تاريخيا وسياسيا من كنيسة ارتدوكسية مسيحية إلى مسجد اسلامي، ولفترة أصبح خارج الخدمة في ظل حكم كمال أتاتورك، ومن ثم استثمر كمتحف بإرادته، وبحكم التغيرات الكبيرة التي حدثت في محيطه الجغرافي تاريخيا، أصبح صرح شاهد على تاريخ تركيا الديني والأتاتوركي.

السلطان محمد الفاتح قيل أنه اشتراه من مالكيه والمعلوم أن دور العبادة ليست ملكية خاصة، حتى إذا تم بنائها من قبل فرد، وبغض النظر عن مدى مشروعية عقد بيع الكنيسة، والذي تم تقديمه كحجة في إطار المجال العام، والصراع على الصرح هو تجاذب على أخر ما تم تحييده في المدينة المتنازع عليها، فالكنيسة هي رمز للقسطنطينية والمسجد يجسد اسطنبول، بينما يمثل المتحف رمزية الانقسام التركي على خلفية ايديولوجية وسياسية.

إلا أن مسيحيي تركيا تقبلوا بعد ذلك التغيير الذي طرأ على الكنيسة لقرون وإنتقالها إلى مسجد، كما استوعبوا على مضص نهاية مدينة القسطنطينية-اسطنبول، وفي ظل الأتاتوركية استطاعوا أن يتجاوزوا حدة الصراع المسيحي- الاسلامي، واستعادوا انفاسهم في ظل تحجيم التطرف الديني، والذي لم يكن بالضرورة مقابله حالة تغيير ديمقراطي في ظل السلطات التي تلت الخلافة الاسلامية التركية.

ومع حضور كمال أتاتورك تم إغلاق الكثير من دور العبادة الاسلامية، وكان مسجد آيا صوفيا من تلك الدور، حيث أراد إغلاق المسجد العملاق حتى لا يعيق طموحاته السياسية، وفي المقابل أراد أن يجامل الغرب حينما جعل من المسجد متحف.

آيا صوفيا أكان مسجدا أو متحفا فهو ملكية تركية وكيفية إستخدامه شأن تركي، وفي المقابل فإن الإستياء الغربي والمسيحي فهو سياسي بالدرجة الأولى، وهو تدخل سافر في شأن داخلي تركي، ويأتي على خلفية الصراع المسيحي- الاسلامي تاريخيا، ويمثل واقع تورط سياسي من قبل دول تدعي أنها قطعت شوطا متقدم في رحلة العلمانية.

وبدوره فإن الاسلام السياسي التركي أراد إعادة المسجد على خلفية ذلك الصراع، ويرغب أن يستثمر مكانة المسجد للحصول على تأييد شعبي أكبر.
ويأتي تصدر الرئيس التركي رجب طيب اردوجان لجهود إعادة المسجد، ولشأن يفترض أنه اجتماعي وديني، لمدى البعد السياسي للمسألة.
فحاكم تركيا وحزبه يريدون إيصال رسائل داخلية وخارجية، فالرسالة لحزب الشعب الجمهوري هي أن تراث الأتاتوركية قابل لتحقيق وإعادة تغييره، وبالنسبة لرسالة الموجهة للغرب تحديدا فهي أن تركيا لا زالت تعاني من تحجيم دورها العالمي الذي تم تقويضه بالتزامن منذ تحويل المسجد إلى متحف.

بينما يراقب الوراثة السياسيين الأتراك ممثلين بحزب الشعب الجمهوري كل تغيير يقوم به حزب العدالة والتنمية، ويرون بدورهم أن تحويل المتحف إلى مسجد يعنيهم بصورة مباشرة، كونه مثل إجراء اتاتوركي تم إلغائه، وأنه أداة يستخدمها الحزب للحصول على مكاسب سياسية.

وفي المحصلة فإن جميع اللاعبين أكانوا ممثلين الغرب المسيحي أو مسيحيي أوروبا الشرقية،روسيا وشمال أمريكا، وبدورهم الأتراك بتياراتهم المختلفة، ينطلقون من أبعاد سياسية تاريخية، ولأجل الحصول على مكاسب سياسية، في حين أن ماهية مبنى آيا صوفيا بالنسبة لهم، هو مجرد واجهة حافلة بالصراعات السياسية التي منحت حمولة دينية وانسانية.

كما يشمل ذلك منظمة اليونيسكو والتي بدورها ترى المحافظة على متحف آيا صوفيا كرمز لتراث العالمي، والمفارقة أن رعايتها أو اهتمامها بمثل هذه المنشآت يجب أن يحصر في مدى تاريخيتها، وأن لا يشمل ذلك كيفية إستخدامها اجتماعيا، والذي يعد أمرا خاص بالأتراك.

أما على مستوى الربح المادي والخسارة ذو الصلة بالمنشأة الواقعة تحث الصراع والتجاذب، فإن تلك الحسابات متروكة للأتراك، والذين هم أدرى من غيرهم بالأرباح المادية، التي كانت تمثل كعائدات مالية من زيارات السياح الأجانب للمتحف، وفي المقابل هم أدرى بمدى جدوى المسجد اقتصاديا في المدى القادم.

ومما لا شك فيه أن الشعوب والدول لا تنسى المنعطفات التي مرت بها تاريخيا، وكل منها على إستعداد لتطويع الوقائع والأحداث لخدمة تاريخها وحساباتها السياسية، وتسخير كل الأدوات لخدمة تصوراتها ومصالحها.
وتلك هي المشاهد التي يجسدها كل المختلفين على صرح آيا صوفيا، المتعدد في استخداماته وتسمياته تاريخيا.

خالد حسن يوسف

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////