(1)

لماذا هذه اللهفة من الحزب الشيوعي السوداني في عقد تحالفات جديدة ومنفردة؟. لقد ظل الحزب حريصا على العمل ضمن تحالفات متعددة وواجهات، وحرص على توسيع دور تجمع المهنيين ايام الحراك في ٢٠١٨م و٢٠١٩ م، وتميز دائما بتعدد الواجهات، بل كان شديد النقد لأي لقاءات خارج سياق هذه التحالفات ونخص هنا (قوي الإجماع الوطني) وقبله (التجمع الوطني)، وحتي في الحالات النادرة ظل يغلف ذلك بالسرية والإكتفاء بإشارات وتلميحات، فلماذا تسارعت إجراءاته ولقاءاته هذه الأيام منفردا، مع إعلام كثيف وبيانات، وآخرها الإعلان السياسي مع الحركة الشعبية جناح الحلو يوم ٥-٦ سبتمبر ٢٠٢٠م بالعاصمة أديس أبابا؟ وهناك أحاديث عن لقاء قادم مع عبدالواحد نور.
ولماذا بدأ الحزب غير مهتما بتفتت تجمع المهنيين وتراجع دوره، ومحاولة إبعاده رموزه ونجومه وقياداته؟ ومنهم الأصم ومدني وناظم وآخرين!

(2)
من المهم ان نقرأ هذا الموقف الجديد ضمن سياقات متعددة:
*وأولها*: ان الحزب الشيوعي لا يثق في حلفاء إعلان الحرية والتغيير وخاصة حزب الأمة القومي بتوجهاته الإسلامية وما يسميه الحزب الهبوط الناعم، وكذلك حزب المؤتمر السوداني وقد حدثت ملاسنات بينهما الاسبوع الماضي ولإن الاخير في كثير من طرحه يستقطب مجموعات مستهدفة من الحزب الشيوعي، ويمثل خيار آخر لكثير من الشباب الذين يرفضون الفكرة الشيوعية، وهو من ينافس الحزب في نفوذه في مسرح لجان المقاومة وفي الميديا، وعليه لابد من البحث عن حلفاء جدد.
*وثانيا* : إن موقف الحزب الشيوعي صارم تجاه المكون العسكري، ومن الضروري البحث عن عناصر تمكنه من سحب البساط أكثر منهم، وتشكل عنصر ضغط وحاضنة عسكرية في إتجاه (تفكيك المنظومة العسكرية) وليس أكثر من ذلك سوي التحالف مع قوتين عسكريتين جديدتين، لديها مواقف صارخة تجاه المؤسسة العسكرية، حتى يتم من خلالهما تمرير أجندة الحزب في هذا الجانب.
*وثالثا*: فإن مترتبات السلام، تؤدي لإعادة تشكيل الحاضنة السياسية ويؤدي ذلك لإضعاف حضور بعض الأجندة السياسية، ويسعى الحزب لتقوية الروافع في هذا الجانب، ولذلك فإن بياناته تتحدث عن هذه النقاط تحديدا (العلمانية، فصل الدين عن الدولة، إعادة كتابة التاريخ) والنقطة الأخيرة من أغرب الإشارات في تاريخ الإتفاقات وفي ظني هي مدخل لطرح (الهوية العربية والإسلامية)، وهو أمر ظاهر في طروحات الحلو ونور. ومع تحفظات حزب الأمة حول ذلك، ومع فتور حزب المؤتمر السوداني، فإن الشيوعي يسعى لخلق أداة ضغط أخرى.
و *رابعا* فإن أكثر ما يخشاه الشيوعي الآن إجراء إنتخابات، أو انتهاء اجل الفترة الإنتقالية، لإن الحزب يدرك أن خياراته الجماهيرية ضعيفة، ولذلك من أولوياته تمديد الفترة الإنتقالية لتعزيز نفوذه وسياساتها وأهمها محاربة التيار الإسلامي، وإقتلاعه ضمن مفهوم خياراته (الصفرية).

(3)
لقد انتقد الحزب الشيوعي السوداني حزب الأمة بشدة في ١٨ مايو ٢٠٢٠م، عندما طرح مشروع العقد الإجتماعي وجاء في بيان الحزب (أنها دعوة جربت في الماضي – البعيد القريب – وأثبتت فشلها. وكانت ولازالت خطوة تلعب في أيدي المعادين للثورة وتساهم – بقصد أو غير قصد – في عرقلة المسيرة الثورية، فلا العقد الاجتماعي ولا الدعوة إلى قوى جديدة تساعد في حل القضايا الملحة التي تواجهها الجماهير)، فلماذا سعى الحزب اليوم لما انتقده بالأمس؟.
لقد اثبتت التجارب التاريخية، أن مواقف وتحالفات الحزب الشيوعي دائما مرحلية، وأن الحزب يرفض اى مفهوم وطني او وعاء واسع، لقد فقد الحزب اول سكرتير عام له وهو عوض عبدالرازق (١٩٥١م-١٩٥٢م) بسبب دعوته لتوسيع قاعدة الحزب وظل يوصف بعباراته مسيئة ، وخسر الحزب قيادة في وزن الخاتم الهادي عدلان، عام ١٩٩٤م لطرحه فكرة (أوان التغيير) وتم عزل د. الشفيع خضر وعدد من أعضاء اللجنة المركزية عام ٢٠١٦م، لمجرد دعوتهم للتغيير.
إن الحزب الشيوعي السوداني ابعد ما يكون عن مفهوم التحالفات وسعة المشاركة والوطن الجامع. وعلى الأحزاب المتحالفة معه ان تدرك ذلك وتبحث عن موازنات جديدة، وعلى المكون العسكري ان يعيد قراءة المشهد، فهو من اختار هذا الوضع كما كشف الوسيط الأفريقي محمود لباد في مذكراته، فهذا الحزب يسعى لإختطاف الوطن وتاريخه وإرثه. والسلام ١٢ سبتمبر ٢٠٢٠م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.