عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

انتهت الاحتفالات باتفاقية السلام الموقعة بين قادة الجبهة الثورية، ومجلس السيادة بحكومة الفترة الانتقالية. وغض النظر عن التشابه وقع الحافر بين نظام الانقاذ المقبور، وطريقة عقد الاتفاق واخراج الاحتفال. إلا ان الجميع اصبح امام تحديات المرحلة القادمة وجها لوجه. ومن سوء حظ والاصح تدبير قادة الجبهة الثورية، ان الظروف التي يتم فيها ابرام الاتفاق، هي من الهشاشة والعجز والصعوبة بمكان، ما يجعل تنفيذ بنود الاتفاقية، مما يلي توزيع المناصب بين قادة الجبهة الثورية، هو في حكم المستحيل! فالبلاد ومنذ قيام الثورة تشهد تراجع مخيف علي كافة المستويات، وكانت الجبهة الثورية واحدة من عوامل هذا التدهور والتراجع وانطفاء وهج الثورة، بسبب تعنتها طوال القترة الماضية، سعيا وراء تحصيل اقصي المكاسب! وكأن بقية مكونات الشعب وفئاته ليس لها مطالب، ولا يمكنها رفع سقفها، ولكن ومراعاة لظروف الانتقال غضت الطرف عنها او تنازلت عن جزء كبير منها، وهذا عينه ما كان يتوقع من الحركات المسلحة، رغم وضعيتها الخاصة. اما الاسوأ فهو وقوع الجبهة الثورية في حضن المكون العسكري، الذي يسعي لتثبيت اقدامه في حكم البلاد، وهو ما يعني عمليا نكث غزل شعارات الثورة، بوعي او دونه من قادة الجبهة الثورية؟ وصحيح انه علي الورق تم تلبية مطالب قادة الجبهة الثورية، ولكن المحك ليس الرغبة ولا حتي المصداقية في تنفيذ هذه المطالب، وانما في قدرة هذه المرحلة الانتقالية، العاجزة المفككة المتنافرة، علي الايفاء باستحقاقات السلام بعد رفع سقفها، وبما لا يتلاءم مع امكانات المرحلة او حتي المطلوب منها. والدليل ان فقط ملف تحسين الاحوال المعيشية، استنزف جهد وطاقة واحترام حكومة الفترة الانتقالية. وقس علي ذلك كافة الملفات التي لم نجنِ منها إلا الفشل الذريع. والسبب ان المدخل للعلاج كان دائما ملتوٍ وغير مباشر، سواء بالاعتماد علي الخارج حصرا، او الاستسلام الكامل للمكون العسكري، او الاستجابة لابتزازات الحركات المسلحة. اي الانشغال بكل شئ سوي الايفاء بمطالب الثورة الملحة، وبتعبير آخر الاجتهاد في المأمول علي حساب الممكن والمتاح. لتضيع اهم لحظات الثورة (الضرب علي حديدها وهو ساخن) في اتخاذ الخطوات والقرارات الثورية، القادرة علي احداث اختراق في مشروع التغيير الجذري. المهم، افلات هذه اللحظة الثورية كانت له عواقب وخيمة، ليس علي نجاح الثورة فقط، ولكن علي مستقبل البلاد الذي ازداد قتامة، بعد ان زاغت الرؤية وغابت البرامج وانهزمت ارادة التغيير. وللمفارقة الحركات المسلحة نفسها سيليها جزء من هذا الخراب العام، وستدفع ثمنه عاجلا او آجلا. لنجني من كل ذلك مجرد تمنيات بقاء الاحوال علي حالها وعدم الانجرار لما هو اسوأ.

وكان المأمول من قادة الحركات المسلحة، بمجرد سقوط البشير، ان تضع يدها في يد بقية مكونات الثورة، والتوافق علي موقف موحد لمجابهة تركة نظام الانقاذ، وعلي راسها اللجنة الامنية التي ازاحت البشير لتحل محله! ولكن اصرار كل طرف علي موقفه، وسعيه لنيل اكبر حصة من المكاسب، علي حساب الانتصار لشعارات الثورة! قدم اكبر خدمة للجنة البشير الامنية، للاستفراد بكل مكون علي حدي، لتحصل في النهاية علي اكبر قدر من المكاسب! بدليل استماتتها في بقاء الاوضاع علي حالها، وهي تستفيد سلفا من سيطرتها علي القوي الامنية والامكانات الاقتصادية! اي بصراحة المكون العسكري كان يعلم ما يريد فعله، وكيفية القيام به، عكس قوي الثورة التي افتقدت المشروع الواضح وتاليا آليات تنفيذه، وقبل ذلك ادمانها علي تكرار ذات اخطاءها الموروثة! اي القوي المسؤولة عن احداث التغيير، تمتنع هي ذاتها علي التغيير، كاستجابة لاهم متطلبات التغيير؟ والنتيجة، ان قوي الثورة الحقيقية (الشباب) والمستفيدة الاول من التغيير، اصبحت مُحيَّدة في التاثير علي مجريات الاحداث، التي تنازعتها القوي المسلحة وحلفاءها وتحالفاتها! وساعد علي هذه المحصلة الدراماتيكية، بروز شخصيتين غامضتين بطريقة مريبة، تم تلميعهما بصورة مكثفة ومتعمدة مسبقا، ليتصدرا مشهد الثورة، الجنرال البرهان ودكتور حمدوك، وكانهما يؤديان دورا مرسوما سلفا لاجهاض الثورة؟!
والمشهد بصفة عامة، اصبح اكثر ضبابية وتعقيد واحباط، ولا يعد باي مخارج آمنة. فحكومة حمدوك من الضعف بمكان، لدرجة احتقار واستفزاز حمدوك بصورة متكررة من قبل قادة المكون العسكري! اضافة لتغول قادة هذا المكون علي اختصاصات ومهام رئيس الوزراء دون خشية او حياء! وكذلك انفصال هذه الحكومة كليا عن هموم ومشاغل الشعب، وانصرافها لترضية الاقوياء في الداخل والخارج. وبصريح العبارة، حكومة الثورة سواء من جانب حمدوك او وزراءه او حاضنته قوي التغيير، لم تقدم ما يليق بعظمة هذه الثورة، ونبل تضحيات شبابها! اي نحن حيال ثورة عظيمة ورثها قتلة وجبناء. وصحيح ان تركة الانقاذ مهولة في خرابها وشرورها وفسادها، ولكن هذا ما كان يستدعي اداءً اكثر جدية، وليس العكس كما هو حادث الآن.
وعموما، اتفاقية السلام لم تكن مرضية إلا لقادة الجبهة الثورية وانصارها، لانها لم تعالج جذور الازمة كما يدعي قادتها لتسويق الاتفاقية، ولكنها للاسف كرست للازمة بصورة اكثر جذرية! لان جذور الازمة ليست في التفسير المفتعل للتهميش او صراع المركز والهامش، لان المركز نفسه لم يسيطر، بقدر ما ان الهامش نفسه لم يهمش من قبله، والسبب ان الدولة كانت رهينة معظم فترات استقلالها بيد العسكر وداعميه من قبل اليسار او اليمين او الانتهازية! وهذه الحكومات العسكرية فرضت استبدادها علي كافة البلاد والمكونات، والاسوأ انها حرمتها فرصتها في التطور الطبيعي. اما ما يثير السخرية ان هذه الحكومات العسكرية شارك فيها كل ابناء المناطق بما فيها ما يسمي الهامش! والمؤكد ان المشاركين اولئك لا يمثلون إلا انفسهم وتنظيماتهم الداعمة للعسكر. وإلا باي حق يصبح المشاركون من المركز في تلك الانظمة العسكرية، يمثلون المركز وابناءه، ولا ينطبق ذلك علي ابناء الهامش المشاركين، فما لكم كيف تحكمون؟ والحال كذلك، تصبح الازمة الحقيقية في الاستبداد المُكرس بواسطة الانظمة العسكرية، وبما ان اتفاقية السلام بحالتها الراهنة، ما هي إلا تقاسم مصالح ونفوذ بين المكون العسكري وقادة الجبهة الثورية، ولا باس من التمويه بمسألة تقاسم السلطة والثروة بين المركز والهامش، بصورة ترد الاعتبار للهامش، مع مراعاة مصالح المواطنين في كافة الجهات. لانه ببساطة لو كان ذلك صحيح، لتمت الاتفاقية مع المكون المدني في السلطة الانتقالية حسب الوثيقة الدستورية، او اقلاه لسبقه تكوين المجلس التشريعي الممثل من كل مناطق السودان ومكوناته، ومن ثم قبوله بها، وليس العكس الذي يكرس للاتفاقية الفوقية! وفي كل هذا دليل كافٍ علي ان هذه الاتفاقية تكرس لبقاء تحكم العسكر في السلطة والبلاد. اي بعد ان تم طرد تسلطهم السياسي بباب الثورة، عادوا بشرعية شباك الحركات المسلحة؟! ووضعية كهذه لا يمكن ان تعالج لا جذور الازمة ولا حتي فروعها الجافة! في حال لم تجفف حتي احتمالات و وعود الثورة في الخلاص، من دائرة الاستبداد الشريرة، ومعالجة ازمة السلطة، وبناء دولة المؤسسات. بل الاتفاقية نفسها تعالج غبن قادة الحركات المسلحة وانصارها بانتاج غبن معاكس لمجموعات سكانية، غير انها مناصرة لقضية الحركات المسلحة في صراعها ضد سلطة العسكر، الا انها نفسها عانت مظالم لا حد لها! وفي ظل الغبن والغبن المضاد، ليس هنالك امكانية للحديث لا عن دولة المواطنة، ولا عن منظومة عدلية وادارية تسع الجميع، ولا عن معالجة جذور الازمة ولا يحزنون.
ولكن مجرد ايقاف الحرب، وقبول مبدأ الحوار كوسيلة لحل الخلافات والمطالب، هو خطوة متقدمة في حد ذاتها، اذا ما صدقت النوايا وكان ذلك عن ايمان وقناعة. ولذلك امام الحركات المسلحة بعد انخراطها في السلطة تحديات لا حصر لها، تبدأ بذات القضايا العالقة، من ازمة اقتصادية واستكمال هياكل السلطة الانتقالية، ولا تنتهي بتحديات التاسيس لدولة الديمقراطية والرعاية الاجتماعية. والسؤال هل الحركات المسلحة بوعيها المأزوم لاسباب جذور الازمة، قادرة علي تقديم حلول ومعالجات لهذه القضايا والتحديات؟ مع العلم ان المعضلة الاساسية امام نجاح الثورة واستكمال مطلوباتها، تتجسد في المكون العسكري، وتضاد مصالحه وطموحاته مع تلك المطلوبات. اي نحن ليس امام قضية مطروحة للنقاش او مطالب يراد لها التحقق، ولكننا بالاحري امام توازن قوي مختل لصالح المكون العسكري! وما بقية الاشياء والحوارات والقضايا المفتعلة والاتفاقات، الا هروب الي الامام من مواجهة هذه الحقيقة او مجرد التفاف عليها. وبناء عليه، هل بمستطاع هذه الاتفاقية او قادة الجبهة الثورية، اقناع المكون العسكري برفع يده عن السلطة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، اي باختصار احترام التزاماته في حدود الوثيقة الدستورية؟ وهل في الوسع كذلك، رتق نسيج مكونات الثورة، واعادة الاعتبار لانجاز شعاراتها بصورة جماعية؟ وماذا عن بقية الحركات المسلحة خارج نطاق اتفاقية السلام، هل في وسع هذه الاتفاقية وقادتها تقريب الشقة، وتقديم التنازلات، والضغط في اتجاه حصولها علي مطالبها، علي ضوء المصلحة العامة، كقبول مبدأ علمانية الدولة؟ وهل في مستطاعها العمل بجدية لاستكمال مفوضيات الوثيقة الدستورية المستقلة، بغرض اصلاح القضاء ومحاربة الفساد والتمكين، وارساء دعائم السلام وترقية الخدمة المدنية؟ وهل الجبهة الثورية علي استعداد لاعادة التفاوض حول اتفاقية جوبا للسلام اذا تطلبت المصلحة العامة ذلك، ومن ضمنها مراجعة المحاصصة علي اقتسام مؤسسات الدولة وخدماتها، لتنافي ذلك مع المؤسسية والكفاءة وحق المواطنة المكفول للجميع، مع مراعاة التمييز الايجابي لكل المناطق والشخوص الاكثر تضرر منذ الاستقلال؟ اما السؤال الاكثر اهمية، هل مكونات الجبهة الثورية قادرة علي التماسك امام مغريات السلطة وصراع المناصب والامتيازات؟ بتعبير آخر هل الاتفاقية قائمة علي معالجة قضايا ومطالب حقيقية، ام هي مجرد ترضيات واطماع وصراع نفوذ، تتلبس اختلاق قضايا الهامش ومطالب المهمشين؟ مع العلم ان كل من يفشل في الحصول علي مبتغاه، فهو جاهز سلفا لرفع ذات اليافطة (التهميش) ضد شركاءه قبل الآخرين؟! اما الاسوأ من ذلك، فهو انخراط قادة الجبهة الثورية في لعبة السلطة، لتبرير سلوكيات واساليب عمل وتجاوزات، لا يمكن تبريرها او الصمت حيالها او مجرد استنكارها، وعلي راسها تعديات الشرطة ضد المتظاهرين السلميين، ومواصلة مسلسل الاغتيالات الهمجي دون محاسبة او رقيب؟
والمقصود من هذه الاسئلة ليس احراج قادة الجبهة الثورية، او التنبؤ بمآلات مشاركتهم في السلطة بهذه الكيفية؟ ولكن القصد قطع الطريق علي تكرار ذات الاخطاء وعواقبها الكارثية، وبما فيها الاتفاقات الثنائية، التي لا تخاطب هموم كافة المواطنين، وفشل السلطة المتوارث، والعجز عن بناء الدولة وتبني الديمقراطية كمنهج حكم. لكل ذلك، كان الامل ان تعالج الاتفاقات مع الحركات المسلحة عيوب وخلل الوثيقة الدستورية، بما يخدم شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة، وتفكيك دولة الانقاذ، وقبلها منظومة عملها وثقافتها السائدة الفاسدة. خصوصا ان عملية بناء الدولة تكتنفها صعوبات وتحديات لا حصر لها، وضاعف من هذه التعقيدات تحلل مقومات الدولة في عهد الانقاذ، وسياسيت الفوضي التي كانت تدار بها. وهذا ناهيك عن التباين الشديد لمكوناتها وتنوع ثقافاتها، وارث ثقيل من الراوسب التاريخية بسوء ظنها وتوهماتها! وهو ما يحتاج بدوره لقدر كبير من التنازلات والتسامح والمصالحات بين كافة المكونات (عدالة انتقالية بنكهة سودانية). وقبل ذلك هنالك حاجة ماسة للتخلص من الثقافة الرعوية وافرازاتها من التعصبات الجهوية والعرقية والمناطقية، كشرط لازم لبناء دولة وطنية ديمقراطية، لا تعترف إلا بالقيم الحداثية، من قبول التنوع والتعدد والحوار والتعايش والاهم التسويات السياسية، لتسوية مسألة السلطة والتنمية في البلاد.
وفي ظل توازنات القوي الحالية، ليس هنالك مجال للعبور لهذه الدولة بصورة آمنة، من دون ترك المزايدات والهياج والمطالب التعجيزية، ولا كذلك الاستسلام من اجل الحصول علي الفتات! والتوجه بشجاعة لاجراء حوار حقيقي بين كل مكونات الفترة الانتقالية، وعلي راسها المكون العسكري بكل تشكيلاته، وما يتطلبه ذلك من تنازلات وتسويات كما سلف،. للاتفاق علي نقاط او اسس واقعية، تحكم العلاقة بين كل المكونات، وحدود سلطات كل مكون، وتحديد الجهة التي تحكم هذه العلاقة (محكمة دستورية). لتصحيح مسار الفترة الانتقالية التي اصبحت تعاني الشلل ومخاطر الضياع، وهو ما يفتح الباب امام المجهول؟ ولا يمكن الوصول لهذه الخطوة، من غير اجراء مراجعة شاملة للوثيقة الدستورية، وما صاحبها من اخطاء ابعدت اصحاب الوجعة عن المشهد، رغم انهم من جعلوا هذا الواقع ممكنا! اما ما يعقبها فهو طرح كل طرف مخاوفه وطموحاته بكل شفافية علي الطاولة، وعلي ضوءها يتم اجراء تسوية تاريخية، ومصالحات وتضميد جراح، وعمل صفحة جديدة، بعد انصاف الضحايا معنويا وماديا. للعبور بالفترة الانتقالية الي بر الامان، وبعدها الحشاش يملأ شبكته. ودمتم في رعاية الله.