(١)

لم يكن خافيا على اي محلل إستنتاج تبدلات المشهد السياسي السوداني، فقد تم تهيئة المسرح ببطء، وقد أشرنا لذلك مرارا، ومع ذلك نقول إن في سعة المشاركة في الراهن السياسي خير، وإضافة جديدة، تجدد الدماء وتضيف بعدا آخرا، حتى لو أقتضي ذلك ذهاب البعض للمعارضة، فليس مطلوبا ان يكون الجميع في حزمة الحكم التنفيذي أو التشريعي، وإنما له حق الرأي وحق المعارضة وحق الإستماع إليه، فهذه مرحلة تقديم المواقف وطرح الآراء وخاتمة الأمر إنتخابات شعبية يختار فيها المواطن من يمثله.
وتعترض هذه المرحلة تحديات ثلاثة، الرضاء بالآخر والإبتعاد عن الإقصاء، فليس من حق حزب محاكمة حزب أو تيار سياسي، والنقطة الثانية الإنتقال من حالة التكتلات الي الإنفتاح ويشمل ذلك (العسكرة) أو (القبيلة) أو (الجهوية) فهذا الأمر معيب للممارسة السياسية، وخاصة ان حركات ومجموعات مسلحة، دخلت في الحياة السياسية من باب (الكفاح المسلح) وعليها أن تتجاوز مرحلة الضغط بالزناد إلى الضغط من خلال الوسائل السلمية ويبدو مثيرا للقلق مظهر استعراض الحضور العسكري، كما يحق لنا التقدير للحديث عن مرحلة جديدة و(تصفير العداد) وتوسيع ماعون المشاركة السياسية، و نتجاوز القبلية والتي افرزها ضعف المكونات السياسية الجامعة والفاعلة، والنقطة الثالثة، تهيئة بيئة الإنتقال من خلال المضي قدما فى الإعداد للإنتخابات من خلال سن قانون جديد أو تعديل سابق وإتخاذ كافة الترتيبات اللازمة، تلك ضرورات مرحلة وتحدياتها.

(٢)
إن المشهد السياسي مرتبك الآن، فقد خرج الحزب الشيوعي من قوي التغيير، وجمد حزب الأمة نشاطه وقدم مشروع العقد الإجتماعي، وهتفت قطاعات شعبية ضد السيد إبراهيم الشيخ ممثل قوي التغيير في إحتفال الساحة الخضراء، وكل ذلك يشير لإختلال في المواقف وإن ارتضينا حق أي حزب إتخاذ ما يراه من مواقف، فأننا ننتظر حكومة تعبر عن قوي ملتزمة ببرنامج سياسي محدد، فلا يمكن أن تعارض ذات حكومتك وبرنامجك.. هذا نفاق وتدليس..
ينبغي أن (نفرز) القوى المشاركة في الحكم، هذا امر مهم من ناحية المبدئية السياسية ولضرورات المسؤولية وتحمل تبعات البرامج التنفيذية وآثارها..
ومن عجائب السياسة السودانية ان يمنح حزب سياسية نفسه حق معارضة حكومته، وفى نفس الوقت تسليط قانون ولجنة ضد الآخرين، ومثال ذلك لجنة التمكين والتي تلقي القبض كل يوم وآخر على سياسيين بتهمة (تقويض النظام الدستوري) لمجرد إبداء آراء أو ممارسة فعل سياسي.
إن المرحلة الجديدة تتطلب إعادة ترتيب الأوراق، لإن مزيد من الإستقطاب سيؤدي لتأزيم الأوضاع وبلادنا لا تحتمل اي منزلقات حادة، دون أن نغفل ان هناك أجندة كثيرة خارجية وإقليمية تدفع فى إتجاهات خطيرة..

(3)
وهناك نقاط تشكل حجر الزاوية في الفعل السياسي : وأولها: أين الحكومة وحاضنتها السياسية من معاش المواطن، لقد قال الخبير الإقتصادي د. التيجاني الطيب ان الوضع الراهن أسوأ من (مجاعة سنة سته).. وهذا توصيف حصيف ومعبر، ولكن الأسوأ ان الحكومة لم تبد اي ردة فعل وتتعامل ببرود مع واقع يزداد بؤسا.. وربما نقرأ بعض الأمل مع افادة د. جبريل إبراهيم حين يقول (إن أولوية أي حكومة إنها الصفوف)..
ونقطة ثانية : إرساء القانون وتطبيق العدالة دون تشف أو تحيز أو إنتقام، وقد شهدنا خلال العام الماضي كيف يعبث بقيم العدل ويطوع القانون ليوافق هوي البعض ومبتغاهم ولا أزيد على ما قاله الفريق ياسر العطا رئيس لجنة التمكين عن لجنته (لقد صاحب عملها الكثير من الإنتقام والتشفي).. وهذا منطق لا يحقق مفهوم وطن يسع الجميع..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.