لقد استمتعت كثيرا بالاستماع إلى د. نصرالدين عبد الباري مع لقمان. يتضح ان دكتور عبدالباري مهني مؤهل بشكل واضح ويمتلك من الذكاء والتعليم والفهم للقضايا بما يؤهله للعمل كوزير للعدل. كما أنه يصرف اللغة بطلاقة ووضوح ، ويوصل رأيه بلغة واضحة تشير إلى وعيه بـما يتحدث عنه وأنه صادق وصريح ولا يخفي شيئا. الاستماع إلى دكتور عبد البري تغيير منعش يعوض عن الاستماع إلى ب الآخرين الذين لا يظهرون جودة مماثلة وبعضهم يختار الغموض والمراوغة والقفز من موقف لأخر كقطع الجلي .

قرار الدكتور عبدالباري بإلغاء جريمة الردة موقف تاريخي بكل المقاييس يؤهله لان يتذكره التاريخ باعتباره الرجل الذي الغي اجرام الدولة الأكثر غباء وبربرية وفظاعة. لهذا ترفع القبعات للدكتور باري.

ومع ذلك ، هناك نقاط ملتبسة في خطاب الدكتور باري ، لكنها لا تقدح فيه بأي حال من الأحوال بما إنها تحديات للحركة الديمقراطية السودانية بأكملها في سعيها من أجل مجتمع أفضل.

د. باري امتلك الشجاعة لإعطاء غير المسلمين حق صنع وشرب الكحول إذا رغبوا في ذلك. هذه خطوة كبيرة إلى الأمام نحو الديمقراطية والمساواة واحترام حقوق وثقافات السودانيين الذين أراد الله لهم ان يكونوا من غير المسلمين. مرة أخرى هذا قرار تاريخي ساهم ل فيه الدكتور باري مع اخرين .

ومع ذلك ، هناك أشكالات تتعلق بالمسلمين والكحول في خطاب عبد الباري الذي أكد ان تعاطي المسلم مع الكحول يظل جريمة يعاقب عليها القانون. والأسوأ من ذلك ، أن غير المسلم سوف يعتبر مجرما إذا قام ببيع أو تقديم الكحول لمسلم. هذا الموقف يثير العديد من القضايا الهامة.

أولاً ، هذه العقلية تدل علي ان الدولة لا تزال تدخلية تتحشر في تنظيم الحياة الشخصية للمواطنين وهذه سمة دول القرون الوسطى الاستبدادية. أضف إلى ذلك ان حظر أو تجريم الكحول عمليا لم ينجح أبدًا في أي مكان في العالم. من يرغبون في الشرب يشربون دائمًا والفرق الوحيد في المكان والكيف. طرد ثقافة وممارسة الكحول الِي تحت الأرض تجعلها أسوأ بكثير وغير صحية بغض النظر عن موقف الفرد الشخصي منها. في تبريره ، ذكر الدكتور باري قانون منع الكحول الذي تم تنفيذه في الولايات المتحدة من 1920 إلى 1933 واستشهد به في أنه يمكن حظر الكحول لعدة أسباب. لكن الدكتور لم يذكر الجانب الآخر من الجدل القائل بأن الكحول اليوم مشروعة في معظم الدول الإسلامية مثل الإمارات وماليزيا وتركيا والأردن والمغرب وفلسطين لديها مهرجان بيرة سنوي جميل. إن شرعية الكحول لم تجعل هذه البلدان أقل إسلامًا ولم يجعل الحظر السودانيين أبدًا أحسن اسلاما.

ثانيا , يذهل خطاب الدكتور باري عن تعقيدات وتداخلات الثقافة مع الدين . فمثلا بالنسبة لأنسان فورواري فان ثقافته وتقاليده تبيح الخمر وتحتفل بها رغم انه مسلم. فاذا شرب وليد دارفور هل سيعاقبه قانون الدكتور باري كمسلم ام يعفيه كمنتمي لثقافة اخري؟ وفي هذا الحال, اذا تم اعفاء وليد دافور بحجة انه ينتمي الِي ثقافة اخري فما هي الثقافة المرجعية وهل سيعطي ذلك ثقافة الوسط النيلي مركزية غير مستحقة يصنف القانون ما عداها كآخرين؟

ثالثا ، يقع الدكتور باري في تناقض. فهو في وقت مبكر من المقابلة ، يقول إن النظام القانوني الجيد لا يميز بين المواطنين ويعاملهم على قدم المساواة. لكن الطريقة التي يتعامل بها قانونه مع الكحول تمييزية بامتياز ، فهناك قانون للمسلمين وآخر لغير المسلمين وهذا يهزم تصريحه السابق.

علاوة على ذلك من يقرر إذا كان المرء مسلمًا أم لا؟ هل هو العرق؟ الاسم؟ صدفة الميلاد؟ هل يجوز للشخص أن يختار بنفسه ويخبر منفذ القانون بدينه ام انه من حق الشرطي والقاضي تقرير ان كان المتهم مسلماً أم لا؟ وماذا لو أراد المرء أن يكون مسلماً ولكنه اختار أن يؤسس مدرسة إسلامية جديدة أو ان ينتمي إلى مدرسة موجودة لا مشكلة فيها مع الكحول – هل يحق للدولة ان تختار للشخص دينه والمدرسة الفقهية التي ينتمي لها؟ هل لا يزال للدولة الحق في اختيار الدين لشخص واختيار مدرسة الفكر الإسلامي التي يجب أن يتبعها؟ هذا مظهر اخر من مظاهر دولة الاستبداد القرو-وسطية.

نقطة أخرى مثيرة للقلق هي أن الدكتور باري ذكر أنه سيكون جريمة إذا قام غير المسلم ببيع الكحول لمسلم. هذا لا ينتهك حق المسلم فحسب ، بل ينتهك حق غير المسلم. إذا لم يكن لغير المسلم في ثقافته أو دينه ما يمنعه من بيع الكحول لمعتنقي الديانات الاخري، فلماذا يعاقبه قانون بـاري ؟ لماذا يجبر القانون غير المسلم على التمييز ضد المسلمين في تجارة الكحول برفض البيع لهم؟

من ناحية اخري يجب ان نتذكر ان الدكتور باري كان واضحًا في القول بـأنه لا يملك سلطة مطلقة لتقنين ما يراه صحيحا وكما يحلو له ، بما أنه ملزم بالوثائق الدستورية. وهذه النقطة معقولة وإشكالية في نفس الوقت. فهو محق في الإشارة إلى أن بعض التحديات يجب معالجتها خارج وزارة العدل ، على مستوى العملية السياسية. هذا صحيح. ولكن كان يمكنه أن يشير إلى الرأي العام بأن القوانين التي يقترحها ، بناءً على تفسيره لقيود الوثيقة الدستورية بها سمات غير مرغوب فيها مثل تطفل الدولة على الحياة الشخصية للمسلمين ، وانتهاك مبدأ المساواة جميع المواطنين امام القانون وانتهاك حقوق غير المسلمين في التعامل بلا تمييز ضد المسلمين.

ومع ذلك هذا المقال يشيد بقرارات الدكتور باري التاريخية ولا يتزيد عليه ولكنه فقط يطرح هذه القضايا كإشكاليات تستحق المعالجة في جولات قادمة من قبل جميع أصحاب المصلحة في بناء دولة حديثة يسود فيها حكم القانون والحرية والمساواة.

في قضية خلافية اخري حاول الدكتور باري التعامل مع قضية الدعارة بتوفيقية ذكية. وبحسب ما قاله في المقابلة (وانا لم اري النص المكتوب) ، فإن جريمة الدعارة تثبت أذا حدثت في مكان (بيت؟) مخصص للدعارة. وهذا قد, مجرد قد, يعني أن القانون لن يمتد خارج بيوت الدعارة الرسمية. لو كان الامر كذلك فان هذه خطوة إلى الأمام حتى لو كانت لا تزال رمادية. فهي تعطي الأمل في أن تتوقف الشرطة عن ترويع الشباب والكبار- لأغراض سياسية و ابتزازية - حين يتصادف وجودهم في مكان خاص أو مكان لا تستسيغه الشرطة. لكن تظل المشكلة ان قانون باري , كما فهمت, لا يزال يعرّف الدعارة على نطاق واسع بأنها أي علاقة حميمة خارج الزواج ، ولا يقصر التعريف على بيع وشراء خدمات بدنية خاصة. هذا التعريف الفضفاض مؤسف لأنه لأ يأتي الا من دولة عبيطة متطفلة تدس أنفها في ملابس المواطنين وغرف نومهم.

من المؤكد ان هناك حجج معقولة - معترف بها جيدًا خارج الدوائر المحافظة - تدعو لتنظيم النشاط الايروسي بقيود ناعمة طوعية. تجادل سوزان سونتاغ ، على سبيل المثال بأن الجنسانية إحساس فوضوي بطبيعته ، وبالتالي يجب أن يكون مقيدًا بطريقة ما لخدمة أهداف أعلى مثل حماية الانسجام الاجتماعي والحياة الأسرية والصحة أو أيا كان. لكن النزعة الجنسية يجب أن تنظمها الثقافة ، والحس الأخلاقي الخاص والمجتمع ، والأسرة ، والمعتقدات الدينية الشخصية ، وليس الدولة لأن الدولة لا تملك من الأخلاق ما يؤهلها لتحديد ما هو أخلاقي وفرضه بأدوات قمعها الغليظة.

آخر ملاحظة لدي تتعلق بسفر النساء والأطفال. بالطبع يجب أن تتمتع النساء بالحق الكامل في السفر ، مثل الرجال تمامًا ، دون الحاجة لإذن من أي شخص أو حكومة. لكن الأمر يصبح معقدًا في وجود أطفال واشكالات حضانة. في حالة فسخ الزواج، يجب أن يقرر القانون الحضانة على أساس مصلحة الأطفال بشكل رئيسي وعلى أساسها يعطي أحد الوالدين الحضانة ، مع ضمان حصول الوالد الآخر على إمكانية التواصل مع الأطفال بانتظام وديمومة تتيح له حضور كامل في حياتهم. هذه ليست حقوق الوالدين فقط فاهم من ذلك ان الطفل أيضًا له الحق في الاستمتاع بحضور الوالدين في حياته. التواصل مع الأطفال يعني أن كلا الوالدين يجب أن يبقيا في مدينة الإقامة عند فسخ الزواج. إذا أراد الوالد الحاضن الانتقال بعيدًا ، الِي مدينة أو بلد مختلف ، فيجب أن يوافق الوالد الآخر وديًا إن أمكن. ولكن على سبيل المثال ، إذا كان الزوج لديه حضانة ، وقرر المغادرة إلى أستراليا ، فإن هذا سيحرم الأم من الوصول المنتظم للأطفال. والعكس صحيح. وهذا ينتهك حقوق كل من الطفل وألام أو الأب غير الحاضن. فعندما يكون هناك أطفال في الوسط ، يصبح الأمر أكثر تعقيدا من حق السفر لفرد . بمعنى اخر فان حق السفر للمرأة كفرد يختلف جوهريا عن حقها في تغيير مكان الإقامة مع الاطفال. فالاول قضية حقوق شخصية للمرأة والثاني سؤال يستدعي التوفيق بين حق المرأة وحق الطفل وحق الوالد الآخر.

كان ينبغي للدكتور باري أن يبت في قضية السفر مع الأطفال في سياق قانون متكامل للحضانة بما يضمن العدالة والمساواة لكلا الوالدين ويضمن أيضاً حق الطفل ومصلحته العليا بالتمتع بوجود والدين في حياته. بمعنى آخر ، كان ينبغي له أن يميز بين حق المرأة في السفر الحر كما تشاء كفرد وحقها عندما يتعلق الأمر بوجود أطفال قصر في المعادلة لأن ذلك يغير القضية الِي مدار اخر يشمل حق الطفل في التمتع بوجود ام واب في حياته ويشمل الحق الطبيعي للوالد غير الحاضن – سواء ان كان اب أو ام - في الوصول المنتظم للأطفال . كان من الممكن حاليا تحقيق المساواة بـحظر سفر الأطفال القصر مع الاب ، ما لم توافق الأم غير الحاضنة ، الِي ان يتم التعامل مع قضية السفر مع الأطفال بأكملها في سياق إحكام وتمتين القوانين المنظمة للحضانة بما يضمن حقوق الطفل ويوازن بين حقوق الأم والأب .

ختاما كما ذكرنا, بشكل عام ، الدكتور باري يدفع بعجلة العدالة السودانية إلى الأمام لذا فقد وجب الاحترام والثناء. ونؤكد أن الإشكاليات والتعقيدات أعلاه تحديات لمجمل الحركة الوطنية بما فيها وزارة العدل وخبراء القانون مثل الدكتور النابه نصر الدين عبد الباري.
***
ملحوظة : المقال مبني علي اللقاء التلفزيوني المذكور أعلاه وربما في نص القانون الجديد المكتوب ابعاد وشجون اخري.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.