وصل سعر الدولار الأمريكى إلى (270) جنيه سودانى فى نهاية الأسبوع الثانى من شهر سبتمبر2020 . وكثر الحديث عن وجود مؤامرة لتخريب الإقتصاد السودانى وسارعت الحكومة المركزية بعقد مؤتمر صحفي مساء الخميس 10سبتمبر2020أعلنت فيه إتخاذ إجراءات لتطويق إرتفاع سعر الدولار.ولكن أين الحقيقة فى ذلك الهرج والمرج؟ 

نحن نبيع ونشترى العملات الأجنية:
نحن فى السودان نبيع ونشترى العملات الأجنبية وخاصة الدولار الأمريكى مقابل الجنيه السودانى لأن الدولار مقبول عالمياً لتسوية معاملات بيع وشراء السلع والخدمات وتعنى تسوية المعاملات التجارية دفع الثمن مقابل إستلام السلعة أو الخدمة وتسليم السلعة أو الخدمة مقابل إستلام ثمنها .ولا يوجد من يرغب فى شراء أو بيع عملتنا الوطنية (الجنيه السودانى) لأنها غير مقبولة خاج السودان لتسوية معاملات البيع والشراء أو لحساب قيمة السلع والخدمات أو مستوع للأموال.ولذلك سوف أركز فى هذا المقال على سؤال : ماهى العوامل أو المتغيرات variablesالتى تحكم حركة سعرالدولار الأمريكى بالجنيه السودانى صعوداً وهبوطاً ولماذا وصل سعر الدولار الأمريكى إلى (270)جنيه سودانى؟
ثلاثة متغيرات أساسية:
وهنالك ثلاثة متغيرات أساسية هى التى تحرك سعر الدولار الأمريكى فى الخرطوم أوالسودان وهى القيمة الشرائية للجنيه السودانى وحالة العرض والطلب وتوقعات كبار المشترين والبائعين للدولار.
العامل أو المتغير الأول هو التغيير أو الثبات فى القيمة الشرائية للجنيه السودانى مقارنة بالقيمة الشرائية للدولار الأمريكى.والأمر الذى يلاحظ بوضوح هو الإنخفاض المتواصل فى القيمة الشرائية للجنيه السودانى بسبب إرتفاع أسعار السلع والخدمات المتواصل وبمعدلات عالية. فإن إرتفاع سعر السلعة فى سوق الخرطوم يعنى أن التاجر المستورد سوف يكون مستعداً لشراء الدولار بسعر أعلى من أجل إستيرادها. ولنفترض إن التاجر المستورد يتوقع أن يبيع البضاعة بنفس سعرها اليوم فى السوق و بدون زيادة ورمزنا لسعر السوق بالحرف (س) و يتوقع المستورد أن تكلفه البضاعة (100000) دولار إستلام ميناء بورتسودان ( الثمن +النقل + التأمين). و هذا هو المبلغ الذى عليه أن يشتريه من السوق الموازى و يرسله إلى البائع. و لنفترض إن التاجر المستورد قام بشراء الدولارات من السوق الموازى بسعر (ص) جنيه للدولار فإن ثمن البضاعة إستلام بورتسودان سوف يكون (100000) مضروبة فى (ص) أى (100000ص) جنيه سودانى. وسوف يضيف إلى هذا المبلغ (20%) أو(0.20) قصاد تخليص البضاعة و ترحيلها إلى أمدرمان و بيعها بهامش ربح معقول. وعليه فإن ثمن بيع البضاعة سوف يكون (100000ص) + (0.20) (100000ص) أو (1.20)(100000ص) أو (1200000ص) و يساوى (س) ؛أى سعر البضاعة فى السوق كما إفترضنا أعلاه. و عليه فإن (ص) وهى السعر الذى يشترى به المستورد الدولار من السوق الموازى يساوى حاصل قسمة (س) وهى ثمن بيع البضاعة فى أمدرمان على (120000). وواضح من المعادلة أن أرتفاع قيمة (س) أو الأسعار فى السودان نتيجة قيام بنك السودان المركزى بطباعة جنيهات سودانية و ضخها فى خزينة الحكومة سوف يؤدى إلى إرتفاع الأسعار فى السودان.
ففى علم الإقتصاد معادلة تسمى المعادلة الكمية أو معادلة التبادل أو معادلة Fisher.وتقول المعادلة (PQ = MV) أى إن حاصل ضرب كمية النقود (M) فى معدل دوران النقود بين أيدى الناس(V) ؛ يساوى مجموع أثمان السلع و الخدمات التى يتم تبادلها، أو حاصل جمع ضرب الأسعار (P) فى كميات السلع و الخدمات(Q).وتقول المعادلة بطريقة أخرى إن نسبة التغيير فى كمية النقود زائداً نسبة التغيير فى معدل دوران النقود تساوى نسبة التغيير فى كمية الإنتاج زائداً نسبة التغيير فى الأسعار( نسبة التضخم).وإذا ما رمزنا لنسب تغيير كل من (M) و(V)و(P)و (Q) بالحروف الصغرى (m) و(v)و (p) و(q) نحصل على المعادلة +m) v = ( q +p وعند تحريك (q) إلى يمين المعادلة نحصل على =v+m-q p ويستنتج القارئ الذى يتأمل هذه المعادلة الحسابية البسيطة إن معدل إرتفاع الأسعار(p) يساوى معدل الزيادة فى حجم الكتلة النقودية(m) زائداً معدل الزيادة فى دوران النقود (v) ناقصاً معدل الزيادة فى كمية السلع و الخدمات (q). و الإستنتاج البدهى من المعادلة هو إنه فى حالة إفتراض إستقرار معدل دوران النقود أو (v) قريبة من الصفر؛ فإن زيادة كمية النقود تؤدى إلى زيادة أسعار السلع و الخدمات ما لم تقابلها زيادة فى الإنتاج وبنسبة النسبة أو أكبر. ولكن ؛ وأرجو أن يلاحظ القارئ الكريم كلمة (لكن)؛ إذا كانت فرص زيادة الإنتاج محدودة بسبب الإستخدام الكامل للموارد أو بسبب وجود خوانق تحول دون زيادة كمية الإنتاج مثل ما عندنا فى السودان فإن زيادة كمية النقود بمعدلات عالية عاماً بعد عام تؤدى إلى الغلاء الطاحن الذى يهرى المصارين . وهذه هى تجربة السودان خلال حكم الحركة الإسلامية فى السودان .فقد قامت حكومة الحركة الإسلامية بتعديل قانون بنك السودان المركزى وحولت البنك إلى حنفية او صنبور نقود.وفى السنوات الأخيرة من حكم الإنقاذ وحسب الأرقام الواردة فى التقرير السنوى لبنك السودان المركزى رقم (58) 2018 إرتفعت كمية النقود (M) فى الأعوام 2016و2017و2018بنسبة (29%)و(68.3%) و(112%) على التتالى فى حين إرتفع الإنتاج الحقيقى للسلع والخدمات فى نفس الأعوام بنسبة (3.6%) و (4.7%) و(2.8%)فقط على التتالى وتلك الفجوات الكبيرة جداً بين نسب الزيادة فى كمية النقود (m)ونسب الزيادة فى إنتاج السلع والخدمات (q)هى سبب الغلاء الذى هرا مصارين السودانيين فى العامين الأخيرين 2019و2020 وتسبب بقدر كبير فى إرتفاع سعر الدولار.
والعامل أو المتغير الثانى variable الذى يحرك سعر الدولارهو حالة العرض والطلب على الدولار فى سوق الخرطوم.فعندما يكون هناك توازن فى العرض والطلب يستقر سعر الدولار ولكن فى حالة حدوث فجوة بين العرض والطلب على الدولار سوف يتحرك سعر الدولار صعوداً أوهبوطاً حسب الحال.وفى الأيام الأخيرة كان هناك حديث عن هجمة شراء للدولار لتمويل إستيراد السلع التى تطلق عليها الحكومة صفة السلع الاستراتيجية( الوقود والقمح )وفى تقديرى ذلك هو السبب الرئيس لإرتفاع سعر الدولار رغم نفى الحكومة غير المنطقى.
والعامل أو المتغير الثالث الذى يحرك سعر الولار متغير فى غاية الأهمية وهو توقعات كبار البائعين والمشترين للدولار وهم تجار العملة والمستوردين والمصدرين( صناع السعر)؛ توقعاتهم حول مستوى الأسعار فى السودان وحالة العرض والطلب على الدولار فى المستقبل القريب.وأعتقد إن توقعاتهم غير متفائلة.لم تعلن الحكومة حتى اليوم عن برنامج مقنع لإصلاح السياسات المالية والنقودية والزراععية والصناعية والخدمية يتوقع أن يحقق إزالة العجز فى الموازنة العامة وتحريك دولاب الإنتاج وتضييق فجوة الميزان التجارى الخ بل قامت بتصرفات تزيد التشاؤم مثل زيادة الدولار الجمركى بنسبة(30%) شهرياً وحظر تصدير الفول السودانى والإعلان عن برنامج عبثى وفطير لمحاربة إرتفاع الأسعار( برنامج سلعتى) وتوقع إرتفاع الصرف الجارى للحكومة لمكافأة من قتلوا الجنود السودانيين أبناء الغبش ودمروا الإقتصاد السودانى الخ.والخطاب الرسمى ضعيف وبائس و وزيرة المالية المكلفة ( الدكتورة هبة) غير مقنعة ولا تبعث الطمأنينة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.