الأولوية للنازحين واللاجئين في تنفيذ مخرجات اتفاق سلام جوبا، الشريحتان اللتان تكبدتا المشقة والأذى وصبرتا صبر أيوب تحت الظلال الشحيحة للمخيمات البائسة، وتمثلان الصخرة الصماء التي تكسرت عليها مجاديف إتفاقيتي أبوجا والدوحة من قبل، عندما جلس رعاة الإتفاقيتين في الخرطوم و تناسوا المشردين الذين رفعت العقيرة بالصياح والمناداة بضرورة عودتهم وتعويضهم وتهيئة اسباب الحياة الآدمية لهم، لقد كانت ومازالت معسكرات اللجوء والنزوح تشكل هاجساً مؤرقاً لأصحاب الشعارات الثورية الحاضة على أخذ وانتزاع الحقوق من مركز السلطة، ويرجع ذلك إلى أن ليس كل الداخلين في السلم عبر المنابر التفاوضية مستشعرون لواجباتهم تجاه هؤلاء البؤساء الفقراء، وهذه طبيعة جميع انواع الحراك الثوري المسنود بالبندقية ولنا في تجربة المقاومة المسلحة الجنوبسودانية خير مثال، فقد شهدت جميع الحقب الماضية مشاوير مستمرة ورحلات ماكوكية بين جوبا والخرطوم دشنها بعض القادة الجنوبيين بالأسترزاق والأستثمار في مآسي الضحايا الفقراء من أهالي الجنوب.
ألمسؤولية الواقعة على عاتق الموقعين على إتفاق السلام كبيرة وعظيمة وجسيمة لو يعلمون، ومن بعد أداءهم لقسم تولي المنصب الدستوري سوف تكون المهمة صعيبة ومرهقة، فيكون الشاغل للحقيبة العامة هدفاً مشروعاً لسهام صحافة وإعلام الثورة، فيتحول هذا الموظف الدستوري من خانة الناقد والقادح والناصح للحاكم إلى الجلوس على الكرسي الساخن لرجل الدولة المسؤول، هذه الأريكة التي يتلقى المتكيء عليها سيل من التحقيقات والتساؤلات الباحثة عن إجابة، وتكون سخونة هذا المقعد معادلة لحجم الدماء التي أريقت في الإقليم المنكوب بحثاً عن الحقوق المسلوبة، فمن يتبنى مشروع كبير مثل قضية دارفور عليه أن يكون صاحب حزم وعزم أكيدين، وأن يتصف بالموثوقية والمصداقية والتفاني المفضي إلى تقديم النفس والغالي والنفيس، كما فعل رجال أفذاذ تقدموا صفوف التضحية والإباء من ابناء الأقليم الذي نكبته حرب المظالم الضروس سنين طويلة ومريرة، فصدقوا ما عاهدوا عليه المسكين الذي تم تشريده من تراب أجداده، و جادوا له بالمهج والأرواح لكي يجعلوا هذه السانحة التي بين أيدينا اليوم ممكنة.
ألنازحون يمثلون رأس المال الذي ظل يقاوم به المفاوضون صلف وغرور الحكومة البائدة، لأن ملف قضيتهم من الملفات المحرجة للنظام المقبور لعدم تمكنه من طي صفحاته، لسبب واحد هو فقدان الحكومات السابقة للأخلاق ومعها شركائها الموقعين على الأتفاقيات التي سلفت، فإعادة النازح واللاجيء إلى أرضه و تهيئة الظرفين الأمني والأقتصادي يعتبر من المهام التي تتطلب اجتياز هذين الطرفين الحاكم منهما والمتحدث باسم قضايا النازحين واللاجئين، لامتحان أخلاقي معياره الأوحد النزول إلى أرض المعسكرات وحمل الأثقال المادية والمعنوية كتف بكتف مع أولئك المنسيين تحت ركام أغبرة حوافر أحصنة المعارك العبثية، فالنصوص الأنشائية التي دلق حبرها على صفحات كتيب السلام لن تحل الأزمة الإنسانية هناك، ما لم يعي الشباب القادم من الخارج عبر سفينة إتفاقية سلام جوبا قسوة وقوة وقدسية هذا الإلزام الأخلاقي، وليعلموا أن إضاعة الوقت في المماحكات السياسية مع مركز السلطة الانتقالية المتشرزم، سوف يسحب البساط من تحت أرجلهم ويحول دون التناغم بينهم وبين أتباعهم في مخيمات كلمة وزمزم وعطاش وبقية مدن الكرتون.
ألعامل المساعد على تحريك عجلة السلام الشامل الذي لا يستثني أحد هو إخماد غضب سكان المعسكرات، بأن تعمل جميع حركات الكفاح المسلح المتدثرة برداء جوبا على إحضار كل من رفض الصلح إلى حظيرة الأتفاق، تفادياً لأشتعال حرب أخرى في الإقليم المنكوب كنتاج طبيعي للغبن المتولد في نفوس المغاضبين، وكما هو معلوم أن عبد الواحد قد أسس واجهات تنسيقية يديرها شيوخ المعسكرات الذين يدينون له بالولاء الكامل الذي يماثل ولاء جنود الدعم السريع لقائدهم، وهنا يكمن التحدي المخيف لمن جاءوا مبشرين بالسلام في الوقت الذي لا تربطهم فيه رابطة ببعض القوى البشرية داخل معسكرات النازحين، لذلك أمّن كل الحادبين على مصلحة الوطن بوجوب دخول عبد العزيز آدم الحلو - الحركة الشعبية قطاع الشمال - ومعه الزعيم المؤسس لحركة تحرير السودان، ولكلا القائدين نفوذهما وسط المجموعات السكانية الجبلية التي ينتميان إليها عرقياً، ومثل هذين الرجلين لا يمكن إئتمان جانبيهما وهما بعيدين عن معادلة السلام السمح، فيصبح من الأجدى أن يبذل الداخلون لكواليس مؤسسات الحكم الأنتقالي عبر جوبا جهداً خالصاً لضم عبدي الله الواحد العزيز.
الإرادة القوية والصامدة لقوى حركات الكفاح المسلح وحدها كافية للعبور بالسودان إلى رحاب دولة العدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان، هذا القول تسنده حقيقة واحدة هي امتلاك هذا الحراك لرؤية بديلة قادرة على إخراج تخبط حكومة قحت من المأزق الذي اوقعت نفسها فيه، وكذلك هذا الإدعاء يقف على أرضية صلبة رصف خرسانتها جون قرنق بالأنقلاب الكبير الذي زلزل به منظومة القيم المفاهيمية العقيمة والبالية التي توارثتها الأجيال المتعاقبة دون جدوى، ولولا مجاهدات ابن بور العريق لما وصل الناس في جوبا لما وصلوا إليه اليوم، ولو على المستوى النظري المبذول على صفحات كتاب السلام، فلقد ادخل ذلكم الفتى الأبنوسي جميع السودانيين في (فتيل) يوم أن أجهز على جثة السودان القديم، فوضعهم أمام أمرين أحلاهما مر - الوحدة أو الأنفصال.

إسماعيل عبد الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.