كتب بعض رواد ما بعد الحداثه وذلك في معرض نقدهم للحداثه ومدارسها المختلفه، حول ضروره اعاده الاعتبار للعامل (الذاتي) في مواجهه (الموضوعيه) التي تدعيها الحداثه . ويذهبون في ذلك الي إبراز فرضيه مهمه لدك اهم حصون الحداثه وهي نظريه التطور عند داروين . تتلخص تلك الفرضيه في أنه كان من الممكن أن تتأخر نظريه التطور كثيرا في الظهور والانتشار لأن " اصل الانواع" لم يظهر للوجود إلا بعد أكثر من عقدين من تجميع داروين لعيناته خلال رحلاته علي ظهر الباخره بيجل. وكان ممكن لخصوم داروين أن يشككوا في سلامه تلك العينات بعد كل تلك السنوات ولكنهم احجموا عن ذلك ليس رفقا بالنظريه أو صاحبها، ولكن ببساطه لان المجتمع الانجليزي لن تنطلي عليه مثل تلك الخدعه لحسن سيره تشارلز روبرت داروين. فالرجل سليل اسره عريقه من كامبريدج وقد كانت تتمتع بسمعه طيبه وبمصداقية عاليه في تربيه أبنائها علي الصدق والامانه. الملاحظة تفيد بأن أكثر الافكار ماديه و( موضوعيه) احتاجت الي قيم معنوية مثل " الثقه" حتي تجد الاهتمام الكافي وتتمكن من الانتشار في المجتمع .

المشهد السياسي في السودان والشراكه بين الشق المدني والعسكري تعاني من ازمه ثقه كبيره. الشق المدني من الحكومه الانتقالية كذلك يعيش ازمه ثقه مماثله مع حاصنته السياسية ق ح ت، اضافه الي الشك والريبه التي تتسم بها العلاقه بين الحكومه الانتقالية من جهه والشعب السوداني من جهه ثانيه بسبب تفاقم الأوضاع الاقتصاديه المتدهورة، وبسبب الفشل حتي الان في تحقيق العداله لشهداء الثوره من الشباب، وبسبب سيطره عناصر المؤتمر الوطني علي مفاصل الاقتصاد، والضعف العام في تحقيق ماطالبت به الجماهير بعد سنوات طويله من الاستبداد والتدهور في كل مناحي الحياة علي يد جماعات الإسلام السياسي.
هناك أيضا ازمه ثقه بين المناطق المهمشه والحركات المسلحه من جهه والحكومه المركزيه من جهه ثانيه، وفي قدره الاخيره علي تحقيق ماظلت تنادي به تلك المناطق خاصه في دارفور وجنوبي كردفان والنيل الأزرق واخير شرق السودان.
رغم أن هناك مجهودات مبشره الي حد ما في ملف السلام إلا أن ازمه الثقه هذه تعتبر تحدي ضخم لديمقراطيه وليده في بلد يعاني من الفقر وانعدام الخدمات وكل مظاهر التخلف.
في الحقيقه أن ازمه الثقه تضعف ديمقراطيات عريقه وغنيه مثل الولايات المتحده فما بالك بالسودان. الاستقطاب الذي تعيشه امريكا حاليا يتهدد الإجماع علي الحد الأدنى المطلوب والاتفاق والقبول بين الحزبين الكبيرين لبعضهما البعض من أجل تحقيق المصلحه العامه . وهو استقطاب جعل الرئيس ترمب يمارس سلطاته الدستوريه بتطرف مثل العفو عن أصدقائه رغم إدانتهم في قضايا مهمه تتعلق بالفساد والمساس بالأمن القومي وكذلك سعيه لتعيين قضاه بالمحكمة العليا من المحافظين والموالين له. ولذلك يجب ان ناخذ مساله الاستقطاب السياسي في السودان بالجديه المطلوبه. لا يمكن أن نعبر مرحله الانتقال هذه بسلام دون مواجهه التحديات التي تعيق الاتفاق علي الحد الأدنى بين جميع الفصائل الفاعله في المشهد السياسي السوداني.
الشق العسكري مسؤول بشكل أكبر عن التهديدات الماثله للمرحله الانتقاليه بسبب ارتباطات الجنرالات السابقه بحكومه الإنقاذ هو انطباع سائد في أوساط شعبنا بغض النظر عن نوايا البرهان وكباشي والعطا وحميدتي. هناك ازمه ثقه كبيره تمثلت في الطريقه التي تمت بها عمليه فض الاعتصام بالقيادة العامه . سيطرت ما عرف بالمؤسسات الامنيه علي مفاتيح الاقتصاد تمثل تحدي آخر أمام استعاده ثقه العسكريين للشارع.
في تقديري ان عدم مواجهه القيادات العسكريه لهذه القضايا بشكل مسؤول وشفاف ستكون له آثار وخيمه علي الثوره وعلي تماسك السودان في عالم تسوده العولمه والتنافس والتحديات.
انعدام الثقه في مؤسسات الدوله يقود الي تعريتها من القيم والممارسات الديمقراطيه وهذا يعتبر بمثابة مهدد حقيقي للتجربه الديمقراطيه الوليده خاصه في واقع سياسي يسوده الاستقطاب والخلافات بين الاحزاب السياسيه السودانيه التي فشلت معظمها ومنذ الاستقلال، في تحقيق إصلاحات ديمقراطيه حقيقيه. هذا الواقع ربما يدفع بها الي مزيدا من محاولات ابتزاز الحكومه الانتقاليه، بدلا عن دعمها ومساندنها، لان مجرد ارتباط الشق المدني بالعسكري يمثل مشكله كبيره وإحراج مستمر للشراكه والتعاون بينهما، وربما نلاحظ مدي حرص الاحزاب السياسية، خاصه العقائدية منها، علي نقد حمدوك وحكومته والشراكه مع العسكريين برمتها، املا في أن يساهم النقد في رفع أسهم هذه الاحزاب وشعبيتها popularism خاصه وسط ااشباب . وربما تقل الشعبيه والمسانده للحكومه الانتقاليه كلما تدهورت الأوضاع، وهذا ما نشهده فعلا ، مادام الشق العسكري مصر علي التعامل مع القضايا التي أفقدته ثقه المواطن بالإهمال، لان ذلك ظل يظهره أمام الشعب وكأن لديه اجنده غير معلنه وارتباطات مشبوهة.
من العوامل التي تفاقم من ازمه الثقه وإضعاف امكانيه الإجماع علي الحد الأدنى والتوافق لعبور المرحله الانتقاليه، القبليه والجهوية والصراعات العرقيه. من المعروف كذلك أن حده الاستقطاب polarization تعزز من انحياز الاحزاب الي الأيديولوجيا علي حساب الواقع alignment with the ideology وهو امر يضعف من قدرتها علي الإصلاح حساسيتها تجاه الواقع .
بالرغم من ان مساله الحقوق بالنسبه لانسان الهامش بدأت تأخذ جانب جدي وتحقق تقدما في التفاوض، إلا أن ذلك يجب ألا ينسينا أن تحقيق المكاسب للأقليات دائما ما يرتبط بالاستقطاب علي حساب الاستقرار في الديمقراطيات عموما، وذلك بسبب احساس خفي يتهدد الاثنيات صاحبه الامتيازات التاريخيه كلما نالت الأقليات الاثنيه المزيد من الحقوق .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.