‎ ريحانة مجالس لندن. هذا تعبير ابتدعه الصحفي الإنقاذي حسين خوجلي في وصفه للمرحوم عبدالسلام صالح فرح الذي وافته المنية صباح اليوم الثلاثاء 13 اكتوبر بالقاهرة . ان كان حسين صادقا في شئ فقد صدق في هذا الوصف المعبر. ففي احدي زيارات حسين الي لندن جمعته الصدفة بمنزل أحد الصحفيين بعبدالسلام . وكعادة عبدالسلام الذي حباه الله بطراوة اللسان وبذخيرة ضخمة من المعلومات لفتت انتباه حسين فظلت تلك الجلسة من الاشياء العالقة في ذاكرته . و علي الفور كتب مقالا يحمل هذا العنوان
‎ عرفت عبدالسلام في منتصف تسعينات القرن الماضي عندما قادني سكني بالشارقة ان أكون جارا لصهره السيد/ عوض الكريم ادريس . منزل عوض الكريم و زوجته ناريمان شيقة عبدالسلام كان بمثابة البيت الكبير للاسرة . حيث كانت تشاركهم السكن والدة عبدالسلام عليها الرحمة . و كعادة الاسر السودانية يجتمع افرادها عند الوالدة ، كبير القوم بمفهوم البيت الكبير ورمزيته . كان منزلا مفتوحا للزوار يغشاه افراد الاسرة في تراحمهم و تفقدهم للحاجة . تعرفنا من خلاله علي افراد الاسرة الكريمة التي كان عبدالسلام يمثل وسط عقدها . تلك الجيرة جعلت حبل التواصل بيننا ممدود الي يومنا هذا رغم تباعد الامكنة

‎ كان عبدالسلام قد سبقني للاقامة بلندن فوجدت بها اخا وصديقا و مرشدا . لم يكن اسلوب الحياة في بلد العجم مألوفا لدي . فقد خفف عني كثيرا الام الغربة و كسر حاجز الاندماج بمجتمع غريب . كان عبدالسلام يحتفظ بكم هايل من العلاقات ، صداقات وعلاقات متنوعة . مدين له بمعرفتي علي عدد كبير من البشر في مختلف المهن و التخصصات . التي افادتني كثيرًا

‎كنت اتحين عطلة نهاية الاسبوع او أي وقت فراغ لأستأنس بصحبة . كان وفير المعرفة . صقلته التجارب ، و ساعده علي ذلك قربه الشديد من الرئيس نميري لاكثر من عقد من الزمان . ظل وفيًا لعلاقته التي اكتسبها بحكم منصبه . بعض الاوفياء ظلوا يحرصون علي زيارته كلما زاروا لندن ، يردون بعض جمايله التي طوق بها اعناقهم عندما كان فاعلا في السلطة . كنت كثيرا ما أسمع من البعض روايات تحكي عن افضاله و ما قدمه لهم دون من او اذي او مقابل

‎مثلما كان زاهدا في تدوين الكم الهائل من المعلومات و الاسرار التي اختزنتها ذاكرته . فقد كان زاهدا ايضا في متاع الدنيا . عندما عاد مع نميري من رحلتهم الاخيرة من الولايات المتحدة و توقفت بهم الطائرة بمصر ، بسبب أنتفاضة ابريل ، عاد للسودان تاركا نميري بالقاهرة . عند التحقيق معه لم يجد المحققون شيءٍ يدينه . لم يملك بيتا او عقارا او كنز مالا . متخذا من منزل والده بحلفاية الملوك سكنا له ولاسرته الصغيرة

‎قبل اربعة ايام من حدوث الجلطة التي كانت سببا في وفاته ، وعدني بان يحضر الي لندن ليعطر سمائها التي ظلت داكنة بسبب هذا الوباء اللعين . تعشمنا في التغير الذي سيحدثه و كسر الرتابة و الملل و الاحباط . لكن المنية لم تمهله فجاء خبر وفاته من ابنه الزين الذي كنت أتابع معه الحالة

‎بوفاته انطوت حقبة من تاريخنا الاجتماعي
‎و اندثرت اسرار و وقائع مهمة لم يشاء ان يدونها رغم الحاح عدد كبير من الاخوة . نسأل الله له الرحمة و المغفرة و عالي الجنان