بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تعتبر الفدرالية المالية الشق المالي للحكم اللامركزي وتهتم بتنظيم العلاقات المالية بين مستويات الحكم المختلفة. في السودان تعتبر مفوضية تخصيص ومراقبة الايرادات المالية FFAMC التي أُنشئت في العام 2006 أهم المؤسسات الدستورية التي عنيت بشأن تقاسم الموارد المالية بين الولايات والمركز. في هذا المقال سنستعرض الجوانب القانونية والدستورية التي تأسست بموجبها المفوضية وسنقوم بتتبع مسيرتها العملية مع إبراز العوائق التي واجهتها، ومن ثم سنقوم بتبيين التدابير التي تساعد في عدم تكرار الفشل الذي لازم أداء المفوضية في السابق وذلك بعد توقيع إتفاق السلام في جوبا في 31 أغسطس من هذا العام.

تأسست المفوضية بموجب إتفاقية نيفاشا وتم تضمينها في الدستور الانتقالي في العام 2006، وتم التأكيد عليها في إتفاقيتي أبوجا والشرق في العام 2006. كان الغرض من إنشاء المفوضية حسب قرار إنشائها هو ضمان العدالة والشفافية في تخصيص الأموال التي يتم تحصيلها على المستوى القومي لكل من حكومة جنوب السودان والولايات (المادة 198 من الدستور الانتقالي).

وفق نفس المادة في أعلاه، تم تحديد مسؤوليات المفوضية على النحو التالي:
• مراقبة المنح المخصصة من صندوق الإيرادات القومي لتحقيق المساواة والتأكد من تحويلها إلى مستويات الحكم المختلفة
• ضمان الاستخدام الأمثل للموارد وتوزيعها
• ضمان تحويل الإيرادات المخصصة لمناطق النزاعات وفق الصيغة المتفق عليها؛ و
• كفالة العدالة والشفافية عند تخصيص الأموال لمستويات الحكم المختلفة وفق المعدلات والنسب التي ينص عليها الدستور الإنتقالي.
ووفق هذه المهام الموكلة الى المفوضية، ستكون الولايات على علم مسبقًا بما ستحصل عليه من تحويلات من المركز.

وفق المادة 123 من إتفاق أبوجا في العام 2006، يتم تعيين رئيس المفوضية لمدة محدودة من قبل رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس التشريعي، ولا يمكن خلاله إعفاءه بدون أسباب. كما نص الإتفاق على حيدة المفوضية وعلى تعيين أعضاء الفريق الفني لتحديد المعايير والأسس العادلة لتوزيع الإيرادات بواسطة رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس التشريعي. ووفق هذه التدابير القانونية والدستورية فإن المفوضية ستكون لها القدرة على طلب المعلومات من أي جهة، ويمكنها كذلك مقاضاتها نيابة عن الولايات في حال عدم تسلم الولايات إيراداتها كاملًا أو تأخرها أو تجنيب بعضها من أي جهة أخرى. ولاشك أن توفر هذه الظروف ستمكن المفوضية من القيام بمهمتها الكاملة في بسط العدالة المالية بين الاقاليم ومعالجة أوجه الخلل والقصور التي لازمت المسيرة التنموية للدولة السودانية، وتضع حداً للنزاعات السياسية والمسلحة التى تنشأ في غياب وسيادة المعايير آنفة الذكر.

الآن، وبعد إستعراض الإحكام القانوني الجيد لعمل المفوضية، لنرى ماذا جرى في أرض الواقع حيال هذا الأمر. في هذا الجانب، فإن حكومة الإنقاذ بخبرتها الطويلة في نقض المواثيق والعهود لم تشأ أن تتمهل ولو قليلًا ، ففي العام الأول لإنشاء المفوضية احتالت على كثير من الطرق والوسائل التي كانت كفيلة بوأد التجربة في مهدها، وذلك بسلب المفوضية صلاحياتها التي نص عليها الدستور الانتقالي بعددٍ من الأفعال.

في هذا المنحى، وفي وقت مبكر ظهرت إشكالات حقيقية في طريق المفوضية بدءًا من إنشائها بمرسوم جمهوري وليس بقانون ملزمٌ تطبيقه. والعقبة الأكثر تأثيرًا هي الإبقاء على صندوق دعم الولايات الذي أُنشيء سابقاً قبل إتفاق السلام والذي تودع فيه 6% من أنصبة الولايات كاحتياط - للحكومة يدٌ طولى فيها. بالاضافة إلى أنه وفي أول ميزانية للدولة بعد تشكيل المفوضية، لم تلتزم وزارة المالية بتحويل المبالغ التي تم إعتمادها للولايات حسب النسب المقدرة.

عن هذه المصاعب، يروي الدكتور صديق أمبدة، الاقتصادي المعروف وصديق الأستاذ المرحوم إبراهيم منعم منصور رئيس المفوضية كيف ان الأخير "واجه صعوبات جمة في إدارة المفوضية. إذ أن وزير المالية في ذلك الوقت قام بتشكيل لجنة أسماها لجنة قسمة الموارد القومية وذلك بهدف صياغة معايير توزيع الإيرادات وقسمة الموارد القومية وتقييم أداء قسمة الإيرادات والموارد للعام 2007 ووضع المؤشرات لتحديد أنصبة الولايات". إن كل هذه المهام بالطبع تخص المفوضية، لذلك احتج عليها كثيرًا السيد منصور وقاومها بكل ما وسعه من حجة وبيان. ورغم كل المحاولات التي تم بذلها لإصلاح هذا الإعوجاج، إلا أن الحكومة كعادتها لم تعر ذلك انتباهًا بل تمادت في سلب المزيد من صلاحيات المفوضية انتهت بإقالة السيد منعم منصور من رئاستها وإلغاء المرسوم الجمهوري 35.

المرحلة الثانية من تاريخ المفوضية بدأت باستبدال المرسوم الجمهوري 35 بآخر هو 31 والذي ألغى نقاطًا جوهرية من المرسوم السابق، فمثلًا، تم حذف عبارة (ولا يجوز عزله من منصبه، أي رئيس المفوضية، دون سبب). كما أضاف المرسوم مادة أخرى جديدة منحت حق إحتفاظ المركز باحتياطي من أنصبة الولايات بموافقة ممثلي الولايات. وهذه إضافةً جوهرية تكبل المفوضية من القيام بكل مهامها، اذ ان ممثلو الولايات بالمفوضية يتم تعيينهم سياسيًا. ليس ذلك فحسب، فقد صدر أمر رئاسي بإلغاء قانون صندوق دعم الولايات وتعيين أمينه العام رئيساً للمفوضية، مُنهية بذلك مغامرة المفوضية في تأسيس عمل دستوري وقانوني مستقل لم يجد في عرف الإنقاذ سبيلا. ومع تعيين رئيس المفوضية الجديد بتلك السلطات المنقوصة، بدأت سلسلة أخرى من الاحتجاج والتململ والتنازع بين الأطراف المختلفة: المفوضية، مجلس الولايات ووزارة المالية، حيث وصل الأمر لحد مطالبة مجلس الولايات بإقالة رئيس المفوضية في العام 2013. وتواصلت مسيرة المفوضية العرجاء المثيرة للجدل حتى وافتها المنية بحلها ضمن أخريات في العام 2018 عندما اشتد غليان وهدير الشارع ووضع النظام في ركن سحيق.

الآن لنعرج إلى ما تم الاتفاق عليه مؤخراً في جوبا، وما ورد فيه عن شأن المفوضية. فبالنظر إلى بروتوكول تقاسم الثروة في الإتفاق، نلحظ أن هناك تقاربًا كبيرا بين ما ورد هنا وما جاء في الدستور الانتقالي في العام 2006، حيث يتشاركان في نقاط مهمة، منها إنشاء الصندوق القومي للإيرادات، وهو وعاء يجمع فيه كافة الموارد المالية القومية، كذلك إنشاء المفوضية القومية لقسمة وتخصيص ومراقبة الموارد والإيرادات المالية بنفس المهام السابقة، وهو بالطبع يخص كل الولايات أو الأقاليم. ورد ذلك في المادة 14 من بروتوكول تقاسم الثروة في الإتفاق. النقطة الجوهرية في الإتفاق الأخير هي إقرار إنشاء المفوضية بقانون، بينما في ظل الدستور الانتقالي كان قد تم إنشاء المفوضية بمرسوم جمهوري، حيث إن القانون ملزمٌ ويتيح حق التقاضي حيال التجاوزات التي يمكن ان تتم في اختصاصاتها وذلك بخلاف المرسوم الجمهوري الذي يمكن إلغاءه - وقد كان.

بخصوص تعيين رئيس المفوضية، ورد في إتفاق جوبا أن يتم تعيينه بواسطة رئيس الوزراء، وأن يكون مستقلًا، وسكت عن كيفية إعفائه. وهذه نقطة لابد من الوقوف عندها تفاديًا لتكرار ما حدث في نظام الإنقاذ من تدخل سافرٍ في عمل المفوضية، وإعفاءٍ لرئيسها لأسباب سياسية وإنشاء أجسام أخرى موازية لها. نقطة أخرى يجب وضعها في الحسبان، هي أنه لم يرد في البروتوكول ما يفيد بأن المفوضية هي الجهة الوحيدة المختصة بالإشراف على تقاسم الثروة، ذلك حتى لا (يحدث ما حدث) في أبوجا والشرق، حيث تم تشكيل لجنة قسمة الموارد لتقوم بمهام مطابقة تمامًا لمهام المفوضية. وفي هذا الشأن أيضًا يثور سؤال ذو أهمية قصوى هو: هل من الحكمة ترك أمر تعيين وإعفاء رئيس المفوضية بشكل مطلق في يد رئيس الوزراء كما ورد في البروتوكول، وذلك في غياب المجلس التشريعي؟ أم أنه من الافضل اشتراط ذلك بموافقة شركاء الإتفاق أو المجلس السيادي وذلك في ظل السيولة السياسية التي تمر بها الساحة السياسية حاليًا؟. أمر آخر مهم: ففي غياب مجلس الولايات أو الأقاليم، الذي لم يرد ذكره في الإتفاق، لم يكن واضحًا أين تقوم المفوضية بعرض تقاريرها الدورية: هل في مجلس الوزراء أم في المجلس التشريعي ؟ وإذا كان في الأخير، بعد تشكيله، فلماذا لم يُنص في قانون المفوضية ضرورة اعتماد تعيين رئيس المفوضية والفريق الفني من المجلس التشريعي ؟

من المهم الإشارة إلى أن الامتحان الأول الأساسي بعد تشكيل المفوضية هو كيفية تحديد معايير أنصبة الولايات من التحويلات المركزية التي تستهدف تحقيق العدالة الأفقية بين الأقاليم. بالإضافة إلى كيفية تحديد الأوزان لهذه المعايير، مع الوضع في الاعتبار أن الهدف النهائي لمجمل هذه العملية هو أن يكون نصيب الفرد من التحويلات المركزية زائدًا الإيرادات الذاتية متساويًا في كل ولايات أو أقاليم البلاد. ولا شك أن تحقيق هذه الغاية المهمة يحتاج إلى عملٍ دؤوب وشفاف من شركاء الاتفاق والخبراء في هذا الشأن. وفي هذا الخصوص نشير إلى أن هناك إرثاً نظرياً ثراً توافرَ ضمن تركة المفوضية في عهد المرحوم منعم منصور يمكن الإفادة منه رغم أنه لم يجد طريقه للنفاذ.

ومن نافلة القول إن الصياغة القانونية الجيدة والمُحكمة للمعاهدات وتوقيعها ليست لوحدها كافية بوضع حد للصراعات السياسية والمسلحة في البلاد اذا لم تُستصحب النوايا الجيدة وجعل روح هذه المواثيق كهدف سام. إذ رأَينا كيف أن أهل الإنقاذ برعوا من قبل في توقيع العشرات من المواثيق ولكنهم أيضاً أدهشوا العالم وأنفسهم في ابتداع فنون التنصل منها وإفراغها من محتوياتها.

أخيرًا، يجب الإشارة إلى أهمية الجانب السياسي في عمل المفوضية، إذ لابد من الحوار الجيد بين الشركاء والتواصل بين كافة مؤسسات الدولة المرتبطة بالمفوضية والعمل معًا نحو تطوير إطار معرفي وعملي يستخلص التجارب والعبر من خلال ممارسة الفدرالية المالية والوصول بها إلى صيغة نموذجية مرضية تتحقق معها آمال الاستقرار السياسي في البلاد التي طال انتظارها.