=============

يقول المثل( ان عشقت ، أعشق قمر، وان سرقت ، أسرق جمل)...وهو مثل ينكره البعض لأنه يشجع علي السرقة.ولكن لم يختر لصوص السودان الجمال، بل فضلوا المقابر لسرقتها، كما جاء في الأخبار المحلية التي ذكرت بتعرض عدد من المقابر، في أنحاء مختلفة من العاصمة الخرطوم لسرقات متعددة لشواهد قبور الموتي بصورة متكررة.ولم تسلم قبور الموتي من السرقة أيضا في بعض المدن ومنها مدينة شندي( الجميلة) حيث تعددت السرقات لشواهد القبور وبيعها في سوق الخردة.
: وحتي لا نلوم لصوص السودان واتهامهم بعدم احترام حرمة الموتي، فان الظاهرة ، كما يبدو، منتشرة في مدن أخري كثيرة ، عربية وأوروبية.
ففي الجزائر العاصمة، اعتاد اللصوص علي سرقة شواهد القبور الرخامية، يمحون منها بيانات المتوفي ويعيدون بياناتها لعائلة متوف جديد.وكثير من العائلات تفاجأ باختفاء شواهد القبر عندما يقصدونه بالزيارة بعد عدة أيام...وهي شواهد فخمة تغري لصوص المقابر فيتحينون الفرص ، خاصة المقابر المعزولة أو التي لا تحيط بها سياج فيسرقونها ليلا.
وبكثرة مثل هذه السرقات، اضطرت المدينة الي تكوين جمعية طوعية باسم ( جمعية حماية المقابر ) لحمايتها من السرقات.
وفي مرسيليا، أعلنت الشرطة عن تشديد دورياتها في مقبرة( سان بيير) أكبر مقابر المدينة، لردع اللصوص الذين يسرقون أواني الزهور والشواهد الرخامية أو الصلبان الفضية واحيانا تفكيك أسنان الميت الذهبية التي دفن بها.
هذه المقابر، أين ما كانت، وبقدر ما كانت أوكارا للجريمة وسرقة شواهد موتاها، بقدر ما كانت أيضا مصادر للفكر والالهام....أقلام كثيرة لشعراء وكتاب وفلاسفة وروائيين ، كتبوا ابداعاتهم عن (الموت) و( سكان المقابر) و (حافري القبور) الذين كان حظهم أكبر عند الكتاب، ولعل أشهر هذه الأعمال ما كتبه ( جبران خليل جبران) في مقالاته المختارة( حفار القبور) ، عن عالم الرؤيا، وتلك العوالم المجهولة عن الموت .
وكذلك الفيلسوف الفرنسي ( روجيه جارودي) في كتابه ( حفار القبور) عن ( الحضارة التي تحفر للانسانية قبرها).
: وللرواية أيضا نصيبها من السرد الخفي الجميل مع رواية ( ابنة حفار القبور) للكاتبة الامريكية ( جويس كارول أوتس)، وقد نالت بسببها عدة جوائز عالمية أشهرها( جائزة فيمنا) عن فئة الأدب الأجنبي ، وهي جائزة أدبية فرنسية رفيعة المقام.
[وللشعر أيضا حضوره ..وأشهر هذه الأعمال ، قصيدة( حفار القبور) للشاعر المعروف( بدر شاكر السياب) حيث يقول:
يا رب ما دام الفناء هو غاية الأحياء
فأمر يهلكوا هذا المساء
سأموت من ظمأ وجوع
ان لم يمت هذا المساءالي غد
بعض الأنام
يا رب أسبوع طويل مر كالعام
الطويل..والقبر خاو
بغفر فاه....لازلت أحفره
ويطمره التراب.
وكذلك فعلت الفلسفة.. وهناك فلاسفة كثر كتبوا عن الموت وسكان القبور أكثر مما كتبوا عن الأحياء، خاصة الفلاسفة الفرنسيين ، أصحاب العواطف الجياشة أمثال ( بيرغسون) و( أندريا لالاند) و( برونو لاتوز) ...ومنهم من وقف ، وهو في سن الاربعين ، أمام قبر والده الذي مات وهو في سن الثلاثين وهو يقول( هنا يرقد أبي الذي اكبره بعشر سنوات).
هذه هي المقابر ، عندنا وعندهم، بقدر ما هي مصدر للالهام في الشعر والأدب والفلسفة والقصة والرواية، بقدر ما هي مصدر اغراء للسرقة والسطو وارتكاب الجريمة...ولله في خلقه شئون ، أحياءا كانوا أم اموات.
د.فراج الشيخ الفزاري
f.4u4f@ hotmail.com