البدايات الخاطئة تؤدي إلى النهايات الكارثية، عندما أقدم حمدوك على قبول إستقالة بعض من الوزراء وإقالته لوزير أوحد والإبقاء على آخرين، كان من الأوجب أن يتقدم جميع الوزراء بإستقالاتهم بمن فيهم الذين وجدوا استحساناً لدى الشعب وقبولاً من لدن السيد رئيس الوزراء، الأمر الذي يجب أن لا يعني بالضرورة عدم إعادة بعضهم من الذين شهدت لهم هذه الفترة القصيرة جهداً مبذولاً وعملاً مشهوداً، هكذا يقول العدل الذي يمثل الركن الثالث والأخير من شعار الثورة، فيبدو أن حمدوك لم يستطع حتى لحظة تلاوته لقراراته الأخيرة الخروج من وحل الشلّة المسيطرة بالباطل على مصير ومجريات أمور المرحلة الإنتقالية.

التكليف الذي تم للوزراء الجدد والولاة العسكريين هو ضرورة مرحلية تسبق التوقيع على إتفاق السلام المرضي للأطراف، والذي من بعده يدخل حملة مشاعل السلم والأمن إلى أجهزة الحكم الإنتقالي، و بذلك تطوى صفحات حزينة من الحروب ويخمد بريق الحديث عن قسمة الثروة والسلطة ويكون الجميع شركاء و مسؤولون، وحينها سيواجه الذين اعتادوا على ثقافة إطلاق الرصاص من فوهات البنادق، الصراع السياسي والمدني السلمي، فالتحدي الوطني يختلف كثيراً عندما يكون الثائر قابع خلف تلال الخنادق عنه عندما يشغل حيّزاً في جهاز الحكومة المحاصرة بمطالب المواطنين والمنزعجة بهتافاتهم اليومية واعتصاماتهم المستمرة، لذلك يتحتم على حركات الكفاح المسلح أن لا تعيد تجربتها مع نظام الدكتاتور البائد في اختيار من يمثلونها في أجهزة الحكم.
ألحركات المسلحة لابد أن تقدم أنموذج مختلف من كادرها المهني والسياسي لشغل الشاغر الدستوري عما كان يحدث في الماضي القريب، لا أن تزج بأناس لا رصيد لهم من هذه الفانية سوى أنهم حملوا البنادق، ولنا في منظومة المخلوع البشير خير عظة وأوضح عبرة، لا نريدها أن تقدم لنا مرشح لوزارة الصحة مثلاً لا تكون له صلة ولا علاقة من قريب أو بعيد بالطب والصحة العامة ومكافحة الأوبئة، كما حدث في العهد الغيهب، ولا أن تطرح لنا رجلاً لا يفرق بين الغين والقاف وحظه من الأنجليزية مقرر (ريدر ون) للمدارس الوسطى، كما قرأنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن أن عرمان مرشح لشغل حقيبة الخارجية، فإذا لم يتعظ حمدوك ومعاونوه من ألم وضيق (الماسورة) التي أدخلونا فيها بإهمالهم لمستحقات وزارة التجارة والصناعة في التشكيل الوزاري الأول، سيكون إسقاط المنظومة بقضها وقضيضها من أوجب الواجبات الوطنية.
ألترهل الإداري الذي أصاب جهاز الدولة والأنهيار الاقتصادي الذي حل بالبلاد لعبت فيه (ورجغة) السياسيين الدور الأكبر، وذلك بتعاملهم غير المسؤول واللا مبالي مع حالة الوطن المريض الذي يقبع تحت سقف غرفة الإنعاش، فجسد الوطن لم يعد يحتمل المزيد من قسوة الحقن وحدة شفرات مقصات المتطوعين والمتدربين والمغامرين والمتعاطين لأمر السياسة من باب الترف و(البرستيج)، فالتغيير المحتمل في كابينة الحكومة التنفيذية نأمل أن يشمل الشباب الكفؤ الذي تجري في عروقه دماء الثورة، ونسأل الله أن لا نبتلى بوزير مصاب بداء البرود الثوري الذي يجعله لا يعير لتضحيات الثوار اهتماماً ولا يبادلها حماساً بحماس، و طموحنا عظيم في أن نرى وزيراً للأوقاف لا يتدخل في شئون السياسة الخارجية، وترقبنا كبير في مشاهدة وزراء شباب للمال والتجارة مختصون وثائرون نشطون وغير كسالى ولا ينامون الليل ملء جفونهم.
ألمرحلة الأنتقالية التي ضاع من عمرها عام ونيف ولم ينجز فيها شيء يستحق الذكر، منوط بها وضع نظام الحكم في الطريق المؤدي إلى تحقيق دولة الحرية والعدالة والمساوة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذه ليست بأمنيات بعيدة المنال ولا بأحلام غير ممكنة التحقق وإنما مستحقات مشروعة يستأهلها الشعب السوداني، ويستطيع الصادقون من أبنائه المسكونين بالإرادة الوطنية الخالصة والنابعة من سويداء القلب القيام بإجراءات تحقيقها، هذا بعد إزاحة العاهات والثعابين السامة والمميتة من الحرس السياسي القديم، التي بنى العنكبوت بيوتاً متشابكة ومتداخلة بين خيوط أمخاخها، فبناء الأوطان لن يكون بالمداهنات والمراوغات والإرضاءات والضحك على ذقون الشباب المستهدف بالتغيير المنشود، ولا بالتسويف و الرهان على الزمن ولا على انعكاسات مآسي جائحة كورونا على الشعب الغلبان.
ألتغيير المنشود الذي أخذ حمدوك يعد له العدة محصور في مجلس الوزراء والولاة، بحسب دائرة اختصاص رئيس الوزراء ونفوذه المخول به دستورياً، فالسؤال اللحوح الذي يراود أذهان المواطنين هو: متى يقال الخاملون من أعضاء المجلس السيادي؟، نيكولا وعائشة وذلك العضو الصامت دهراً، الملاحظ أن بقية أعضاء هذا المجلس الذي يمثل رأس الدولة قد نشطوا في قضايا السلام والصحة وتفكيك التمكين، مما أضفى عليهم حضوراً منتظماً في فعاليات مواجهة التحديات الوطنية الماثلة، وهكذا تكون تأدية الواجب الثوري الذي لم تكتمل استحقاقاته وحلقاته بعد، فلا مكان في قطار الثورة للخاملين والمعذورين بحكم نوائب الدهر وأفاعيل الزمان، فالأمر أمر وطن مازال الناس يموتون فيه بحثاً عن سد الرمق وتأمين العيال.
إنها الفرصة الأخيرة لك يا سعادة رئيس الوزراء، فإما أن تنتفض و تقرر ما أملاه عليك ضمير الشعب السوداني في قيامة الثلاثين من يونيو الأخيرة، وإما أن تتخاذل و تستسلم وترضخ لمافيا المتاجرين بالأوطان والمرابين والسماسرة والنخاسين، وصحيفة الوطن التي كانت بيضاء من غير سوء مازالت تسود نفسها وتدون وتوثق لأبنائها البررة كذا والفجّار، وما عليك إلا أن تختار ما بين أن تكون الرجل الفاجر أو الإبن البار.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////////