السؤال المطروح حاليا، هل بعد توقيع اتفاق السلام في جويا بتاريخ ٣ اكتوبر ، يستلزم تعديل الوثيقة لكون الاتفاقية تحمل مبادى دستورية جديدة خلاف او معدل لما هو في الوثيقة ؟ اذا كانت الاجابة بنعم، و هو الارجح ما هي الالية لتعديل الدستور الانتقالي؟ 

ان الاطراف الموقعة علي الاتفاق في عجلة لتنفيذ الاتفاق بسرعة وفق المصفوفات المرفقة مع الاتفاق. اذن هل من الممكن الوصول لاتفاق سياسي، باعتماد آلية المجلسين ( الوزراء و السيادة) لادراج الاتفاق في الدستور؟ اذا كانت الاجابة بنعم، و هو امر متوقع؟ هل سيتم تعديل الدستور ايضا للمرة الثانية بعد فترة اذا تم التوصل لاتفاق مع فصيل( الحلو)، وهل لاحقا سنعدل الدستور للمرة الثالثة بعد الاتفاق مع (عبد الواحد) و هل سنعمل على تعديل الدستور بعد كل اتفاق سلام الي ما لا نهاية، كما هو متوقع .... هذا النهج سيدمر الاستقرار السياسي و الدستوري، و ربما يهدد الوضع الأمني.
اذن مهما كانت الآلية التي سيتم اعتمادها لادراج الاتفاقية في الدستور الانتقالي، فانه من المهم النظر للمسالة بصورة شمولية، و في سياقاتها المختلفة. ليس من الضروري الاصرار علي هذا او ذاك من الآراء و ليس علينا ان نضع العقدة في المنشار، من المهم النظر للمشاكل الدستورية و السياسية، و التبعات التي ستاتي من خلال تعديل الدستور بعد اتفاق سلام جوبا.
للوصول لحل موضوعي و ناجع، من الضروري التحضير لاجتماع يضم كل الاطراف، بعدد مقدر من الممثلين لكل طرف، و اقتراح آلية قانونية موثوقة تعمل علي ضمان توافق الجميع علي وسيلة لادماج الاحكام الدستورية الجديدة بصورة توافقية، بالقدر الذي يضمن علوية و سمو احكام الدستور، و تعزيز التحول السلمي الديمقراطي بدون اضطراب سياسي ضار.
و لا يخفى على احد بان هناك التزامات دستورية على عاتق الحكومة الانتقالية ان تقوم بتنفيذها قبل انقضاء اجل الفترة الانتقالية، تم النص عليها بكثافة في الوثيقة الدستورية، و لكنها لم تجد حيز كافي داخل اتفاق السلام، مثل اجراءات تفكيك اجهزة الدكتاتورية و الفساد، تعزيز بناء الديمقراطية و حقوق الانسان، انجاز السلام الشامل و العادل و المستدام، هذه الالتزامات تم التوافق عليها بين قوى الثورة و المجلس العسكري، قبل تكوين الحكومة المدنية، و بالتالي ستصبح هي التزام علي الحركات الموقعة علي اتفاق السلام، و من المهم ابراز ان الالتزام بالنسبة لتلك الحركات لا ينحصر فقط فيما هو وارد في الاتفاقية، و انما يتعداها لما هو وارد في الوثيقة الدستورية، و بالتالي من الضروري التفكير في آلية قانونية تكفل التزام الجميع بخارطة الطريق التي رسمتها الوثيقة الدستورية، نحو التحول الديمقراطي.
اذا كان الحديث عن تعديل الوثيقة الدستورية، قد جاء عقب التوقيع علي اتفاق السلام، فهل سينحصر التعديل فقط لادماج اتفاق السلام في الدستور؟ في الواقع ان تجربة عام من الممارسة السياسية، اشرت العديد من الاحكام التي من المهم تعديلها او دعمها بنصوص اضافية، فمثلا موضوع مجلس القضاة ، المحكمة الدستورية، المجلس التشريعي، الاختصاصات التنفيذية لمجلس السيادة بما في ذلك علاقته بالسياسة الخارجية للدولة، دور الاجهزة الامنية و الجيش و الشرطة، و علاقات السلطات ببعضها البعض، و غير ذلك، كلها موضوعات دستورية يستدعي الوضع في الاعتبار تضمينها في اي تعديلات مقترحة في الدستور الانتقالي، و ذلك لضمان استقرار الفترة الانتقالية، و تنفيذ البرنامج الانتقالي.
السؤال الاخير الذي يفرض نفسه هو ان اتفاقية السلام قد نصت علي ان الاتفاقية تسمو علي الوثيقة الدستورية، في حال تعارضت احكام الدستور و اتفاقية السلام، و لكن الذي يجب ان اقوله، هو ان الاتفاقية تعالج اوضاع النزاع السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي، في المناطق التي حددتها الاتفاقية، بينما ان الدستور يحتوي علي قواعد عامة، غير مخصصة لفئة من المواطنين، او اقليم معين، و لا سلطات دون الاخرى، و هنا يكمن بوضوح الفرق بين الوثيقتين، و من الضروري ان تحتفظ الوثيقة بسمتها كاحكام عامة. في ظني ان ادماج اتفاق السلام في الدستور الانتقالي لا يعني بالضرورة، قطع و لصق اتفاق جوبا كما هو و اضافة ابوابه في الدستور الانتقالي، بهذه الطريقة سيكون الدستور الانتقالي هو الاطول بين دساتير العالم، و سيطغى الاتفاق باحكامه الخاصة على احكام الوثيقة الدستورية.
من المهم لمواجهة مثل هذه الاحتمالات، تعيين لجنة فنية علي درجة عالية من الخبرة الدستورية، و قدر عالي من الحرفية، لادماج القواعد الدستورية الجديدة التي جاءت بها الاتفاقية، و بالتالي ضمان سمو الدستور و علويته.
الخرطوم 14 اكتوبر 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////////