نعم لقد كنا مقصرين نحو ستونة. فقد تعاملنا وتعامل معها إعلامُنا ردحاً طويلاً من الزمن بهامشية وعنجهية أخفت عنّا جانباً مشرقاً من صورتها و انجازاتها.

ان الراحلة ستونة تستحق اكثر من مجرد ، أو كلمات رثاء حزينة، او نعيٍ مؤثر، أو حتى سيرةٍ موجزة أو تعليقٍ عابرٍ. إن سيرة الراحلة أعظم من ذلك بكثيرا، وأن ما أنجزته أكبر من كونها مجرد مغنية شعبية، كما هي الصورة التي نقلتها لنا وسائل الإعلام.
فعلى الصعيد الشخصي فقد قاست ستونة بلا شك ألم الغربة، وكابدت آلام البعد والاغتراب عن الوطن، والبعد عن الأهل والأحباب..
ومن جانب آخر، فقد تحملت دون شك، وقاست قسوة العيش في بلدٍ له مقاييسه الصارمة ، منظومته الاجتماعية الخاصة به نحو وكذا طرائق العيش فيه وأسس صارمة للتقييم والتوصيف الاجتماعي ،خاصةً للأشخاص الغرباء والمختلفين عنه. هو مجتمع له مقاييسه الصارمة وانطباعاته الراسخة نحو مختلف الشعوب الأخرى والثقافات والتقاليد والسحنات الغريبة والمختلفة عنه ، سلبا أم ايجاباً. وهي أسس ومقاييس تشكّلت عبر مئات السنين عبر تفاعلات اجتماعية وثقافية وعبر ظروف تاريخية متعددة. حيث أسهمت جميعها في تشكيل قيم وملامح وهوية ذلك المجتمع. وهو خاصية وسيرورة طبيعية تُميّز مختلف الشعوب والإثنيات..
وقد من الخطل، والأمر هكذا إن ظننا أننا في مقام الذم، والحكم والتقييم ولا يحق لنا أن نحكم على ذلك حكماً قيمياً ..فلكل بلد ولكل منطقة و لكل قبيلة شئنا أم أبينا ظروفه الاجتماعية وتكويناته الداخلية وخلفيته التاريخية التي تحدد ثقافته وملامح هويته ورؤيته للعالم الخارجي و للآخرين، و كذا انطباعاته عنهم..
فإذا نظرنا إلى تواجد ستونة في ذلك المجتمع ذي الطبيعة الصلدة، والمتماسكة هووياً، إلى حد بعيد، مما قد يستعصي على كثير من الغريبين عنه الولوج فيه. بالتالي قد يجد الغريب عنه صعوبةً في التعامل معه، ومع مفرداته خاصة إذا نظر إلى ذلك المجتمع من على البعد، و نظر إليه نظرةً سطحية، وتعامل معه وفقاً لذلك. وإن كان إذا توفر له الوقت والشجاعة وقوة الشكيمة لينفذ إلى داخله سيجد أنه لا يختلف عن معظم شعوب الأرض ، ويمكنه فهمه والتعامل ، وفهمه. فاعتقد إن ذلك ما هو بالضبط ما قامت به ستونة . فقد استطاعت الراحلة أن تنفذ إلى عمق ذاك المجتمع وأن تكتشف مداخله وتسبر أغواره، واجادت فن التعامل معه، فأسست وجوداً مميزاً فيه..
فهي رغم اختلاف نشأتها، وتكوينها، وثقافتها، وبرغم اختلاف ملامحها المميزة عن ذلك المجتمع، إلا أنها أن تجد لها مكاناً فيه، وأن تثبت وجودها الشخصي بكل جدارة، وأن تختط لنفسها طريقاً للإنجاز المهني الشخصي. بدليل مكوثها هناك لأكثر من ثلاثة عقود، وتفاعلها مع ذلك المجتمع و فهمته و فهم ما تملكه وما تمثِّله فكان ذلك مفتاح نجاحها الشخصي والمهني، ونجاحها الفني والذي تمثّل في مرافقتها لأهل الفن في ذلك المجتمع ونجومه السوامق.
أما على الصعيد العام ،فقد استطاعت ستونة بجدارة أن تكون صوتاً للسودان في الخارج من خلال وجودها في عاصة الفن العربي. كما أنها نجحت في أن تنفذ للمجتمع المصري وأن تجد التقدير، والإعجاب والقبول. وقد استطاعت أن تشق طريقها بكل مُضاءٍ وعزم مصحبةً تاريخ، وتراث وقيم بلادها، محتقبةً رؤيتها وفنّها بخلفيته المميزة بملامحه ومفرداته الأفريقية التليدة.
وهكذا استطاعت بكل شجاعة أن تفرض فنها هناك، واستطاعت بكل جلاء وبصيرة أن تمزج بين الفن العربي والفن الأفريقي. وهو بُعد نظر ورؤية ورويِّة يغبطها عليها كثير من اصحاب المواهب الفنية، لم ينجزوا ما نجزته الراحلة.
إن سيرة ستونة في مصر تعلو على كثيرٍ من أوجه التناول السطحي و الفج....فقد حققت ستونة الفنانة والإنسانة طُباقياً ،على المستوى الشخصي، وعلى المستوى الفني ونجاح على المستوى الثقافي والاجتماعي..
إن سيرة ستونة هي سيرة فنانة فرضت نفسها، وحققت لنفسها وبلدها ما لم يحققه الكثيرون.
رحم الله ستونة..و أحسن الله إليها.. فكلامنا في حقها يطول ويطول، و إن كان يقصر عن قامتها،..ولكن عزاؤنا عسى أن يكون ذلك ملهِماً وحافزاً للآخرين .