إنها الحكمة المقدّسة .. أيقونة إسطنبول الجميلة وتحفة العمارة التركية الرائعة و الصرح التأريخى الفريد .. تسعمائة عام (916) كتدرائيِة أرثوذوكسيّة يونانيّة و خمسمائة عام (481) مسجداً عثمانيّاً. جعلها مصطفى أتاتورك عام 1934 م متحفاً فنياً ورمزاً للمسيحيّة والإسلام وتجسيداً لعظمة التأريخ وعراقة الأتراك ..عمر هذه التحفة إلى الآن 1484 سنة ... من الصمود والإباء والخلود ...
تطل قبة آيا صوفيا ومآذنها التى تناطح السحاب شامخة على مضيق البسفور وهى تناجى في خشوع ووقار مآذن المسجد الأزق الست أو مسجد السلطان أحمد وسمى بالأزرق، لأن جدرانه الداخلية مغطاة ببلاطات خزفية ملونة بالأزرق القاتم والفاتح ، وبأشكال هندسية ونباتية رائعة من أعمال الفنان التركي محمد آغا .. وقد منع الآذان في آيا صوفيا عند تحويلها الى متحف حتى عام 2012 م حيث رفع لأول مرة؛ أى بعد 78 عام من منعه وذلك في ذكرى يوم فتح مدينة إسطنبول
ليس لدى إحصاء دقيق بعدد المآذن فى مدينة إسطنبول التأريخية العريقة عاصمة الدولة الثمانية (1453 م - 1924م) و لكننى أكاد أجزم أنّها أكثر من عددها فى بلدى السودان على الرغم من الهوس الدينى الذى أصابه زهاء الثلاثين عام الأخيرة، و لكن تقول بعض الإحصاءات التى أجرتها وزارة الشؤون الدينية التركية فى عام 2016م إن عدد المساجد فى مدينة اسطنبول بلغ 3,190 مسجداً. هذا فى مدينة إسطنبول وحدها فما بالكم بعددها فى تركيا بلد المساجد !! ؟؟ قالت نفس الإحصاءات إن العدد بلغ 84,684 مسجداً. مدينة بهذا الكم المقدّر من المساجد هل فى حاجة إلى مسجد جديد ينافس أعرق مساجدها و هو مسجد السلطان أحمد أو المسجد الأزرق ذى المآذن الست، و الذى لايبعد عنه إلّا خمس دقائق مشياً على الأقدام ؟؟
تقول الأخبار إن محكمة تركية قررت، بإيعاز من حكومة أردوغان، إلغاء القرار الذى صدر عام 1453م بتحويل صرح آيا صوفيا إلى متحف، مما يعنى أن يعود هذا الصرح إلى وضعه التأريخى مسجداً من جديد كما كان. وهل - حقيقة - هذا الصرح كان مسجداً ؟؟ ونتساءل أيضاْ هل يجسد هذا القرار الغيرة الحقيقية على الإسلام وهى تتجلى فى أسمى معانيها أم هو مجرد مزايدة سياسة الغرض منها حشد مزيد من الدعم لحزب أردوغان الذى إنفرط عقده و تساقطت حباته وبدأ يتهالك ؟ و ذلك بدغدغة المشاعر و إثارة الكوامن الدفينة فى وجدان الشعب التركى المسلم و إيقاظ أحلامه و أشواقه للعهد العثماني الزاهر وللخلافة العثمانية يوم أن كان للإسلام هيبة و سؤدد و مجد.. و ليذكرهم بعهد السلاطين الأوائل وأنه ـ أى أردوغان ـ لا يقل عنهم حمية و إخلاصاً و تقوى ، بل هو السلطان السابع والثلاثون و إن جاء متأخراً بعد السلطان محمّد السادس، بل هو السلطان محمّد الفاتح نفسه بعث من جديد .. ألم يأت الخليفة عمر ابن عبد العزيز من صلب بنى أمية و
أحيا فى المسلمين عهد الخلفاء الراشدين و ذكرهم بأيام الخليفة العادل عمر ابن الخطاب !؟ ما بال الإسلاميون دهاقنة الإسلام السياسى يغلّفون أهدافهم و يجملونها ويخرجونها لشعوبهم فى ثوب قشيب مكسوٍ بالدين و القداسة ؟

يقول التأريخ: إن آياصوفيا تحفة معماريّة تركيّة رائعة ورمز دينى عظيم يجله الأتراك، جمع بين المسيحيّة والإسلام وصار قبلة سياحية وصرحاً دينيّاً يؤمة المسيحيون والمسلمون .. و أنها كانت أضخم كاتدرائيّة مسيحيّة أرثوذوكيّة يونانية وصرحاً دينيّاً فريداً لتسعمائة عام. شيّدت عام 537 م بقرار من الإمبراطور البيزنطى يوستينيانوس الذى يعرف أيضاً باسم الإمبراطور الروماني الأخير ويعتبر قدّيساً فى الكنيسة الأرثوذوكيّة..

شيّدت عند مدخل مضيق البوسفور فى القسم الأوربى من مدينة إسطنبول وهو ما يعرف اليوم بمنطقة السلطان أحمد خان وهو السلطان العثماني الرابع عشر الذى أصبح سلطاناً و هو ابن أربع عشرة سنة، و لد عام 1590م وتوفى عام 1617م. وقد إستغرق بناؤها خمس سنوات وكانت رمزاً حيّاً لروائع الفن المعماري البيزنطى وبرهاناً ساطعاً للتقنيّة المتقدّمة للإمبراطوريّة البيزنطيّة من رخام وفسيفساء وأحجار ملونة وهندسة معماريّة ... وقد ظلت الكنيسة الوحيدة للدولة البيزنطية وزينة عاصمتها السياسية القسطنطينيّة على الرغم ممّا إعتراها من حرق وتدمير بفعل الحروب لأكثر من مرة ...

فى عام 1453م فتح السلطان العثماني محمد الثانى الفسطنطينية العاصمة البيزنطية فى ذلك الزمان وبفضل هذا الإنتصار العظيم لقب بالسلطان محمّد الفاتح .. دخل كتدرائية آيا صوفيا وصلى فيها أول جمعة بعد الفتح ومن ذاك الزمان 1453م تحولت آيا صوفيا إلى مسجد .. لم يجر محمد الفاتح تعديلات على مبنى الكنيسة القائم وإنما أضاف إليه أربع مآذن إسطوانية الشكل ذات الطراز العثماني ... وفى عام 1935م قام مصطفى كمال أتاتورك بتحويل المبنى كلّه، من فخامة بناء وقداسة مكان وتلاحم أديان إلى متحف فنى تأريخى للآثار المسيحيّة والإسلاميّة ..


ويبقى التساؤل شاخصاً وشامخاً شموخ تلكم الأيقونة الرائعة، أيهم دخل التأريخ من أوسع أبوابه !؟ الإمبراطور البيزنطى يوستينيانوس الذى بناها، السلطان العثماني محمد الفاتح الذى حولها إلى مسجد بإضافة بعض الرموز الإسلامية للبناء دون المساس بالرموز المسيحيّة أم مصطفى أتاتورك الذى حيّد البناء وجعل منه رمزاً وطنياً لكل الأتراك و تجسيداً للوحدة الوطنية و التسامح الدينى ولعظمة التأريخ ؟؟؟

نعم، أسفت دول كثيرة للقرار ورغبت فى أن يراجع رئيس حزب العدالة و التنمية قراره. كما أن من حق تركيا و هى صاحبة الأرض و السيادة أن تنتهج ما تراه من نهج يتمشى و ينسجم مع قيمها و مبادئها و مجدها التليد و أن لا تخلط الحق بالباطل. و هذا ما تفهمته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو )، و هى تعرب عن أسفها العميق لتحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد، قائلة على لسان مديرها العام أودري أزولاي في بيان لها: .. إن آيا صوفيا تحفة معمارية وشهادة فريدة على التفاعلات بين أوروبا وآسيا على مر القرون، و أن وضعها كمتحف يعكس الطبيعة العالمية لتراثها، ويجعلها رمزاً قوياً للحوار .. و أكدت اليونسكو أيضاً أن الدول الأعضاء بالمنظمة مُلزمة بضمان ألا تؤثر أى تعديلات على المواقع المُدرجة في قائمة التراث العالمي على قيمتها البارزة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الياس الغائب ... كوبنهاجن

/////////////////