطيع تلبية حاجاته الأساسية من المواد الغذائية التي تكفي حاجته من السعرات الحرارية اليومية الضرورية ويحددها البنك ب 1,800 سعره حرارية في اليوم، لكن العديد من الدول تضع خطوط فقر خاصة بها. كمثال في الولايات المتحدة الأمريكية في عام ٢٠٢٠ الخط الفاصل للفقر لشخص واحد دون سن ال 65 عام هو 12,760 دولار أمريكي في العام. ويطرح السيد وزير المالية كحل لهذه المعضلة الدعم النقدي المباشر للأسر الفقيرة مع الاستمرار في تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي. والدعم النقدي المباشر هو ما يطرحه الصندوق والبنك الدولي لمحاربة الفقر الذي يترتب علي تطبيق سياساتهم بديلاً للدعم السلعي والبرامج الاجتماعية والصحية والتعليمية التي تتولى الدولة تقديمها مجاناً لرعاياها. في المقابل هنالك ما يطلق عليه الدخل الأساسي الشامل والدعم النقدي المباشر جزء منه. وهي فكرة وجدت قبولاً واستحساناً من مختلف التيارات الفكرية من اليسار واليمين. وقد ذكر وزير المالية في فترة سابقة بأنهم يريدون تطبيق الدعم الأساسي الشامل في السودان. هذا المقال يتناول فكرة الدعم الأساسي الشامل وتطورها عبر الحقب التاريخية المختلفة الى يومنا هذا، وفي مقال اخر سأتناول النواحي الإيجابية والسلبية من منظور المدارس الفكرية المختلفة.

الدخل الأساسي الشامل هو نظام بمجرد ان يصل أي فرد من أفراد المجتمع الي سن معين (غالباً ١٨ سنه) يحق له الحصول على مدفوعات نقدية تمكنه من العيش، ممول من الضرائب، بالإضافة الي ما سيحصل عليه الفرد من صاحب العمل. تؤكد معظم المقترحات على أن الدفع يجب أن يكون في حده الأدنى ، وصغير جدًا ، ليكون حافزًا لأفقر المستفيدين على البحث عن عمل.

تعود فكرة الدخل الأساسي الشامل الذي تديره الدولة إلى أوائل القرن السادس عشر عندما صور السير توماس مور (Sir Thomas More) المفكر والفيلسوف الانجليزي مجتمع مثالي يحصل فيه كل شخص على دخل مضمون يكفي احتياجاته الضرورية. ثم في أواخر القرن الثامن عشر، أعلن الراديكاليان الإنجليزيان توماس سبنس (Thomas Spence) وتوماس باين (Thomas Paine) دعمهما لنظام الرعاية الاجتماعية الذي يضمن لجميع المواطنين دخلًا معينًا كحد ادنى. واقترحا انه يجب أن يكون الدخل كافياً للزوجين الشباب "لشراء بقرة ، وزراعة عدد قليل من الافدنة" .

ثم جاء بعدهما بعدة عقود المفكر البلجيكي جوزيف شارلي (Joseph Charlier)، بنسخة وطنية من الدخل الأساسي الشامل. وأكد لنقاده أن حجم الدفع سيكون متواضعا للغاية. وكتب: "ستؤمن الدولة الخبز للجميع ما عدا الكمأة إلى أحد". "وسيكون سيء للغاية بالنسبة للشخص الكسول. سيكون عليهم الاكتفاء بالحد الأدنى للبديل عن العمل. إن واجب المجتمع لا يتجاوز ذلك ".

فشلت فكرة شارلي في كسب المؤيدين. لكن الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) كان لديه حظ أكبر في إقناع القراء. في عهد ميل، تم التعامل مع الفقر بإحدى طريقتين: الأعمال الخيرية الخاصة أو العمل الإلزامي في ما يسمى ببيوت العمل. في كلتا الحالتين، تطلب هذا أحكاماً ذاتية غالباً حول ما إذا كان الشخص يستحق الصدقة أو يجب إجباره على العمل.

أراد ميل التخلص من كلا النهجين. وكتب "إن موزعي الإغاثة العامة ليس لديهم الحق ليكونوا محققين". وبدلاً من ذلك ، اقترح ضمان حصول الجميع على دخل الكفاف وليس أكثر. وأعرب عن رغبته في ضمان "جميع الأشخاص ضد العوز المطلق" ، ولكن يجب أن يكون الحد الأدنى من دخل الكفاف "أقل جاذبية من حالة أولئك الذين يجدون الدعم من خلال حصولهم علي أي نوع من العمل"

على الرغم من أن معظم مؤيدي الفكرة في القرن العشرين، بما في ذلك أعضاء حزب العمل البريطاني، كانوا مؤيدين للفكرة بصورة مطلقة وغير اعتذارين، إلا أن فريدريك هايك (Friedrich Hayek) النيوليبرالي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٧٤، أيد الفكرة واشترط ان يكون الدخل على اقل مستوى يسمح للفرد بالعيش بكفاف. أي شيء فوق دخل الكفاف سيتطلب "السيطرة على السوق او الغائه". جادل هايك بأن "ضمان الحد الأدنى من الدخل للجميع ،هو نوع من الخط الفاصل الذي لا يحتاج أي شخص ان يكون تحته حتى اذا لم يكن قادراً على إعالة نفسه" وذلك امر شرعي وضروري لكي نعيش في "مجتمع حديث". لكن هايك لم يقدم خطة مكتملة لتطبيق اقتراحه على أرض الواقع.

فعل ذلك الاقتصادي المعروف في جامعة شيكاغو ميلتون فريدمان (Milton Friedman) الحائز ايضاً على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٧٦وايضاً أحد أباطرة النيوليبرالية. مثل هايك، فريدمان أيضا يحتقر برامج الرعاية الاجتماعية الحكومية التي تحارب الفقر من خلال برنامج خليط مكون من طوابع الغذاء، وإعانات الإسكان، والعلاج المجاني او المدعوم وغيرها من التدابير القائمة على الاحتياجات. أراد فريدمان التخلص من كل هذا، واستبداله بما أسماه "ضريبة الدخل السلبية"

كانت طريقة عملها بسيطة: يحصل دافعو الضرائب غير الراغبين أو غير القادرين على العمل على خصم يسمح لهم بالعيش بالكاد – عيش الكفاف. يعتقد فريدمان أن مستوى الخصم يجب أن يكون "منخفضًا بما يكفي لمنح الناس حافزاً كبيراً ومنتظماً لحثهم لإيجاد طريقة للخروج من البرنامج" وطالب بإلغاء جميع المساعدات العامة الأخرى.

كان لدى المدافعين الآخرين عن الدخل الأساسي الشامل في الستينيات والسبعينيات تعاطف أيديولوجي مختلف، لكن عدد غير قليل اتفقوا على أن نظام الرعاية الاجتماعية لا يمكن إصلاحه. جادل الاقتصادي الكندي جون كينيث غالبريث (John Kenneth Galbraith) مؤيداً فكرة "ضمان الحد الأدنى من الدخل"، وكتب في عام 1966 رداً علي الذين يقولون أنه سيعمل على "تدمير الحوافز" للعمل ، قائلا: "ولكن لدينا الآن نظام رفاهية اجتماعية لا يمكن تصميمه بشكل أفضل لتحفيز على العمل اذا ما رغبنا في ذلك. بدلاً عن ذلك نعطي الدخل للمحتاج ، ونأخذ هذا الدخل إذا حصل المتلقي على أي وظيفة".

أيد غالبريث تحديد حد أدنى من الدخل الأساسي الشامل بحيث لا يمكن أن يسقط أحد دونه، والسماح لأولئك الذين لديهم الإرادة للعمل باستكمال هذا الدخل الأساسي بثمار عملهم. وكان ذلك أول اقتراح بإضافة الاحتفاظ بالدخل الأساسي الشامل والدخل من العمل. كان غالبريث من ضمن ألف من الاقتصاديين قدموا التماس للكونغرس للنظر في الفكرة عام 1968. بعد ذلك قدمت اللجنة التي كونها الرئيس ليندون جونسون (Lyndon Johnson) لبرامج الحفاظ على الدخل دعمًا إضافيًا للاقتراح في تقريرها الذى قدمته في عام 1969.

اقترحت اللجنة التخلص من نظام الرعاية الاجتماعية السائدة آنذاك، واستبداله بـ "برنامج الدخل الأساسي" الذي يتبنى ضريبة الدخل السلبية التي وضعها فريدمان والذي لم يكن برنامج للرفاهية، ولم يكن برنامجاً للعمل أيضًا. وخلص التقرير إلى أنه "لا نعتقد أنه أمر مرغوب فيه" وضع سلطة تحديد ما إذا كان ينبغي للفرد أن يعمل ام لا، في يد وكالة حكومية عندما يمكن تركه للخيارات الفردية وحوافز السوق.

رغم ذلك لقد كانت فكرة راديكالية ، قللت بشكل كبير من سلطة الدولة في إملاء شروط الإغاثة. ولكن بعد أن تولى ريتشارد نيكسون (Richard Nixon) الرئاسة في نفس العام ، تبنى الفكرة مع أضافة شرط البحث عن العمل. لكن الاقتراح الجديد ، المعروف باسم "خطة مساعدة الأسرة"، لم يجاز من الكونغرس لأنه احتفظ بأسوأ ما في النظامين، نظام الرفاهية ونظام الحد الأدنى من الدخل، حيث منح أموال مجانية لغير المستحقين بجانب التدخل الحكومي.

أعاد جورج ماكغفرن (George McGovern) المرشح الديمقراطي اثناء حملته الانتخابية عام ١٩٧٢ إحياء الفكرة، واقترح خطة الدخل الأساسي الشامل واطلق عليها اسم الديموغرانت " demogrant " الذي كان سيعطي 1000 دولار سنويًا لكل رجل وامرأة وطفل. لكن خصمه نيكسون صوّرها بنجاح على أنها صدقة للفقراء غير المستحقين ، وسحب ماكغفرن الفكرة.

انطلقت الفكرة مجدداً في الثمانينات وما بعدها حيث أجرت الولايات المتحدة وكندا العديد من التجارب على ضريبة الدخل السلبية ، وهي نظام رعاية ذات صلة. وانطلق الجدل في أوروبا على نطاق أوسع، واتسع نطاقه ليشمل العديد من البلدان حول العالم. ونفذ عدد قليل من البلدان أنظمة رعاية اجتماعية واسعة النطاق لها بعض أوجه التشابه مع الدخل الأساسي ، مثل "منحة الاسرة" في البرازيل وطبقت فنلندا وهي من الدول ذات شبكة أمان اجتماعيه جيدة، لمدة عامين نظام ضمان الحد الأدنى من الدخل الغير مشروط، انتهى في ديسمبر ٢٠١٨، بينما في بريطانيا نفذت الحكومة البريطانية منذ عام ١٩٤٦علاوات عائلية غير مشروطة للأطفال الثاني واللاحق من كل أسرة وذلك للحث على زيادة الانجاب.

وحديثاً ظهرت الفكرة بقوة بعد ظهور كتاب آندي ستيرن (Andy Stern) "رفع الأرضية" وفي اثناء حملة الديمقراطيين الأخيرة لتمثيل الحزب في انتخابات ٢٠٢٠. حيث كان هناك حماس متزايد بين المرشحين الديمقراطيين لفكرة ضمان دفع نقدي مضمون لجميع افراد المجتمع بدون أي شرط. وطرح اندرو يانغ (Andrew Yang) لحملته الانتخابية الرئاسية إعطاء أي مواطن امريكي، رجل وامرأة، وطفل، الف دولار شهري.

الاختلاف في هذه المرة أن الفكرة مدعومة بقلق شديد من نتيجة الأجور المنخفضة، وزوال معظم المنافع المصاحبة للعمل والزخم الهائل والتطور المتسارع في الثورة العلمية، ففي ظل التقدم التكنولوجي والعلمي، ظهرت الكثير من الدراسات الحديثة التي توصلت نتائجها إلى إمكانية الاعتماد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والروبوتات والاعتماد عليها بشكل رئيسي في إنجاز الكثير من الوظائف. وعليه فقد شعر العمال أصحاب الوظائف بالخطر المحدق بمستقبلهم المهني خاصة مع استغناء أرباب الأعمال عن الكثير منهم لأنهم أصبحوا عمالة زائدة يمكن الاستغناء عنها، لكن التطور التكنولوجي لم يقف عند هذا الحد، إنما وصل إلى إمكانية الاستغناء تماما عن البشر وإحلالهم بالإنسان الآلي او الذكاء الاصطناعي كما في السيارات التي تقود نفسها.

كذلك بعد ظهور جائحة الكورونا او كوفيد ١٩، تغيرت الكثير من المفاهيم فيما يتعلق بالعمل والتعليم وتقديم الخدمات. واصبح العمل والتعليم من البعد باستخدام احدث التطورات التقنية واقعاً مقبولاً. بل ظهرت بعض التقارير التي تؤكد ارتفاع في مستوي انجاز الفرد في العمل من البعد رغم اثاره النفسية السالبة، واعلنت بعض المؤسسات أمثال توتير وفيسبوك وقوقل بان العمل من البعد لكل عامليها سيكون هو الأساس بعد الانتهاء من الازمة. ايضاً هنالك اقتراحات بتقليص عدد أيام العمل في الأسبوع الي أربعة أيام بدلاً من خمسة أيام السائدة الآن. بالإضافة، يؤثِر الفيروس على الوظائف من خلال تأثيره على المعروض من الأيدي العاملة، لاسيما من خلال صحة العمال وقدرتهم على الحركة والانتقال وعلي العمل بأعداد كبيرة في منشآت الأعمال المحصورة في ظل زيادة عدم اليقين والشكوك بعودة الجائحة بصورة اكبر أثراً وفاعليةً. كل ذلك منح فكرة الدخل الأساسي الشامل زخماً مجدداً بتقديم معظم الدول الصناعية لمواطنيها الدعم المالي السخي المضمون مقابل بقائهم في منازلهم وليس الحد الأدنى من الدخل او عيش الكفاف.

هكذا تغير مفهوم الدخل الأساسي الشامل من مفهوم دخل الكفاف إلى دخل يستطيع توفير تكاليف الغذاء والسكن والرعاية الصحية الأساسية وذلك للتخفيف من بعض أسوأ جوانب الرأسمالية ، وهو صراع الطبقة العاملة من أجل مستويات المعيشة الأساسية الذي سيتضاعف آثاره مع التقدم التكنولوجي والعلمي.

هل يا ترى يتحقق ما حذر منه الرئيس دونالد ترمب في آخر خطاب له لحالة الاتحاد من السير بأمريكا نحو الاشتراكية ؟

هنالك عدة مراجع لهذا المقال أهمها:
1- الويكيبيديا
2- Andy Stern Book “Raising the Floor”
3- مقالات أخرى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////