الاهلية الابيض من الطائرة تبدو كلوحة رسمها فنان من عهد النهضة في ايطاليا شمالها مستوصف الزاكي ، جنوبها الابار حيث تكثر الابقار القادمة للشرب ، غربها واجهات بيوت حي الميرم العريق الجميل ( ميرم تعني ملكة مثل كنداكة تماما ) ، 

الفت المكان وماحوله وهيئة التدريس كانت متفردة ومنسجمة يحفها الظرف والاحترام . وتناولنا للافطار لحظة من البهجة ونحن مجموعتان كل واحدة تتحلق حول صينية تتسع لعدة اطباق فيها مالذ وطاب من خيرات عروس الرمال المضيافة ، تحمل ( بت تبن ) احداها علي راسها والاخري تحملها مرافقة لها . كانت متعهدة بالفطور وعاملتنا كالابناء ولم نشعر بانها كانت تتربح من هذا العمل النبيل .
دخلنا في العام 1970 تم نقل بعض المعلمين لمواقع اخري داخل وخارج المديرية وشمل كشف التنقلات دينمو المدرسة ، مدرس الرياضيات والانجليزي الذي لا يشق له غبار وفوق ذلك شغل منصب الوكيل بحنكة وفهم متقدم . ولحسن الحظ ابقوه داخل الابيض لتنعم به مدرسة جميلة للبنات وكيلا لابن الابيض الاستاذ محمد طه الدقيل الذي يذكرك بدكتور شداد في عشقه للرياضة ممارسة وتدريبا وادارة وفهم وحسن خلق . كان الاستاذ الدقيل قد عاد من ليدز ببريطانيا بعد اكمال بعثته هنالك .
في بحر ذاك العام 1970 والفترة الاولي توشك ان تلملم اطرافها جاء خطاب من مكتب التعليم يحمل في مضمونه نقلي الي مدرسة جميلة للبنات وهذه مفاجاة من العيار الثقيل رغم ادراكي ان النقل عرف سائد بين قبيلة المعلمين لا يتخطي كبيرا او صغيرا مديرا او وكيلا .
منبع الدهشة انني لم اتخيل نفسي يوما مدرسا للبنات خاصة وان تربيتنا كانت محافظة لاقصي الحدود بمعني داخل البيت الديوان للذكور وقسم النساء شبه مفصول وحتي الابن اذا جلس علي سرير واحد مع شقيقته او حتي والدته يعمل له مجلس تاديب .
فرع الاسرة في الابيض كان حداثيا يتناول الجميع الطعام في مائدة واحدة ويمكنهم الجلوس معا يستانسون ويتبادلون الافكار ويطالعون الجديد من المجلات والدوريات والكتب خاصة والعم القرشي الصغير كان صاحب مكتبة القرشي الشهيرة والمطبعة الحديثة وكان يسافر للخارج خاصة لالمانيا لمتابعة الجديد في دنيا الطباعة .
كانت الاسر في الابيض يرتادون السينما وتخصص لهم افلام تناسبهم غالبيتها عربية او هندية فالغرض الترفيه والتغيير .
عرفت ان الاستاذ حمد الراهيم الرجل الشاطر وكيلنا سابقا هو الذي تسبب في ان انضم اليهم بمدرسة جميلة الجميلة ومستحيلة لكن لماذا اختارني انا بالذات فغير انني مازلت متدربا ولم تظهر لي ملامح نبوغ في اي مادة تذكر فقط كنت احب اللغة العربية والشعر الرصين والشعراء المخضرم منهم والحديث ولكني كنت اروغ كما يروغ الثعلب من النحو الذي اعتبره مادة جافة مثل الرياضيات والفلسفة .
ربما لو انني مازلت اسيرا للتيار المحافظ ولم اتحول للحداثة لاعتذرت عن العمل في مدرسة جميلة . وعلي العموم هي فرصة اتعرف فيها علي الاخر .
قبل الذهاب لتسلم موقعي الجديد اجتهدت معي الاسرة وخاصة البنات في اختيار اللبسة الانيقة الجذابة لاكون بها وجها لوجه مع الطالبات .
وصلت المدرسة تعرفت علي المدير واستلمني الوكيل الاستاذ حمد ابراهيم الذي وضعني في هذا المطب وتوجه بي الي الصف الاول مهيرة . وعلي حين غفلة مني دفرني الي الداخل وقال باعلي صوته :
( اقدم لكم الاستاذة حمد النيل ) .
وضج الفصل بالضحك وكنت في حالة تصعب علي الكافر كما يقولون .
نواصل .

حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .

منسوتا امريكا .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.