أعلن الحزب الشيوعي السوداني انسحابه من قوى الاجماع وقحت وكافة هياكل السلطة الانتقالية في المركز والاقاليم، ثم أضاف اليه الدعوة لإسقاط السلطة الحالية. أثار القرار ضجة سياسية كبيرة. يجتهد هذا المقال في تقديم قراءة موضوعية للانسحاب بمنهج ومنظور تحليلي ينتبه للإطار الأوسع ويركز على المشهد الكلي لواقعنا السياسي والاقتصادي. ينطلق التحليل من حقيقتين هامتين: أولهما ان الفترة الانتقالية هي نتاج ثورة عظيمة مهرت بالدماء والتضحيات ، وتعاني من صعوبات كبيرة، ذاتية وموضوعية، وثانيهما ان الحزب الشيوعي رقم أساسي في السياسة السودانية، لعب أدوارا مهمة في الماضي، وينتظر ان يقدم الكثير من الاسهامات مستقبلا.

انقلب الاسلامويين على النظام الديمقراطي في 1989، ونفذوا اخطر مشروع في تاريخنا الحديث. وهو مخطط كامل لإعادة صياغة المجتمع السوداني وفق منظورهم الحزبي الضيق. نتج عن ذلك تدمير حقيقي لكافة أوجه الحياة في بلادنا. وانتهي ما سمي بالمشروع الحضاري لينتج حكم دكتاتوري لفرد متسلط ، يحيط به مجموعة من اللصوص، ويحرسه جهاز امن عقائدي مجرم. وانفضحت امام شعبنا كافة أكاذيب الاسلامويين، وظهر عاريا مشروعهم كبرنامج رأسمالي طفيلي، لا يتورع عن نهب أي شيء بلا وازع من اخلاق.
قاوم شعبنا سلطة الانقلاب منذ اليوم الأول. وقدم تضحيات لا حصر لها، تواصلت خلال ثلاثين عاما كالحة. وتوج شعبنا نضالاته بثورة ديسمبر المجيدة، التي تواصلت لستة أشهر كاملة. انتصرت بسلميتها رغم آلة القمع الشرسة. وهزمت الثورة كل من راهنوا على مفاوضة النظام السابق ، أو المشاركة في انتخاباته المبرمجة في 2020. وكان للشباب والنساء دورا مركزيا في نجاح الثورة واسقاط رأس النظام، وهزيمة مسرحية تنصيب ابن عوف بديلا للبشير.
سيطرت اللجنة الأمنية للبشير على السلطة، وفرضت نفسها مجلسا عسكريا حاكما. وسعت سعيا محموما لإيجاد حاضنة اجتماعية ، لتكسبها شرعية مستحيلة. وحاولت فرض نفسها بقوة كسلطة حاكمة. ولكن خاب فألها وفرضت الجماهير عليها التفاوض مع قوى الحرية والتغيير. أدى توازن القوى وخلافات القوى السياسية لتوقيع وثيقة دستورية قننت أسس الشراكة بين قحت والمجلس العسكري. وقد كتب الكثير عن نواقص الوثيقة الدستورية، وعن دور ضغوط المجلس العسكري في اصدار وثيقة تعطيه دورا أكبر في تسيير الوطن. ولم يكتف المكون العسكري بما نال، بل صارت يتغول على حقوق الحكومة المدنية في مجالات الاقتصاد والسلام وإزالة التمكين والسياسة الخارجية. أما السلطة المدنية فقد كشفت عن مظاهر ضعف أساسية وهامة تشكل تهديدا حقيقيا لمجمل عملية التحول الديمقراطي في بلادنا.
هذا هو الوضع السياسي باختصار شديد. القضية الأساسية والضاغطة هي ما العمل؟
هل نستخدم كافة السبل والمناهج وأساليب الضغط لإصلاح قحت ووضع الحكومة المدنية في المسار الصحيح، وحصر المكون العسكري في المهام المحددة له في الوثيقة الدستورية؟
أم ندعو لرفض كل تلك الأساليب وحشد الشارع لإسقاط الحكومة المدنية؟
لقد تبني الحزب الشيوعي السوداني الخيار الثاني ، وقرر الخوض فيه حتى اسقاط الحكومة حسب كلمة الميدان بتاريخ 12 نوفمبر الحالي، حيث كتبت بعد ان عددت السلبيات المعروفة :
" خوض النضال مجددا لإسقاط سلطة النظام الحالي بشقيها المدني والعسكري وإقامة سلطة الشعب على انقاضها، وتمثل هذه الدعوة الخيار الوحيد لتحقيق مطالب واهداف الثورة".

قبل الاسترسال في مناقشة الخط المطروح من الحزب الشيوعي السوداني، لنتوقف لحظة لمناقشة اهم قضية تواجه بلادنا وهي قضية تفكيك النظام القديم ، وانجاز عملية التحول الديمقراطي، لتنعم بلادنا بديمقراطية راسخة ومستديمة.
تعريفي لعملية التحول الديمقراطي انها: " عملية معقدة بمعني انها تتطلب تحولات أبعد من مجرد تغيير وحيد، في آليات الحكم القديم لجعله أكثر تمثيلا. وانما تستلزم تغييرات مجتمعية شاملة وحقيقية على مختلف الأصعدة البنيوية والأطر التشريعية، للترسيخ لثقافة الديمقراطية ومؤسساتها وممارساتها وأساليب عملها".
هذا من الناحية النظرية، ولكن واقعيا يتحكم في عملية التحول الديمقراطي طريقة الوصول للسلطة: هل تمت بثورة استولت على كامل السلطة؟ أم جاءت بعد مساومة مع جزء من الدولة القديمة؟ أم قامت الدولة الدكتاتورية بتغيير جلدها وأضافت عليه قشرة ديمقراطية شكلية؟ والأهم، بعد طريقة استلام السلطة، ان عملية التحول الديمقراطي لا تسير في خط مستقيم من انتصار لآخر. بل تتعرض للصعود والهبوط ، كنتاج للصراع المستمر والذي يتخذ اشكالا متنوعة، حسب توازن القوي بين قوى الثورة ومكونات الدولة العميقة الممسكة بجهاز الدولة، وأخيرا مدى توحد قوى الثورة وتمسكها بإنجاز أهدافها. كما ان الجماهير بتطلعاتها الكبيرة تحبط ، بسرعة، عندما لا ترى تغييرا ملموسا في حياتها، وهو ما تكرر في بلادنا عدة مرات ، ويتكرر حاليا ، بشكل حاد ، ويؤدي للدعوات الغاضبة والمتعجلة لنسف كل ما تحقق.
كل هذا يوضح ان عملية التحول الديمقراطي حسب تجارب شعبنا السابقة، وحسب التجارب العالمية ليست سهلة. وان تكتيكات قوى الثورة تلعب دورا أساسيا في تخطي المصاعب عن طريق حوارات جادة ، تلتزم ببرنامج الحد الأدنى المتفق عليه. وأن تحدد قوى الثورة أسس واضحة للعمل الجبهوي، وآليات محددة لها المقدرة على تصحيح المسار والنهج، عندما تحدث انحرافات أو انتكاسات. والأهم ان يتم كل ذلك بعيدا عن تسلط أي فئة أو تيار أو حزب سياسي، وإنما في إطار توفق رغم ما يطرأ من خلافات حول الأولويات أو أساليب العمل.
رغم كل الأزمات والانتكاسات، وتدهور مستوى المعيشة بشكل لا يطاق، ولانعدام الامن داخل المدن وخارجها، وتفجر الصدامات القبلية بشكل مخيف، والسيطرة شبه الكاملة للمكون العسكري على مقاليد الحكم: هل وصلت الثورة لطريق مسدود، وانه لا حل سوى اسقاط الحكومة العسكرية والمدنية معا؟
هل تخلى الحزب الشيوعي عن ارثه النضالي المشهود في إقامة ودعم التحالفات ، منذ أيام النضال ضد الاستعمار ومرورا بكل الحقب السياسية التي مرت على بلادنا؟
هل حدد الحزب الشيوعي حلفاء الاصطفاف الجديد؟ واتفق معهم عبى شكل البديل للحكومة الحالية؟
هل السودان الذي نعرف، والذي يتميز بالتعددية السياسية والقبلية والطائفية والجهوية ، وبصراعاته التي لا تنتهي، يمكن فيه خلق اصطفاف جديد أفضل من تحالف قوى الحرية والتغيير، التي ضمت أكثر من ثمانين تنظيما، واجمع عليها اغلب شعبنا، اصطفاف لا توجد فيه مشاكل أو صراعات؟
هذه بعض الأسئلة التي سأناقشها في المقال القادم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.