عفو الخاطر:

إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم

"المتنبي"

كانت شرفة الصحافة والصحافيين بمبنى البرلمان تقع الى جهة الغرب في مواجهة شرفة الضيوف من الجهة المقابلة شرقي قاعة المجلس، وتطل على بابين يدخل ويخرج منهما النواب، بينما تقع منصة الرئيس ومساعديه تحت هذه الشرفة، فلا يتمكن الصحافيون ورجال الاعلام من رؤيتهم. ظل الامر على حاله حينما انتخبت الجمعية التأسيسية بعد ثورة أكتوبر/ تشرين أول 1964، لتزاول أعمالها من ذلك المبنى الذي احتضن تقريباً كل المجالس التشريعية منذ عهد الإنقليز، كما كان مقراً لمؤتمرات عددا من بينها ندوة الربيع للاشتراكيين العرب الثانية التي انعقدت في مارس/ آذار العام 1970؛ وأصبح قاعة لمحاكمات شهيرة منها محاكمة المرتزق الألماني، رولف اشتاينر، كما شهد قمماً عربية وأفريقية.

كان قائد حرس الجمعية يجلس بين بابي قاعة المجلس النيابي في مواجهة منصة الرئاسة وذلك عند انعقاد الجلسات، ويتجول في انحاء المبنى متفقداً الموقع حينما تنفض الجلسة أو أثناء العطلات البرلمانية. كان العقيد زاهر سرور الساداتي صارم القسمات من غير عبوس، في تقاسيم وجهه من النبل ما يصرف عن الناظر اليه صرامته البادية ومشيته التي تكاد تخرق الأرض ثباتاً وقوة. تحس أن عروقه يمتزج فيها شرف الجندية ومناقبية الضباط القادة العظام بالدم الذي يتدفق من خلالها. لم أره مبتسماً قط، لكنني لم أصادف الرجل في يوم من الأيام غاضباً أو مقطّباً بين حاجبية وهو يصدر أوامره لمرؤوسيه، إذا ما دعت الحاجة، أو فظاً غليظ القلب، أو متكبراً متعجرفاً، مزهواً بتاريخه وببذته العسكرية ونياشينه وأوسمته. لم يكن متبلد المشاعر، الا أنه كان يخفي كل ذلك خلف هذه القسمات الصارمة التي تنم عن الضبط والربط والشجاعة المفرطة التي عرفها أهل السودان عن جنودهم وضباطهم في غابر الايام.

في باحة الجمعية وأمام المقهى كان بعض النواب والوزراء يتبادلون الطرائف، والساداتي وجنوده شهود عليهم، فتجلجل ضحكاتهم بين فينة وأخرى، لا سيما إذا تخللتها اللمزات والغمزات والسخرية من بعضهم البعض والمماحكات؛ وحينما يكون العقيد الساداتي قريباً من مثل ذلك المشهد، ينسحب سريعاً إلى مكان قصي يتوارى خلفه عن الأنظار. أحسبه ينفجر ضاحكاً مما سمع، ثم ما يلبث أن يظهر مرة أخرى بذات الملامح، كأن شيئاً لم يكن. ما كان يسمح لتعابيره أن تبدي حالات الفرح والحزن والدهشة والرضى والتذمر أو الاستنكار أمام الملأ، بل ليس لها الا أن تعبر عن انضباط الجندي السوداني وقيمه فحسب، ورغم ذلك لم يكن جامد الوجه أو متبلد المشاعر. حينما تقترب منه أكثر ترى اللطف والوداعة يحيطان بك من كل جانب، تكاد تلمسهما بيديك العاريتين.

ولكن في يوم من أيام الجمعية التأسيسية المشهودة بعد حرب يونيو/ حزيران 1967، وربما بُعيد انعقاد قمة اللاءات الثلاث، (وقيل انهن أربع "لا تطبيع")، في الخرطوم، امتلأت قاعة الجمعية التأسيسية بجميع أعضاء المجلس في أبهى حللهم، وغصت قاعة الصحافيين برجال الاعلام، إذ لم يكن بين من يغطي أعمال الجمعية وجلساتها زميلات في تلك الأيام، وامتلأت قاعة الضيوف بكبار الزوار، وأرتدى قائد الحرس زي التشريفات البهي، تكريماً لضيف كبير سيخاطب الجمعية التأسيسية. جاء الضيف وتحدث أمام الأعضاء وعرّج في كلمته على القضية الفلسطينية وإلى مساهمة الجنود والضباط السودانيين في حرب العام 1948 في فلسطين وتضحياتهم وبسالتهم وعن شهدائهم. لم نستبن تعابير وجه الضيف حينها، لكننا قدرنا تأثره من نبرة صوته. ساعتئذِ ركزت نظري على قائد الحرس، إذ كنا نعرف قبساً من تاريخه وبلائه في تلك المعارك، فرأيت، لأول وآخر مرة، خلجات وجهه ترتجف، وعينيه وقد اغرورقتا ثم ترقرقتا بالدموع حتى فاضتا ليسيل ماء العين على وجنتيه مدرارا، لكنه ظل جالساً كما اعتاد أن يجلس في كل يوم، من غير أن تمتد يدٌ له فتمسح ذلك الدمع الهتون وهو يهطل في جلال لينهمر مبللاً بعض شرائط الزي اللامعة والاوسمة التي تزين بزته. دمع الرجال الصناديد الاشاوس!

لم تغب عن ذاكرتي تلك الصورة لرجل شجاع أعربت دموعه عن بسالة منقطعة النظير. لعله تذكر رفاقه في معركة اسدود، الضابطين علي رمضان وعلي محجوب والجنود الذين استشهدوا أثناء المعركة والجرحى الذين قتلهم الصهاينة في خسة ونذالة بدم بارد وعنجهية لأنهم لا يريدون أسر جنود جرحى باستثناء الضباط، وربما مرّ بخاطره آدم محمد والاونباشي تيه كافي وغيرهما الذين تطوعوا للدفاع عن فلسطين، وجاءوا من كل أنحاء السودان بكل أقاليمه ومن مجموعاته القومية كافة وأطيافه بحماسة واندفاع. جُرح البكباشي زاهر سرور الساداتي في المعركة وأُسر، وظل جرحه ينزف ببطء ثم امتلأ صديداً حتى حين تبادل الاسرى الذي جرى بعد ذلك بتسعة أشهر. احتمل آلام الجراح في شموخ وعزة ومهابة، ولم يهن أمام الصهاينة أو يستجدي العلاج الذي حُرم منه، ليس اهمالاً، بل عمداً وقصداً ونذالة.

ألح عليّ هذا المشهد ولم يغب عن بالي منذ سماعي لخبر لقاء الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، برئيس وزراء العدو الصهيوني في مدينة عنتبي اليوغندية؛ مشهد الجندي الآبي مقارنة بالجنرال الخانع. كيف هرول وتسلل رئيس مجلس السيادة إلى ذلك اللقاء المخزي الذي لن يجدي فتيلا. تسلل من وراء ظهر زملائه في مجلس السيادة، وشركائه في الحكومة شبه المدنية، وحتى رفاقه في القوات المسلحة السودانية. لم يخطر أحداً بنيته المبيتة. ربما قال للبعض أنه في طريقه إلى يوغندا لعقد قمة مع رؤساء شرق أفريقيا، فلم يشر إلى الهدف الرئيس من رحلته المشؤومة. كيف تسنى له الزحف إلى لقاء نتنياهو دون استشارة، ناهيك عن استئذان القوات المسلحة التي ينتمي اليها، والتي ستتحمل عبء بعض تداعيات ذلك اللقاء، داخلياً وخارجياً، حالياً وتاريخياً. ومع إلحاح ذلك المشهد تداعى الى خاطري ما جرى تناقله عن الرئيس المصري الراحل، حسني مبارك، حينما جمع المجلس العسكري المصري وقادة فروع القوات المسلحة المصرية ليستأذنهم الذهاب إلى فلسطين المحتلة لحضور جنازة رئيس وزرا العدو الصهيوني، اسحق رابين، الذي اغتيل هناك، ولتقديم العزاء لأسرته.

لم يذهب الرئيس حسني مبارك إلى فلسطين المحتلة قبل ذلك، ولم يزرها بعد ذلك حتى وفاته رغم اتفاقيات كامب دافيد، وعملية "السلام الخادع". رُشح بُعيد ذلك أن القادة العسكريين المصريين وافقوا على مضض على سفر رئيسهم، الذي يتمتع بسلطات واسعة تفوق سلطات رئيس مجلس السيادة السوداني "الشرفية" بفراسخ لا تحصى ولا تعد، وذلك شرط أن يذهب من المطار إلى المقبرة مباشرة ويشارك في مراسم الجنازة ويقدم واجب العزاء لأسرة رابين ثم يعود من هنالك إلى المطار ليستقل الطائرة عائداً إلى القاهرة؛ من غير اجتماعات أو تأخير. وهكذا كان! هذا رئيس دولة تقيم علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، فما بالك برئيس دولة لا يربطها رابط مع هذا الكيان. لكن الأنكى وأمر من ذلك هو البيان الذي صدر باسم القوات المسلحة يؤيد اللقاء الذي لم يُخطروا به بل استمعوا إلى أنبائه من أجهزة الاعلام كما استمعت أنا وغيري من غمار الناس إليه. إلى ماذا يؤشر ذلك؟ وما هو حال القوات المسلحة السودانية وقادتها الذين انضم إلى صفوف ضباطهم الامراء من أتى قافزا من فوق الجدران فأخذ مكانه بينهم بالقوة الجبرية؟ يكاد القلم يعجز عن وصف الحال أو يجد نعتاً ملائماً للمآل!

لكن هذه ليست المرة الأولى التي تُهرع فيها العسكرتاريا السودانية الى خطب ود الصهاينة وتقديم فروض الولاء والطاعة والقرابين دون مقابل يذكر حتى لقاء كلمات تعبر عن الشكر والدعوات الصالحات، بل بدريهمات لا تغني ولا تسمن من جوع! فقد التقى العقيد جعفر محمد نميري بوزير دفاع العدو، ارئيل شارون، والوفد المرافق له أثناء تشيع الرئيس المصري الأسبق أنور السادات حيث اتفقا على لقاء ثانٍ مطول لبحث "العلاقات والتعاون بين البلدين". جرى اللقاء أيضاً في عنتبي، وهو لقاء أعد له يعقوب نمرود، الضابط السابق بجهاز استخبارات العدو (الموساد)، مع تاجر السلاح المعروف الملياردير عدنان الخاشقجي، الذي خدم الصهاينة واسيادهم بإخلاصٍ وتفانٍ ثم مات وهو يستجدي العطايا. ليس للصهاينة واسيادهم أمان!

أعطى نميري بكرم حاتمي ما لم يحلم به الصهاينة لقاء فتات. فتات ذهب الى غيره ولم ينل منه الا سوء المنقلب، فكانت عملية موسى التي سهلت تهجير اليهود الاثيوبيين (الفلاشا) الى الأرض المحتلة ثم أعقبتها عملية سبأ لتكمل ما انقطع من وصل فتهّرب الباقين عبر محطات أوربية بدلاً عن الرحلات المباشرة. قيل حينئذٍ أن هناك من همس في أذن العقيد النميري، قبل اجتماع عنتبي مع شارون، بأن تسهيل نقل الفلاشا البؤساء الى الكيان الصهيوني سيكون جزاؤه عميماً في الدنيا وعميقاً سخياً في الآخرة؛ ففي الدنيا سينعم عليه الخالق البارئ بالذرية الصالحة التي ضرب في سبيلها أكباد الإبل وأستقل للحصول عليها أجنحة الطائرات. لكن كثير من هؤلاء "البؤساء" التحق بصفوف جيش الاحتلال فساموا أهل البلاد وأصحاب الأرض سوء العذاب. غير ان لا صلوات الموسويين في الكُنس وعند حائط البُراق السليب قادرة على تحقيق ذلك، وهي لم تستطع فعله، بل هي أماني زينتها همسات ما أنفك يرددها مرتبطون بالكيان الغاصب ومن العاملين لديه في أذن رجل لم يزن الأمور كما يجب، فعصف بالثوابت وأطاح بالمسلمات والركائز. كانت الذرية كعب أخيل لديه. فما هي نقطة الضعف التي استغلتها مستشارة الرئيس موسيفيني، يا تُرى؟

توقفت عملية موسى بعد أن ذاع خبرها وما ترتب على هذه الاذاعة من ردود أفعال محلية وإقليمية ودولية. جاء الكشف عن هذه العملية بالصدفة المحضة، إذ كان نميري ونائبه والجنرال عمر محمد الطيب ومعاونوه والمشرفون على العملية من صهاينة وأميركيين يحيطونها بأسوار عالية من السرية، الى أن جاءت وكالة الانباء القطرية فكانت أول من أذاع النبأ الذي بعث به مدير مكتبها في دمشق، الزميل الراحل محمد جمعة، من القاهرة وهو في طريق عودته من الخرطوم الى مقر عمله في دمشق، ثم أعقبه روبرت فيسك، مراسل جريدة التايمز اللندنية في بيروت، الذي أصبح فيما بعد مراسلاً لجريدة الإندبندنت البريطانية في العاصمة اللبنانية أيضاً. كلاهما كان في السودان لأسباب مختلفة، وكلاهما عرف بالقصة بمحض الصدفة من مصدر واحد؛ وتلك حكاية سنسردها بالتفصيل لاحقاً. لم تتابع الوكالة القطرية خبرها الذي سبقت به الجميع، لكن وسائل الاعلام الغربية لم تضع فرصة الخبر – القنبلة فلاحقت الخبر وسبرت غوره وتابعت الحدث بكل تفاصيله. توقفت العملية بعد أن فُضح أمرها، لكن الاميركيين والصهاينة ازدادوا اصراراً حيث كان جورج بوش الأب في الواجهة ليأتي مهرولاً الى العاصمة المثلثة. توقف الخط المباشر من القضارف والخرطوم واستبدل بمسارات أخرى عبر مدن اوربية.
لم يحصد نظام النميري الا الزقوم، طعام الاثيم. فبعدها بشهور تهاوى النظام وبقي رئيسه في المنفى خالي الوفاض. ولم يجنِ السودان شيئاً.

اليوم يلقى السودان ذات الازدراء من الكيان الغاصب، فيستبيح أجواءه بعد لقاء مهين، كان استدعاءً أكثر منه اجتماعاً بين ندين. فالحكام عندنا لا يقرأون التاريخ. ليس تاريخ الأمم الغابرة، بل حتى التاريخ المعاصر. ولا يتأملون ما جرى لغيرهم من الاقرباء والغرباء، للجار القريب والجار البعيد. يظنون أن للصهاينة سطوة على الجميع وعلى أصحاب القرار في مدن العالم الكبرى ولدى الحكام الطغاة في البلدان الصغرى. يظنون أن رفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب هو في قبضة الصهاينة، وأن سيف ديموقليس معلق بشعرة من خيلهم متدلياً فوق رأس البلاد والعباد. هم أذاة تنفيذ لدى الاميركيين، يعطونهم بقدر ما يريدون تحقيقه من حكام ترتعد فرائصهم عند ظل إشارة فقط. لم يستطع الصهاينة، لثلاثة عقود ونيف، إطلاق سراح جاسوس موسوي عمل لديهم وهرّب لهم منجم اسرارا "حليفهم" الأكبر. لم تفلح ضغوط الصهاينة في إطلاق سراح الجاسوس جوناثان بولارد، من السجون الأميركية لثلاثين عاماً، رغم منحه جنسية الكيان. لنفوذهم حدود، لو تعلمون. والأمور بينهم وبين الامريكيون ليست (خوش بوش، وسداح مداح) كما يقول الشوّام. وهناك ما قام به زعيم دولة صغرى متعلق بالسودان.

حينما سعى الصهاينة إلى تفجير المحادثات التي كانت تجري في اثيوبيا وتمخضت عنها اتفاقية أديس اببا في العام 1972، تلك الاتفاقية التي أسكتت لعلعة الرصاص في جنوب البلاد فبددت رائحة البارود، هدد الامبراطور هيلي سيلاسي، الذي كان يهمه أمر نجاح المباحثات لأسباب يعلمها ولمصلحة يريدها، بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني إن همو تمادوا في غيهم الرامي الى اجهاض المحادثات بين الجانبين السودانيين، فما كان منهم الا أن ارعووا ولزموا جحورهم. لكن تآمرهم على وحدة البلاد تواصل على قدم وساق واستمر حتى اليوم، وسيستمر غداً – اعترف بهم السودان أم لم يعترف – إذ لن يهدأ لهم بال الى أن (ينكسر المرق ويتشتت الرصاص). فهذا ديدنهم منذ قيام هذا الكيان الغاصب. لن يتركوا بلداً من بلدان الجوار متعدد الأعراق والأديان يعيش في سلام من غير انشطار وحروب وجدران سميكة من الدم والدموع والجراح تتطاول بين أبناء البلد الواحد، لتكون لهم الحجة يبررون بها بقاء كيان الفصل العنصري وإقامة الدولة اليهودية في الأرض المغتصبة.

كان اعتراف اثيوبيا بهم لا سبيل للتفريط به: هو مدخلهم الى أفريقيا، واطلالتهم على جنوب البحر الأحمر والمحيط الهندي وبحر العرب (إذ لم تكن ارتريا نالت استقلالها يومئذٍ)، ومقراً اقليمياً لجهاز استخباراتهم في اسمرا، يتجسسون من خلاله على السودان وما بعد السودان ويتسقطون اخبار واسرار الدول التي تقع الى جواره عبر البحر، وموطئ قدم في جزيرتي مرسى فاطمة وحالب المطلتين على باب المندب. رضخوا لمشيئة أسد يهوذا، ,احنوا رؤوسهم حتى تمر العاصفة، لكنهم في الجانب الآخر عاثوا فساداً في بلاده ونهبوا خيراتها من غير مقابل. الصهاينة يأخذون ولا يمنحون الا سماً زعافاً، لو تعرفون.

بدأت الشركات الصهيونية في استنزاف ثروات البلاد منذ وقت مبكر وبعيد اقامة كيان الاحتلال في فلسطين المحتلة. جاءت شركة (انكودا) الى ارتريا لتمتص دماء الارتريين وثروتهم فأسست مصانع ضخمة للمنتجات الحيوانية من لحوم وجلود وبقايا، وأخرى للأسماك المطحونة، وظلت تتوسع لتستولي في العام 1964 على أكبر مشروع زراعي في البلاد على الحدود الارترية – السودانية. كان مشروعاً متطوراً حديثاً فيه محلج للاقطان ومحطة مركزية لمياه الشرب، يرفده نهر القاش بالمياه لمختلف الأغراض. أثارت الصحف السودانية في حينه مخاطر هذا المخطط على المشاريع الزراعية السودانية التي تعتمد في ريها على ما يجود به هذا النهر المشترك. نبهت الصحف يومئذٍ الى ما يقوم به الصهاينة على الحدود من استثمار غير مضبوط أو منضبط لمياه القاش وبركة والنيل الأزرق. فبعد استعراض تفاصل ما يجري هناك، ذكرت جريدة الصحافة في عددها الصادر بتاريخ 2 ديسمبر/ كانون الأول 1965 ما يلي: "وواجبنا أن نتنبه الى هذا الخطر الإسرائيلي الذي أصبح يهددنا تهديداً مباشراً، فالسكوت عليه خطأ مهين وخطر وواجبنا ثانياً اتخاذ خطوات أكثر إيجابية مع الدول التي تتعاون مع إسرائيل وتمهد لها كل الوسائل لتقيم كل هذه المشاريع." لكن لا حياة لمن تنادي. ليس هذا فحسب بل نهبت الشركات الصهيونية جميع الأراضي الزراعية في مناطق ارتريا المختلفة وتسابقت الى الاستحواذ فلم تترك لأهل البلاد شيئاً يذكر، بل انتزعت الحكومة الاثيوبية مزارع الارتريين ومنحتها للصهاينة. ثم امتدت ايديها الملطخة بالدم الى السواحل الارترية فأصبحت سفن الصيد تسيطر سيطرة تامة على الشواطئ، وتمنع الصيادين الارتريين من الاقتراب، والى تجارة الاستيراد والتصدير لتحتكرها شركة (هارون اخوان)، والى قطاع الانشاءات والمقاولات الذي سيطرت عليه شركة (سوليل بونيه). هذا مثال لما ينتظر السودان وغير السودان إن أغفلوا ما يحيكه الصهاينة. لم تقطف البلاد التي ارتمت في أحضان الكيان الصهيوني الا الخيبة ولم تحصد شعوبها الا الفاقة والعوز. فلتمعنوا النظر بعيون الطير حولكم، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. ماذا ترون؟

"وَالَّذِي صُنِعَ فَهُوَ الَّذِي يُصْنَعُ، فَلَيْسَ تَحْتَ الشَّمْسِ جَدِيدٌ. رَأَيْتُ كُلَّ الأَعْمَالِ الَّتِي عُمِلَتْ تَحْتَ الشَّمْسِ فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ. اَلأَعْوَجُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَوَّمَ، وَالنَّقْصُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْبَرَ." (سفر الجامعة – الاصحاح الأول)

عمر جعفر السّوْري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.