ما رشح من أخبار عن قرارات الدكتور حمدوك هو فقط أنباء عن قبول استقالة خمسة وزراء (اسم الدلع للإقالة) وإقالة واحد بسبب رفضه تقديم استقالته والذي يبدو أنها بطلب من حمدوك نفسه . هذه هي آخر الأخبار التي لا تقدم ولا تؤخر وهي جاءت مخيبة للآمال ولا تحمل بشريات لانفراج ازمات البلد .
فأزمة الحكومة ليست في شخصيات فقط ، ولكن في فقدان البرنامج المتكامل الذي يحتوي على أهداف واضحة ومحددة لكل وزير عليه أن ينجزها في الوقت المحدد له . وهي أهداف عامة وقومية التوجه تتفرع منها أهداف عملية قابلة للتفيذ وكل هذه الأهداف تصب في تحقيق مطالب الثوار في السلام والحرية والعدالة . والأهم في سلم الأولويات معالجة أزمات المواطن المعيشية بقرارات حاسمة وقوية
للأسف لم يكن للحكومة التي قضت سنة كاملة في الحكم برنامج معلن ومتفق عليه ، كل برامجها كانت اجتهادات من بعض الوزاء أو من رئيس الوزراء ولم تكن حتى في هذا تعمل بتناغم وانسجام .
فالفشل الذي حاق بالحكومة يتحمل وزره الأكبر رئيس الوزراء حمدوك ، ولا معنى أبدا لأن يتحمل الوزراء الذاهبون وحدهم مغبة فشله . ولا معنى أيضا أن يتحمل القادمون الجدد نتيجة الفشل المحتم ، لأن ما أفشل الحكومة أولا هو ما سيفشلها لاحقا .
المسألة ليست تشاؤما غير مؤسس ، ولكنه أمر محسوب ونتيجته معروفة . والذي يتوقع النجاح للحكومة المرقعة إنما يدفن رأسه في الرمال ، ويتمنى على الله الأماني .
ليس هناك من رجل رشيد ووطني لا يتمنى للحكومة أن تنجح ، فنجاحها هو نجاح للديمقراطية ، وراحة للمواطن ، وتمهيد لنجاح الفترة القادمة بفتح الطريق للحكومة المنتخبة من أجل العمل للتنمية والتفرغ لنهضة البلاد ، فلو استمر الحال كما هو فسيلقي بتبعات جسام على أي حكومة قادمة ولن تجد أمامها إلا الانشغال بما كان يجب أن يتم وينجز في الفترة الانتقالية .
فشل الحكومة الانتقالية ليس كفشل أي حكومة ، ولكنه سيلقي بظلال قاتمة على الفترة المقبلة ، وهو اضاعة لوقت لايقدر بمال ، واهدار للزخم الثوري وطاقات الشباب المتوهجة حاليا ، والتي كان من الممكن أن توجه لمشاريع تنموية تنفعهم وتنفع بلادهم ، ولكنا كأي وقت مضى نصنع حكومات الفشل بعد ثوات عظيمة ، حمدوك هنا يسير في نفس طريق الفرص الضائعة .
نفس الطريق الذي سار فيه خلفه ، من عبدالله خليل وسر الختم الخليفة بعد اكتوبر والصادق المنتخب والجزولي دفع الله وحتى البشير ، كلهم حتى العسكريين منهم نميري والبشير اتيحت لهم الفرص الثمينة للنهوض بالبلد ولكن كلهم ساروا على درب الفرص الضائعة .
نقاط متفرقة :
لم يستقيل الدكتور أكرم وهو وحده الذي أقيل ، وما رشح من أخبار أن مشادة وقعت بينه وبين رئيس الوزراء ، وأنه فضل الإقالة على الاستقالة لأن الجهة التي رشحته لم تخبره بأي شيء في هذا الصدد . لن ندخل فيما أنه كان محقا أم لا ولكن هذا الكلام يدخلنا لما كان متفق عليه من أنه لا محاصصة في اختيار الوزراء ، ويبدو أن أحدا لم يلتزم به ، وكل جماعة أوحزب له وزراء في الحكومة ، وقد نسب البعض منهم علانية لأحزاب معينة ، كالأمة والحزب الشيوعي والجمهوري والبعثي . وربما يفسر لنا هذا صعوبة إقالتهم بالرغم من فشلهم ، هنا لابد من أن نحمل رئيس الوزاء المسؤولية ، فإما أن وزراءه هؤلاء مسنودين ولن يستطيع أن يحاسبهم لقوة من هم خلفهم ، أو أنه لا يرى فيهم عيبا ولا فشلا ، وما معنى عدم الشفافية هنا ؟ لماذا لم يوضح لنا السيد رئيس الوزراء موقفه مما يقال ؟ فهناك وزراء غير من ذهبوا فاشلون لدرجة " قف تأمل " وسيستمرون في أعمالهم في التعديل الجديد ، وأرجو ألا يكون ذلك وأن يتنبه الدكتور حمدوك بأن فيصل وزير الإعلام ومدني وزير التجارة ليسوا بأفضل من الدكتور أكرم ، بل إن الدكتور أكرم كان على الأقل مجتهدا ومتحركا ، وله مواقف . فأين هي مواقف وزيرك فيصل في محاربة إعلام الكيزان المستأسد ، وأين أعمال وزيرك مدني الذي يعد أمامك وأمام الملايين ولا يفي ؟ لماذا استثنيت هؤلاء ؟ وغيرهم كثير ؟
يقول مدني عباس مدني أنه أخطأ في إعطاء زمن محدد لإنهاء أزمة الخبز ، وأنه نصح من البعض بعدم تكرار ذلك ، هذا يؤكد أن معيار الكفاءة لم يكن يعمل حين تجاوز أمر تعينه ثوابت معينه كانت تمنع قبوله المنصب ، وأن خلفه من يقف ليدافع عنه وينصحه ، ولو أخلص له النصيحة لطلب منه الاستقالة وأراح نفسه وأراحنا من عمل لا خبرة له فيه ، والغريب أن ما نسب إليه من كلام ، يحسب عليه ، وليته سكت ، وليته استقال .
الحزب الشيوعي كالعادة تبرأ من الاشتراك في " الترقيع " الذي يجري الآن للحكومة ، كما تبرأ بالأمس من الوزراء وقال هم ليسوا أعضاء فيه ، طيب صدقناكم ، فأين هو موقفكم من هذا الذي يجري ، هل لكم موقف واضح من هذه الحكومة ؟ هل تعترفون بفشلها ؟ وهل طالبتم رئيس الوزراء بالاستقالة ؟ أو تقديم برنامج واضح لتتم محاسبته وفقه ؟ كثير من الأسئلة وقليل من الاجابات ، والحزب الشيوعي والبعثي كلاهما تملكه رهاب عودة الكيزان . واصبحوا لا يرون في المعارضين إلا أعداء لهم من الكيزان ، وفي نفس الوقت لا يستطيعون الدفاع عن الحكومة ، موقف صعب ، هم الذين كنا نرى فيهم الشفافية ، أصبحوا يلعبون بنا سياسة .
فيصل وزير الإعلام ، كبنت الجيران " البايرة " في عرس صديقتها ، تدخل وتخرج عسى أن ترعاها العناية فتنتشلها مما هي فيه ، يخرج كل مرة بتصريح عن الحكومة القادمة ، ويتمنى أن ترعاه العناية فلا يذهب مع إخوانه .
الكيزان "إخوان السوء " أكثر القوم سعادة ، تعقيدات الحكومة وتخبطها ، وحيرة قحت وأحزابها ، وتعثر محادثات السلام وتعنت الحركات المسلحة ، كلها أسباب لسعادتهم ، هدية مجانية لهم من الحكومة ومن هو خلفها ، ونصيب الثوار احباط تلو احباط .
تعثرت كما هو متوقع محادثات السلام مع الحركات المسلحة ، وما رشح من اتفاق حول الحكم الذاتي لجبال النوبة هو الطريق لتقرير المصير والذي بدوره يقود لطريق واحد وهو النفصال ، جربنا هذا مع الجنوب ، فإذا كانت النية هي الانفصال ، فخليكم واضحين ، واقصروها وتبنوها ، وأطرحوها بالواضح ، والطريق المستقيم هو أقصر الطرق كما تعلمون . ولكن انظروا جيدا ماذا كسب الجنوب من النفصال ، والعاقل من اتعظ بغيره .
أظن أن الشباب في حاجة لمليونية جديدة ، ليس لتصحيح مسار الثورة كما قال – الجماعة أياهم – ولكن لاقالة الحكومة ، ويا دكتور حمدوك قال المثل السوداني " التسوي كريت تلقاه في جلدها "

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.