تطالعنا الأنباء عن عزم الحكومة على المضي قدما في خطوة انتحارية ألا وهي رفع الدعم كما يدعون وهذا في حد ذاته مجرد تلاعب بالألفاظ وحقيقة الامر كما وضح الكثير من الاقتصاديين وعلى رأسهم الأخوة في اللجنة الاقتصادية لقوي الحرية والتغيير ان كل ما في الأمر أن هناك فروقات ناجمة بين سعر الصرف الرسمي المعلن 55 جنيها للدولار في ميزانية 2020 الأصلية و120 جنيها للدولار في ميزانية 2020 المعدلة وسعر الصرف في السوق الموازي والذي يفوق الـ 240 جنيها هذه الأيام٠

وفِي اعتقادي الخاص أن الامر لا يعدو أكثر من ان حكومة حمدوك بقدومها على هذه الخطوة الخطيرة تعلن صراحة بتبني سياسة التحرير الاقتصادي الشامل في كل أوجه النشاط الاقتصادي من أسواق السلع والخدمات وكذلك سوق العملات الأجنبية وتتضمن هذه السياسة خروج الدولة تماما من مجمل النشاط الاقتصادي وترك كل الانشطة الاقتصادية لقوي السوق الحر وسيطرة القطاع الخاص الطفيلي وهذا الامر في غاية الخطورة على الثورة وعلى استقرار البلاد كما ستبين لاحقا٠

وجاء فِي تفاصيل هذا القرار أن هناك ترتيبات تجري الان في اروقة وزارة الطاقة على فتح عطاءات لشركات خاصة ستقوم باستيراد المواد البترولية من مواردها الخاصة وطبعا ستحصل على هذه الموارد الدولارية من السوق الأسود وبالتالي بيعها للمواطن بسعر السوق دون تدخل من الدولة وهذا يعني خروج الدولة تماما من مسئوليتها في توفير وتنظيم وتوزيع سلعة استراتيجية كالوقود٠

ومن نتائج هذه الخطوة زيادة إشعال نار التضخم المشتعلة منذ زمن وبلوغ هذا التضخم مستويات خارجة عن السيطرة كما يبدو جليا الآن٠
أضف الى ذلك ان هناك محفظة السلع الاستراتيجية ستكمل الباقي في استيراد السلع الضرورية الأخرى مثل الدقيق والادوية وتصدير الذهب والمحاصيل النقدية الهامة كمصدر للعملة الحرة وكل ذلك سيتم وفق سياسة التحرير الاقتصادي وقانون السوق وهذا يؤكد تماما خروج الدولة النهائي في توفير السلع الاستراتيجية للمواطن وتركها للقطاع الخاص٠
والجدير بالذكر ان معظم هذه الشركات والتي ستكون مسؤولة عن حياة المواطن والتحكم في معيشته في استيراد وتصدير السلع الاساسية مرتبطة تماما بالنظام البائد وربما تكون مملوكة لسدنة النظام البائد من الفلول وكذلك كل البنوك المساهمة في تمويل نشاط محفظة السلع الاستراتيجية٠
وهذا الأمر الخطير يعني المزيد للتمكين لهذه الشركات والبنوك المشبوهة مما يشكل خطرا ماثلا لمسيرة الثورة ومستقبلها٠
إن ما تقوم به حكومة حمدوك لا يعدو من ان يكون أكثر من دفن الرؤوس في الرمال ومحاولة الهروب إلى الأمام من مواجهة المشاكل الحقيقية والتي تحاول هذه الحكومة الكسيحة في اختزالها في فرية ضرورة رفع الدعم وهو تبسيط مخل وتضليل يتنافى مع الواقع ويؤدي إلى ضياع وقت ثمين كان يجب أن يستغل في مواجهة المشاكل الحقيقية والتي تهم المواطن ومستقبل الثورة وتتلخص هذه المشاكل في الآتي:

اولا/ السيطرة الحقيقية على الاقتصاد ومواجهة العسكر في استعادة الشركات التابعة للجيش والأمن وحسب تصريحات حمدوك أن 80% من النشاط الاقتصادي خارج سيطرة الحكومة٠

ثانيا/ الكل يعلم الآن هناك أكثر من 90% من الكتلة النقدية خارج سيطرة النظام المصرفي و60% من الاقتصاد الموازي غير الرسمي يسيطر على اقتصاد البلاد٠

ثالثا/ القطاع المصرفي وبنك السودان مازال تحت سيطرة الفلول ومازال الفساد والتمكين لفلول النظام البائد في معظم مؤسسات الدولة الهامة لا يخفي على احد٠

رابعا/ سياسات الصادر والوارد والضرائب والإنفاق الحكومي خارج سيطرة الحكومة المدنية تماما٠

خامسا/ عجز الحكومة من السيطرة على غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار والتضخم والبطالة بسياسات اسعافية عاجلة تخفف العبء على المواطن٠

سادسا/ فشل الحكومة في السيطرة على نشاط شركات الاتصالات والشركات الرمادية والأجنبية٠

هذه بعض من المشاكل والتحديات الحقيقية على الصعيد الاقتصادي فقط اضافة الى اشكاليات عديدة على صعيد السياسة الخارجية وتحديات دستورية وقانونية لا تخفي على احد٠
فبدلا من مواجهة الواقع المرير الماثل أمامها ومواجه هذه التحديات اختارت حكومة حمدوك اضاعة الوقت الغالي والثمين في مصارعة طواحين الهواء بطريقة دون كيشوتية واختزلت الأمر في قضية رفع الدعم وهي معركة دون معترك وتبسيط مخل للغاية مازال يدفع ثمنه الشعب السوداني الصابر٠

اضاعت هذه الحكومة فرصة تاريخية اذ حظيت بدعم شعبي والتفاف جماهيري حولها دون قيد او شرط وكان دافع الجماهير من منح هذه الثقة والشيك علي بياض لحكومة حمدوك الامل الكبير من ان ترتفع هذه الحكومة لمستوى التحديات وتواجه الواقع وكانت الجماهير على كامل الاستعداد لدعم هذا الاتجاه بالغالي والنفيس ولكن لسبب ما اختارت الحكومة اتجاه غريب ووقعت في الكثير من الأخطاء الفادحة تتمثل في الآتي:

اولا/ المراهنة تماما على الخارج والاعتماد على العون الدولي وعلى روشتة صندوق النقد الدولي وانتظار المدد الخارجي المتمثل في القروض والمعونات والاستثمارات الأجنبية وأثبتت الأيام حقيقة هذا الرهان الخاسر

ثانيا/ عدم الإيمان بدعم الجماهير وعدم المراهنة على الشارع والأخطر من ذلك تحميل الجماهير أكثر من طاقتهم واتجهت الحكومة تماما في تبني برنامج اقتصادي يعتمد كليا على الضغط على المواطن وعلى تضيق سبل معيشته رغم ما يعاني هذا المواطن من ضنك وشظف في سبل العيش حيث تعدت نسب الفقر ال 70% من نسبة السكان مع ارتفاع معدلات البطالة والتضخم٠

ثالثا/ اللجوء إلى أساليب النظام البائد في الخداع والمراوغة ومحاولة كسب الوقت وعدم الصراحة ومواجهة الجماهير وتمليكها الحقيقة مهما كانت٠

رابعا/ غياب الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية والخطط الاقتصادية التي تلتزم خط الشارع وتنحاز لمصلحة الجماهير٠

خامسا/ سياسة اللين والتساهل في مواجهة الفلول وازالة التمكين وكذلك عدم الجدية في مواجهة العسكر لصالح الجماهير وخير مثال لذلك التهاون في التصدي لاستعادة الشركات التابعة الجيش والأمن حتى الآن كذلك عدم التحكم في مجمل النشاط الاقتصادي والضعف الواضح للشق المدني من الحكومة مما أدى لسيطرة المكون العسكري وتغوُّله على الكثير من القرارات خارج اختصاصه٠

سادسا/ الصرف الحكومي البذخي في السفر والمناسبات والسلوك المظهري الاستفزازي في الجيوش الجرارة من المسؤولين والمستشارين والسيارات الفارهة التي تشفط البنزين والجازولين شفطا!!! وهذا السلوك يمثل عبء ثقيل على ميزانية الدولة والتي تعاني من العجز المزمن اصلا وهذا يمثل استفزاز للمواطن الذي يعاني ومطالب بالمزيد من المعاناة عقب تحرير الاسعار٠

سابعا/ غياب مبدأ الشفافية والمحاسبة في الكثير من القضايا العالقة مثل قضية الفاخر وايضا ممارسة سياسة الطناش وعدم الاستجابة لمطالب جماهير الثورة إلا بعد تسيير المواكب والمليونيات٠

ثامنا/ المماطلة والتأخير في تكوين المجلس التشريعي رغم أهميته في اكتمال مؤسسات الحكم المدني وكجسم رقابي أساسي في مراقبة أداء الحكومة وإصدار التشريعات التي تخدم مصالح جماهير الثورة٠

تاسعا/ الاختلاف وعدم الانسجام مع الحاضنة السياسية وخاصة مع اللجنة الاقتصادية لقوي الحرية والتغيير وظهر هذا الخلاف الحاد اثناء مداولات المؤتمر الاقتصادي وتحديدا حول قضايا رفع الدعم وتحرير سعر الصرف٠

عاشرا/ أخطاء فادحة في سياسات اقتصادية أدت إلى تفاقم حدة التضخم مثل سياسة زيادة المرتبات بنسبة جنونية تبلغ ال 569% بدون مصدر تمويل حقيقي ومستدام سوي المزيد من طباعة العملة التضخمي كذلك شراء الحكومة لملايين الدولارات من السوق السوداء لتوفير المبلغ المطلوب للتعويضات الامريكية وهذا في اعراف الدول المحترمة يعد جرما شنيعا يستوجب العقاب٠
وكذلك تجاهل المطلب الجماهيري بضرورة تغيير العملة رغم تأكيد الاقتصاديين ضرورة هذه الخطوة لأسباب سياسية واقتصادية وامنية
خاصة بعد تفشي ظاهرة تزوير العملة بشكل يهدد الثورة٠

ورغم كل محاولات التحايل والاستهبال وإضاعة الوقت الغالي للشعب السوداني في هذه المرحلة التاريخية الحرجة من حكومة حمدوك الغير مسؤولة إطلاقا اتضح جليا الان للقاصي والداني ان كل هذا التهافت والتسارع نحو الخارج والالتزام التام ببرنامج صندوق النقد الدولي وفلسفة التحرير الكامل للاقتصاد وفق نهج اجماع واشنطون وعقيدة ميلتون فرديمان اتضح الان ان هذا التدافع له ما يبرره ويكمن في ايمان د. حمدوك وفريقه الاقتصادي من الدوليين بان الحل الخارجي لاياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وان الشعب السوداني لا يعي ولايفهم اللعبة الدولية وهم وحدهم فاهمين اللعبة ومقددنها "دوليا" لذلك نلاحظ اُسلوب التعالي والعنطزة الفارغة في مخاطبة الشعب السوداني صاحب التجلة والاحترام والعظمة ولكن سكرة السلطة وبريقها اعمت بصيرتهم من انه لولا هذا الشعب العظيم لما كانوا في هذه المناصب والأضواء٠

والمتابع لمسيرة الأحداث منذ تكوين هذه الحكومة يلاحظ ان هناك الكثير من الشواهد والملابسات تؤكد ان الفريق الاقتصادي لحكومة حمدوك كان يخطط وبشكل مطلق وفردي في تنفيذ برنامج نيو ليبرالي كامل الدسم تم تخطيطه والإعداد له بذات ليل وان هذا البرنامج سيتم تنفيذه قسريا دون استشارة أو موافقة أحد وان كل المؤسسات الديمقراطية من مجلس وزراء ومجلس تشريعي أو حتى الحاضنة السياسية المتمثّلة في اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير سيتم تجاوزها اذا اعترضت ويؤكد كل ذلك الشواهد التالية:

اولا/ المؤتمر الاقتصادي الغامض الذي عقد بعد تشكيل الحكومة مباشرة والذي تم تنظيمه بواسطة "شوتام هاوس" البريطانية وهي مؤسسة بحثية تتبنى الخط النيو ليبرالي وتوجهات صندوق النقد والبنك الدولي٠
كان هذا المؤتمر سريا للغاية والدعوات محدودة لداعمي الخط النيو ليبرالي واعتقد انه قد تم وضع الأساس النظري والخط الأيديولوجي لبرنامج حكومة حمدوك في هذا المؤتمر الكارثي٠والجدير بالذكر ان د٠ابراهيم البدوي كان مقررا لهذا المؤتمر مع مشاركة د. حمدوك ود. آدم الحريكة والشيخ الخضر وبعض رجال الاعمال من طفيلي النظام المباد بكل أسف٠

ثانيا/اعلان البدوي عن برنامجه قبل أدائه القسم وكان يعبر وبكل صراحة عن نيته في المضي قدما في تنفيذ روشتة الصندوق بكاملها دون اي تردد٠

ثالثا/ تصريحات حمدوك بضرورة التعامل مع المنظمات الدولية وعدم التقييد بالأيدولوجيات وضرب أمثلة بإثيوبيا ورواندا وماليزيا وفيتنام والصين وكل ذلك لتهيئة الشارع لقبول برنامجه المقترح٠

رابعا/ تحايل د٠البدوي ونقض العهود في الاتفاق مع الحرية والتغيير بعد الاتفاق معهم بتأجيل مناقشة موضوع رفع الدعم وتحرير سعر الصرف وتركها للمناقشة في المؤتمر الاقتصادي ورغم ذلك قرر المضي قدما في تطبيق رفع الدعم وتحرير سعر الصرف الجزئي وإعلانه عن جدول زمني للرفع الكامل للدعم وتحرير سعر الصرف بنهاية العام٠

خامسا/ سياسة د٠البدوي في الإسراع في تطبيق زيادة الأجور بشكل خرافي ومرة واحدة رغم الاتفاق مع لجنة الأجور على أن تتم هذه الخطوة على مراحل لمدة ثلاث سنوات وكان دافع البدوي لذلك تقديم رشوة سياسية لتنفيذ سياسة رفع الدعم٠

سادسا/ سياسة د٠البدوي في البدء في إجراءات تطبيق الدعم النقدي المباشر كخطوة نحو تنفيذ الرفع التام للدعم المباشر للسلع الاساسية٠

سابعا/ الإعلان عن اتفاق مع الصندوق على برنامج مراقبة موظفي الصندوق قبل يوم من ختام مداولات المؤتمر الاقتصادي مما يجعل من توصيات المؤتمر تحصيل حاصل٠

ثامنا/ اتفاق د. هبة محمد علي وزيرة المالية المكلفة مع اللجنة الاقتصادية لقوي الحرية والتغيير في اجتماع تعديل الميزانية على تأجيل الإعلان عن تضمين رفع الدعم وتحرير سعر الصرف لحين الاتفاق مع اللجنة الاقتصادية ورغم ذلك ضربت بهذا الاتفاق عرض الحائط وتفاجأ أعضاء اللجنة بإعلان الميزانية المعدلة متضمنة رفع الدعم الجزئي وتحرير سعر الصرف والدولار الجمركي٠

تاسعا/ تزوير توصيات المؤتمر الاقتصادي لتتضمن رفع الدعم وتحرير سعر الصرف عكس التوصيات الأصلية من الورش القطاعية والتي أكدت على رفض سياسة رفع الدعم وتحرير سعر الصرف في الوقت الراهن٠

عاشرا/ اجتماع لجنة الإيرادات والمصروفات والسياسات وصياغة القرارات والتي تكونت عقب المؤتمر الاقتصادي البحث عن بديل لرفع الدعم وكان الاتفاق مع وزارة المالية الالتزام بالنظر لهذه البدائل وبحث امكانية تطبيقها ولكن للأسف لم يتم ذلك ومضت الحكومة في خطها المعلن في تنفيذ روشتة الصندوق٠

حادي عشر/ تعبئة جماعات المصالح والمستفيدين من تطبيق سياسات الصندوق من الطفيليين والتجار من الفلول في الغرفة التجارية للمصدرين والموردين واتحاد أصحاب الأعمال وقطاع الذهب والمصرفيين وبعض الأقلام المأجورة لدعم اتجاه الحكومة برفع الدعم وتطبيق سياسة التحرير الاقتصادي وظهر ذلك جليا اثناء مداولات المؤتمر الاقتصادي ودعمهم الواضح لسياسة الحكومة٠

كل ماذكر أعلاه من شواهد يؤكد تماما ان كل مايتم الان لم يكن صدفة بل كان وفق تخطيط منظم ونوايا مسبقة من جماعة حمدوك النيوليبرالية وان هذه الجماعة تتبني خطا ايديولوجيا لايقبل المشاورة والاختلاف ولاحتي التوافق ويتضح ذلك جليا في تعاملهم مع لجنة قحت الاقتصادية ووصف البدوي لهم بأنهم يحملون "افكارا بالية"
نؤكد لهولاء الشلة ان هذه الثورة أتت عبر تضحيات جسيمة وتهدف لغايات سامية أكبر من عبثهم وضالة تفكيرهم واختزالهم المعيب لكل مشاكل السودان في ضرورة الارتهان للخارج واللجوء للقروض والمنح والهبات ونؤكد لهم ان سواعد شبابنا الفتية والتي فجرت هذه الثورة قادرة علي العطاء والبذل والبناء والتضحية من اجل هذا الوطن٠
وفي الختام نحذر هذه الحكومة والتي تنكرت لأهداف الثورة نحذرهم تماما من المضي في تطبيق روشتة الصندوق ورفع الدعم عن المحروقات وتحرير سعر الصرف ونؤكد لهم أن الشوارع لا تخون والثورة مستمرة وجذوتها مازالت مشتعلة ودماء شهدائنا الأبرار معلقة في الرقاب وشباب هذه الثورة و الكنداكات في قمة الترقب والاستعداد والثورة مستمرة والمجد والخلود لشهداء الثورة السودانية٠

د٠محمد محمود الطيب
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
October 2020