بسم الله الرحمن الرحيم

لقد تناول المُعلِّق في الحلقة الأولي بعض القضايا العامة المتصلة بحذف بعض المفاهيم من منهج التربية الإسلامية في السودان وتبقي الحديث عن مسألة سياسية تتصل بهذه القضية وهي: هل للحكومة الانتقالية الحق في أن تفرض رؤيتها أو أيديولوجيتها أو فلسفتها في تعديل المناهج أو تعديل القوانين؟. 

من المعلوم أن الحكومة الرشيدة أو الديمقراطية لها مكونان:
مكون تنفيذي ومكون تشريعي ورقابي، وأن المكون التشريعي هو الذي يجيز القوانين، وليس المكون التنفيذي بالإضافة إلى أنه يقوم برقابة المكون التنفيذي، وقد يسحب الثقة من الحكومة.
ولو سلمنا جدلاً أن هناك عوائق حالت دون وجود مكون تشريعي أو أن الخلافات بين ممثلي الثوار أو الشعب أو قحت أو محاصصات حركات الكفاح المسلح حالت دون ذلك، وأن التنفيذي، يمكن أن يقوم بدور المكون التشريعي، وأنها حالة ضرورة وأنها حكومة يؤيدها الشعب، وأن شرعيتها مستمدة من أنها تنفذ مطالب الشعب، فهذا يقتضي منطقيا أن تتلمس مطالب الشعب الحقيقية.
هذه المطالب للمراقب للأحداث تتلخص في الآتي:
1- محاكمة من اعتدى على المال العام ورد ذلك المال لخزينة الدولة، ومحاكمة كل من اقترف ظلماً أو جُرماً بالقانون.
2- إزالة التمكين لأنه يعوق الانتخابات الحرة النزيهة، ولأن المتمكن ليس له حق في التمكن أصلاً.
3- وبالمثل لا يجوز إزالة تمكين ليحل مكانه تمكين آخر لنفس الأسباب.
4- الإعداد لانتخابات حرة نزيهة، وهذا هو العمل الأساسي للحكومة الانتقالية.
5- تسيير دولاب الدولة عن طريق كفاءات، بعيداً عن الأجندة السياسية الخاصة، ورفع المعاناة عن المواطن وتوفير الخدمات الأساسية له مثل احتياجاته المعيشة والصحية والتعليمية وغيرها، ما وجد لذلك سبيلاً.
إنه ليس من بين هذه المطالب مطالب خاصة بتعديل القوانين الخاصة باللبس الفاضح، أو البغاء أو اللواط، أو شرب الخمر لغير المسلمين وليس من بينها تعديل المناهج. هذه أجندة خاصة بجماعات معينة ومطالب قوى خارجية. هذه الجماعات يمكنها طرح هذه التعديلات في برامجها الانتخابية، وإذا نالوا تأييد الناخب فيكون لهم الحق في تعديلها. هذه فترة حرجة من تاريخ السودان لا يناسبها إثارة خلافات قد تكون لها آثار ضارة.
بقي أمر من الواجب أن أعلق عليه وهو مقولة الدكتور القراي، التي وصف فيها الصحابة بالدواعش.
هذا وصف غير عادل وغير منصف وظالم، وفيه تعدي على مشاعر المسلمين، ويستفزهم ويغضبهم. شخص يستخدم هذا العنف اللفظي توكل اليه إدارة المناهج! وقد كانت تصريحاته، وباعترافه، كما سبق، تجد معارضة ممن هم ليست لهم انتماءات حزبية أو أيديولوجية.
لو تدبر رئيس الوزراء وحاضنته وتوفرت لهم الحكمة، واستقلال الرأي كان يمكن أن يعطوا الجمهوريين منصباً غير هذا المنصب وإذا أشكل عليهم اعفاؤه من المنصب، فإنه في هذه الحالة، عليهم أن يراقبوا قرارته غير السليمة، ولا يُسمح له بإصدارها.
دعنا ننظر في وصف الدكتور القراي للصحابة رضوان الله عليهم بأنهم دواعش، بالرغم من أن الوصف فيه سوء أدب؛ فهل دعم قوله هذا بأدلة موضوعية؟
إن قوله هذا مستمد من آراء معلمه محمود محمد طه. هل استحق الصحابة، رضوان الله عليهم، هذا الوصف لأنهم كانوا يحاربون أعداءهم ويجاهدون في سبيل الله؟. إذن كان الوصف في سياق الحرب التي يقومون بها، ومبرراتها وأساليبها. هذا يقتضي مقارنة الجهاد أو الحرب عند المسلمين والحرب ومبرراتها وأساليبها في هذا العصر.
هل من الممكن أن يُقال عن الذين يشنون الحروب اليوم، أنهم يتمتعون بمشاعر إنسانية ورقي خلقي؟ هل يحسن هذا الوصف لمن يقذفون الآمنين في منازلهم بالبراميل المتفجرة؟ وهل يحسن أن نصف به دولة ألقت القنبلة الذرية في هيروشيما وناجازاكي، التي قضت على الصغير والكبير والمرأة والحيوان والنبات؟ وهل يصدق على عالم هتلر وستالين؟ وعلى عالم إبادة الهنود الحمر والسكان الأصليين في استراليا؟ وهل يصدق على عالم الاستعمار الذي نهب ثروات الشعوب وما زال ينهبها؟ وهل يصدق على سجون قواتناما وسجن أبو غريب والسجون العربية؟
إنّ هذا العالم الموصوف بالحضارة والإنسنانية هو عالم تمارس فيه مختلف أنواع التعذيب القبيح والكريه والمقيت الذي تشمئز منه النفوس، هو العالم الذي ترمي فيه قائدة العالم المتحضر- كما يصفه محمود وأتباعه - قنابل في مناسبة زواج وفرح في أفغانستان، لكي تصيب رؤساء القبائل لأنه من عاداتهم أن يشهد رؤساء القبائل مناسبات الزواج!
إذا جاز لنا أن نقارن مبررات الحرب وأساليبها بالممارسة المعاصرة، فإن علماء الاسلام المعاصرين اتفقوا على أن مبرراتها هي:
1- الدفاع عن النفس
2- نصرة المظلوم
3- إتاحة حرية الدعوة
وقاعدة أسلوب الحرب: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ". أباح الاسلام العقوبة بالمثل ولكن ليس بطلاق والأفضل تركها. والإسلام لا يسمح بعقوبة المثل، اذا كان مثلاً زنا بحرمته. فلا يجوز للمسلم أن يفعل من القبائح المنافية لكرامة الإنسان مثل ما تم في سجن أبو غريب وبعض السجون العربية.
فبطلت حجة محمود محمد طه التي تدعي أن إنسان العالم المعاصر يتميز بصفات خلقية وحضارية، تجعله مستعداً لتطبيق قيم، ما كان الناس في صدر الاسلام لهم الاستعداد لتطبيقها. لقد شهد العالم المعاصر أفعالا قبيحة ليس لها مثيل في التاريخ.
ومن المناسب أن نُبدي بعض الملاحظات عن فكر محمود محمد طه دون تفصيل، لأن ذلك يحتاج إلى مساحة كبيرة. لمحمود مقولات في العقيدة والعبادة والشريعة أو المعاملات، وكلها مقولات شاذة وباطلة ولا تستند إلى دليل وتصادم الحس الديني للمسلم، وفيما يلي نماذج من تلك المقولات.

قال في العقيدة بألوهية الإنسان، وأنه يمكنه أن يأخذ كفاحاً أو مباشرة من الله ما يحتاجه من توجيهات في حياته أي يُوحى له. ومن مقولاته في العبادة صلاة الأصالة التي لا يقلد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي). أي أن محمود لا يصلي الصلاة ذات الركوع والسجود التي يصلي وفقها المسلمون، وقد أخبرت بذلك ابنته في برنامج تلفزيوني موثق، ولم يقبل ادعاء أحد اتباعه أنه وصل درجة الأصالة هذه، فهي صفة يتصف بها محمود وحده.
وفي الشريعة قال محمود: الإسلام شريعتان: شريعة جاءت بها آيات القرآن المدني لا تصلح لزماننا هذا وشريعة جاءت بها آيات القران المكي، لم تكن للصحابة ولا لإنسان الصدر الأول من الإسلام القدرة على تطبيقها، وقال إن آيات القرآن المدني تعبر عن فروع الدين، وآيات القرآن المكي تعبر عن أصول الدين: حرية، عدالة، ومساواة. وقال إن الآيات المكية نسخت الآيات المدنية وهذا يعني أن السابق ينسخ اللاحق
ولكن محمود قال النسخ بمعنى الارجاء، والارجاء ليس بنسخ. مهما كان الأمر، السؤال: لماذا لم يبين الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر العظيم والقرآن طلب منه أن يُبين ما نُزل اليه فالله سبحانه وتعالى قال: " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ...". ولكن كعادة محمود، ليصل إلى ما يريد أن يصل إليه، فقد فسر الطلب بطريقة غير موضوعية وغير ملتزمة بقواعد، ومخالفة لرأي الجماعة العلمية عبر التاريخ فقال الطلب ليس عاماً. لو كان هناك أمر يستحق البيان لم يكن هناك أمر أولى بالبيان من هذا الأمر الذي يغير أحكام الدين تغييرا جذريا.
قلنا إن هذه طريقة محمود في تحكم محمود وتفسيره الذاتي وغير الموضوعي لآيات القرآن الكريم. فقد استدل على ألوهية الانسان بقوله تعالى: " .. قُلِ اللَّهُ.." فقال محمود: قل الله تعني كن الله، وقال في تفسير قوله تعالى " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"، أنها تعني أن لكل فرد شريعته الخاصة به.
وقال محمود في الاقتصاد: أن شريعة القرآن المكي توجب على المسلم أن ينفق ما زاد عن حاجته، وليس الزكاة ذات المقادير أو يدفع ضريبة تصاعدية أو غيرها. وأعتقد أنه في قوله هذا كان متأثراً بالشعور العام في تلك الفترة التي كانت فكرة الاشتراكية المغايرة للرأسمالية في تصاعد وتجد قبولا كبيراً. وقد يتساءل الشخص لماذا لا نسمع كثيرا من أتباعه الحديث عن هذا المبدأ و المطالبة بتطبيقه في عالم سيطرت فيه الرأسمالية وحزب الجمهوريين كان ينادي بالاشتراكية!؟
ينبغي الإشارة السريعة لأحكام الإسلام في إنفاق المال: الإسلام يحرم أكل أموال الناس بالباطل، ويبيح البيع والشراء - بحسب شروط البيوع الصحيحة-، ويفرض الزكاة، ويحث على الصدقات، وقرر الفقهاء في المال حق فوق الزكاة في حالات معينة، ويشجع الشراكة في المال في الأزمات، فقد قال صلى الله عليه وسلم (إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إذا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أوْ قَلَّ طَعامُ عِيالِهِمْ بالمَدِينَةِ، جَمَعُوا ما كانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بيْنَهُمْ في إناءٍ واحِدٍ، بالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وأنا منهمْ)، بل يشجع على الإيثار فيقول تعالى: "... وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
ويُرجح المعلق أن محمود أخذ آراءه من الفكر الباطني وكارل ماركس وهيجل وبعض علماء الانثروبولوجيا.
فقد أخذ محمود من الفكر الباطني إمكانية ألوهية الانسان وأن يأخذ من الله كفاحاً (مباشرة)، وأخذ من ماركس مقولة ماركس: من كلٍ حسب طاقته ولكلٍ حسب حاجته - ما زاد عن الحاجة عند محمود. وأخذ من هيجل أن التاريخ متجه لأن تكون للفرد الحرية المطلقة والتحقيق الكامل لذات الإنسان - عند محمود الإنسان الكامل والإنسان الإله، ولكل فرد شريعته الخاصة به، وعند ماركس في مرحلة الشيوعية الأخيرة تلاشي الدولة والقانون، وكلها ( يوتوبيات).
وأخذ محمود من علماء الانثروبولوجيا فكرة تطور الأديان من أديان آلهة متعددة وأديان وثنية إلى عقيدة التوحيد - مع أن القران يحدثنا أن عقيدة التوحيد مساوقة للوثنية أو سابقة لها من لدن سيدنا آدم وسيدنا نوح. ليست هناك أدلة قاطعة تثبت نظرية تطور الأديان إنما هي نتيجة تكهنات speculations.
نقول وعلى أية حال نظرية الرسالة الثانية محتواها رقيق، إلا في بعض أحكام الاسرة وقليل غيرها، وهي عبارة عن شعارات: حرية ، عدالة، مساواة، وفي حاجة شديدة إلى تنزيلها إلى أحكام قانونية، وفي هذه الحالة فهي معرضة للأهواء والتلاعب .
إذا قارنا نظرية محمود بنظرية ابن حزم في أصول الفقه التي رفض فيها القياس - مع الفارق الشاسع بينهما- نجد ابن حزم كتب كتاب المحلى في الفقه، ولم يرم القول جزافاً.

والله ولي التوفيق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.