بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تحت هذا العنوان كتبت الناشطة الصحفية بثينة تروس مقالا على صفحات سودانايل بعنوان:" كمالا .. ما تركتي للفقهاء على النساء سلطان !! ، نشر بتاريخ: 12 تشرين2/نوفمبر 2020)،هللت فيه لانتخاب مرشحة الحزب الديمقراطي نائباً لريس الولايات المتحدة (السينتور: كمالا هاريس) ،ولكن يبدو أن الكاتبة كما يوحي عنوان مقالها-هدفت الى الهجوم على الشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية. فركزت على دور المرأة المعاصرة وما بلغته من تطور على مستوى العالم، ونعت تردي أوضاع المرأة في المجتمع السوداني رغم ما بذلته من جهود،وارجعت ذلك الى الساسة السودانيين الرجال ،الذين-كما تقول الكاتبة- تغولوا علي الحريات والممارسة الديموقراطية السليمة ،بفهم القوة المتوارث، والفهلوة، والسيادة الطبقية الدينية، والثروة، والسند العشائري القبلي .ولم توفرالكاتبة جهداً -شأن كثير من الكتاب الليبراليين هذه الأيام -في التركيز على وضع المرأة في عهد الانقاذ، حيث ظلت رهينة-وفق قول الكاتبة- لما كبلها به المجتمع ،من إرث ثقافي وقبلي، وقيود مجتمعية ، ،ودللت على ذلك بأنَّ نساء الإنقاذ اللائي كن رهينات لربقة منظومة الفقهاء، ورجال الدين، والفهم السلفي، لم ينددن بقوانين النظام العام المهينة لكرامة المرأة،والتي أتهمت المرأة زوراً وبهتاناً، بمخالفة الآداب العامة والزي الفاضح، فجلدتها وشهرّت بها .ومضت الكاتبة الى القول بأنًّ عجلة التطور سوف تدهس كل من يقف حجرة عثرة أمام المرأة، بما في ذلك الساسة، الذين يستندون علي كهنوت الفقهاء ورجال الدين.. ودعت الى أن تتحرك عجلة التطور الديني، في الفكر، بنفس سرعة الإنسانية المعاصرة، لتجابه اشكالات حاضر البشرية، فليس من المعقول تخيل قوانين الشريعة الإسلامية المتوارثة منذ القرن السابع، علي تمام حكمتها في ذلك العهد، لا يمكن تخيل أنها سوف تقدم اليوم حلولاً للنساء المتقدمات، مسلمات أو من شاكلة كمالا هاريس نائب رئيس الدولة، والمحامية. وذكرت الكاتبة من تلك المشكلات التي عجزت الشريعة الإسلامية عن التعامل معها وتحتاج الى حلول: مشكلة الشهادة ،حيث تعامل الشريعة شهاة المرأة بنصف شهادة الرجل، الى غير ذلك من القضايا التي يتضمنها قانون الأحوال الشخصية، حيث الضرب، والتأديب، والهجران في المضاجع وعدم الكفاية في الحقوق ، وانهن( اي النساء)، لسن أهلاً للتصرف في أدق شئونهن الخاصة، ألا وهو عقد زواجهن، وعصمتهن، وطلاقهن، وأنًّ المراة لا يمكن أن تتزوج الا اذا باشر عقد قرآنها رجل، اذ لاتجوز ولايتها علي نفسها لأنها قاصر، ومطلق رجل أكمل منها. يضاف الى ذلك أن ما يفهمه هؤلاء الفقهاء، من الشرع، والعدل الالهي، أن نصيب المرأة في من تختار زوجاً الربع منه فقط، وللرجال حق الزواج من الأجنبية غير المسلمة ومحرم عليها المثل، وقس على ذلك.
وبداية فإن استخدام كلمة كهنوت في وصف الفقهاء، وصف يدل على عدم معرفة الكاتبة بمضمون هذا المصطلح والظروف التاريخية والبيئية التي واكبت ظهوره ، اذ من المعلوم أن الكهنوت مصطلح ارتبط بالكنيسة النصرانية التي ادعت انها تتحدث باسم الله، وأن قول القائمين عليها قول معصوم لا سبيل الى الطعن فيه أومخالفته ولا مراجعته،ومعلوم أن الفقهاء في التاريخ الإسلامي ،لا يدعي احد منهم العصمة ولا يطمح الى بلوغ هذا المكانة، حتى يوصفوا بهذه الصفة.ولا يقل وصف "رجال الدين"، في هذا السياق عن وصف كهنوت ،فليس في الإسلام "رجال دين"، بالمفهوم الكنسي الذي ينسب لرجال الدين فيه العصمة، ويتحدثون باسم الله . وغاية ما يبلغه الفقيه في الإسلام ،انه رجل دارس لعلوم الشريعة،وانه مجتهد في الأحكام ، يقدم آراءه التي هي عرضة للقبول اذا كانت حجته مقنعه، والا رفض رأيه ورُدًّ ما توصل اليه،وفي كل الأحوال ليس للفقيه ولا "رجل الدين"، في الإسلام دور في علاقة المسلم بربه..
اما القول بأنًّ الشريعة الإسلامية عاجزة عن تقديم حلول لمشاكل المرأة المعاصرة ،فهذا زعم لم تبتدعه الكاتبة،بل هو افتراء سبق اليه زعيم الجمهوريين،بمقالته أن الإسلام لا يصلح لإنسانية القرن العشرين ،بدعوى أن البشرية تقدمت في هذا العصر الى درجة لا يصلح لها إسلام القرن السابع ،فالكاتبة لم تزد على ترديد مزاعم الجمهوريين ،والمجال لا يتسع لمناقشة هذه المقولة وبيان ضعفها ووهن ما بنيت عليه من حجج. فواقع الانسانية الآن وتخلفها في معظم المجالات التي يتميز بها الانسان كانسان،وتردي المجتمعات المعاصرة في علاقاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ،رغم تقدمها في مجال العلوم التجريبية، تكفي لدحض هذا الزعم.
.اما الدعاوى التي اشارت اليها الكاتبة فقد سبق أن عالجها المعلق، في مقال نشر بسودان نايل منذ فترة بعنوان:( قضايا المرأة في المنظور الاسلامي، نشر بتاريخ: 09 آب/أغسطس 2020م)، حيث عرض للشبهات التي اثيرت حول وضع المرأة في الإسلام ،من بينها ما ذكرته الكاتبة حول شهادة المرأة،وميراثها وهضم حقوقها في الزواج والطلاق وغيرها، ولفائدة القراء نورد فيما يلي بعضاً مما ورد في المقال حول القضايا التي اثارتها الكاتبة.
شهادة المرأة : قد ذهبت الكاتبة الى ظلم الشريعة للمرأة في جعل شهادتها نصف شهادة الرجل ،وضربت مثلاً لذلك "بكمالا هاريس" ،واستنكرت على الشريعة ان تجعل شهادة حارسها الخاص، لمجرد أنه رجل، في المحكمة، أقيم من شهادتها لأنها أمرأة، حيث سيطلب منها أن تأتي بأمرأة أخرى لتعدّل شهادتهن شهادة ذلك الحارس الأمين.
وليست الكاتبة اول من اتهم الإسلام بأنَّه انتقص من قدر المرأة وجعلها نصف إنسان، حينما جعل شهادتها تعدل نصف شهادة الرجل،ويستشهد هؤلاء دوماً بما ورد في سياق ما عرف بآية الدين،وتوجيه المدين من الاستيثاق من سداد دينه،حيث يقول الله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) البقرة: 282.
ومصدر الشبهة -كما يقول د.محمد عمارة- هو الخلط بين " الشهادة" و"الإشهاد"،الذي تتحدث عنه الآية، فالآية تتحدث عن الإشهاد الذي يقوم به صاحب الدين،للاستيثاق من الحفاظ على دينه،وليس عن "الشهادة"، التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين. فهذه الآية موجهة لصاحب الحق –الدين،وليس إلى القاضي الحاكم في النزاع.. بل إنَّ هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق-دين-و لا تشترط من مستويات الإشهاد وعدد الشهود في كل حالات الدين.. وإنما تتوجه إلى دائن خاص،وفي حالات خاصة من الديون،لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية.وتضع لها شروطاً خاصة ليست بمطلوبة في التجارة الحاضرة .. و لا في المبايعات.
أما الشهادة التي يعتمد عليها القضاء في اكتشاف العدل المؤسس على البينة،واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم،لا تأخذ من الذكورة أو الأنوثة معياراً لصدقها أو كذبها،ومن ثم قبولها أو رفضها.. وإنَّما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة،بصرف النظر عن جنس الشاهد،ذكراً أكان أو أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود.. فللقاضي إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البيِّنة، أن يعتمد شهادة رجلين،أو امرأتين،أو رجل وامرأة،أو رجل وامرأتين،أو امرأة ورجلين،أو رجل واحد،أو امرأة واحدة.. و لا أثر للذكورة أو الأنوثة في الشهادة التي يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له البينات." ، عن التحرير الإسلامي للمرأة ( محمد عمارة) ص:119.(
وقدذهب إلى هذا الرأي عدد من العلماء المجتهدين قدامى ومعاصرين أمثال: ابن تيمية،وتلميذه ابن القيم من القدماء،والشيخ محمد عبده،والشيخ محمود شلتوت من المحدثين المعاصرين.يقول ابن تيمية فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم:" إن القرآن لم يذكر الشاهدين،والرجل والمرأتين في طرق الحكم.التي يحكم بها الحاكم،,إنما ذكر النوعين من البيانات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه،....فأمرهم سبحانه ،بحفظ حقوقهم بالكتابة،وأمر من عليه الحق أن يملي الكاتب،فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه، أملى عنه وليُّه.ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين،فإن لم يجد فرجل وامرأتان.ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن اقامتها إذا طلبوا لذلك.ثم رخص لهم في التجارة الحاضرة ألا يكتبوها.ثم أمرهم إذا كانوا على سفر،ولم يجدوا كاتباً، أن يستوفوا بالرهان المقبوضة.كل هذا نصيحة لهم،وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم. وما تحفظ به الحقوق شيء وما يحكم به الحاكم( القاضي) شيء.فإنَّ طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين. ثم ذكر ابن تيمية عدداً من حالات البينات والشهادات، التي يجوز للقاضي –الحاكم-الحكم بناءً عليها،فقال:" إنَّه يجوز للحاكم- القاضي- الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه،في غير الحدود،ولم يوجب الله على الحكام ألا يحكموا إلا بشاهدين أصلاً.وإنًما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين،أو بشاهد وامرأتين.وهذا لا يدل على أنَّ الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك.بل قد حكم رسول اللهﷺ بالشاهد واليمين،وبالشاهد فقط،وليس ذلك مخالفاً لكتاب الله عند من فهمه،و لا بين حكم الله وحكم رسوله خلاف..وقد قبل النبي شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان.وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخبار،لا شهادة،أمر لفظي لا يقدح في الاستدلال،ولفظ الحديث يرد قوله. وأجاز ﷺ،شهادة الشاهد الواحد في قضية السلب،ولم يطالب القاتل بشاهد آخر،و لا استحله".( المرجع نفسه ص:98، 113، 123. (
وعللَّ ابن تيمية حكمة كون شهادة المرأتين في هذه الحالة –تعدل شهادة الرجل الواحد،بأنَّ المرأة ليست مما يتحمل عادة مجالس وأنواع هذه المعاملات. لكن إذا تطورت خبراتها وممارساتها وعاداتها،كانت شهادتها-حتى في الإشهاد على حفظ الحقوق والديون-مساوية لشهادة الرجل فقال:" و لا ريب أنَّ الحكمة في التعدد، هي في التحمل. فأما إذا عقلت المرأة،وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها فإنَّ المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات،ولهذا تقبل شهادتها وحدها في مواضع.ويحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين،وهو قول مالك،وأحد الوجهين في مذهب أحمد .. والمقصود أنَّ الشارع لم يقف الحكم في حفظ الحقوق البتة على شهادة ذكرين،لا في الدماء و لا في الأموال و لا في الفروج و لا في الحدود.. وسر المسألة ألا يلزم من الأمر بالتعدد في جانب التحمل وحفظ الحقوق، الأمر بالتعدد في جانب الحكم والثبوت.فالخبر الصادق لا تأتي الشريعة برده أبداً" ) إعلام الموقعين عن رب العالمين ج1 ص:90-92 ، 95 ، 103-104 طبعة بيروت 1973م..(
وإلى مثل هذا ذهب الشيخ محمد عبده والشيخ شلتوت .فقد أرجع الشيخ محمد عبده تميز شهادة الرجال على هذا النحو-الذي تحدثت عنه الآية-على شهادة النساء ،إلى كون النساء-في ذلك التاريخ كنَّ بعيدات عن حضور مجالس التجارات،ومن ثم بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات في هذه الميادين.. وهو واقع تاريخي خاضع للتطور والتغيير،وليس طبيعة و لا جبلة في جنس النساء على مر العصور.واستبعد الشيخ محمد عبده ما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن العلَّة في استبعاد شهادة المرأة في المسائل المالية،يعود إلى ضعف ذاكرة المرأة. يقول الشيخ محمد عبده:" تكلم المفسرون في هذا،وجعلوا سببه المزاج،فقالوا إنَّ مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان،وهذا غير متحقق،والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات،فلذلك تكون ذاكرتها ضعيفة،و لا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها،فإنَّها أقوى ذاكرة من الرجل،يعني أنَّ من طبع البشر ذكراناً وإناثاً،أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها." ( الأعمال الكاملة للأستاذ محمد عبده ج 4 ص:732. دراسة وتحقيق د.محمد عمارة طبعة القاهرة 1993م.(
أما الشيخ شلتوت فيقول:" إنَّ قول الله،سبحانه وتعالى:( فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ )،ليس وارد في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم.وإنَّما هو في مقام الارشاد إلى طريق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل: ولأن الآية( آية الدين)،واردة في مقام استيثاق على الحقوق، لا مقام قضاء بها.والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقها. وليس معنى هذا أنَّ شهادة المرأة الواحدة،أو شهادة النساء اللائي ليس معهن رجل ،لا يثبت بها الحق،و لا يحكم بها القاضي.فإنَّ أقصى ما يطلبه القضاء هو البيِّنة. ثم أكد ما ذهب إليه ابن القيم والشيخ محمد عبده قائلاً:" هذا وقد نص الفقهاء على أنَّ من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها،وهي القضايا التي لم تجر العادة باطلاع الرجال على موضوعاتها،كالولادة والبكارة وعيوب النساء،والقضايا الباطنية. وعلى أنَّ منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده،وهي القضايا التي تثير موضوعاتها عاطفة المرأة و لا تقوى على تحملها.على أنَّهم رأوا قبول شهادتها في الدماء إذا تعينت طريقاً لثبوت الحق واطمئنان القاضي إليها. وعلى أنَّ منها ما تقبل شهادتهما معاً" .وقد أكد شلتوت رأيه بالاشارة إلى ما نص عليه القرآن على التسوية بين الرجل والمرأة في شهادات اللعان، حينما يتهم الرجل زوجته بالزنا، وليس له على ما يقول شهود: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ ، عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) النور:6-9 .فقد نص القرآن الكريم على أن يشهد الرجل أربع شهادات يعقبها استمطار لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.ويقابلها ،ويبطل عملها، أن تشهد المرأة أربع شهادات،يعقبها استمطار غضب الله عليها إن كان من الصادقين.فهذه –كما يقول الشيخ شلتوت-عدالة الإسلام في توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة ،وهي عدالة تحقق أنَّهما في الإنسانية سواء" .الإسلام عقيدة وشريعة ( محمود شلتوت) ص:239-241 بتصرف. طبعة القاهرة 1400/1980.وهكذا نجد ان شهادة المرأة قد تساوي شهادة الرجل او تتقدم عليه،ومن ثم فإن ما ذهبت اليه الكاتبة من ان شهادة المرأة نصف شهادة الرجل يحتاج الى مراجعة وتدقيق.

الميراث: ذهبت الكاتبة الى أن الشريعة تقضي بأن نصيب المرأة في من تختار زوجاً الربع منه فقط، وهذا صحيح لما ورد في قوله تعالى:( ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ)، النساء :12.
وقبل ان نتناول رؤية الإسلام للميراث، لا بد من الإشارة إلى أنَّ الإسلام هو أول نظام يثبت للمرأة نصيباً من الميراث من أبيها وأخيها وزوجها وأرحامها،بعد أن لم يكن لها شيء من الميراث قبل هذا في النظم الأخرى.وبهذا أوقف الإسلام الظلم التاريخي الذي لحق بالمرأة من جراء حرمانها من الميراث وأنقذها من بعض النظم التي جعلتها هي نفسها جزءاً من الميراث الذي يتداول. يقول الله تعالى مؤكداً حق الرجال والنساء في الميراث :( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً) النساء:7.
كما لابد من بيان الفلسفة التي يقوم عليها نظام الميراث في الإسلام والمعايير التي تحكمه.ذلك أنَّ التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات تحكمه ثلاثة معايير:
أولها: درجة القرابة بين الوارث –ذكر أو أنثى-وبين المورَّث-المتوفى-فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث. وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب في الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين.
ثانيهما: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال.. فالأجيال التي تستقبل الحياة،وتستعد لتحمل أعبائها،عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة وتتخفف من أعبائها،وتصبح أعباؤها عادة مفروضة على غيرها،وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات-فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه-وكلتاهما أنثى-بل وترث البنت أكثر من الأب-حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها.
ثالثها:العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين..وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتاً بين الذكر والأنثى.. لكنه تفاوت لا يفضي إلى أي ظلم أو انتقاص من إنصافها.
ففي حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون في درجة القرابة.. واتفقوا وتساووا في موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال-مثل أولاد المتوفى-ذكوراً وإناثاً-يكون تفاوت العبء المالي هو السبب في التفاوت في أنصبة الميراث ولذلك لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى في عموم الوارثين،وإنما حصره في هذه الحالة بالذات فقالت الآية القرآنية: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) النساء:11،ولم يقل يوصيكم الله في عموم الوارثين.
والحكمة في التفاوت هنا تنطلق من القاعدة التي يقوم عليها نظام الميراث في الإسلام " الغنم بالغرم" بمعنى أن الحقوق يجب أن تتناسب مع الواجبات وإلا اختل ميزان العدل ، فالإسلام وهو يعطي المرأة نصف ما يعطيه للرجل – هو في الواقع يفضلها على الرجل،لأنَّ الإسلام يعفي المرأة من تبعات الإنفاق على الأسرة.فالرجل هو الذي يتحمل تبعة الإنفاق على الأسرة،ومنها المرأة،سواء أكان أباً لها ،أو زوجاً أو اخاً أو إبناً،كما أنَّه هو الذي يعطي المهر للمرأة ،وما تحصل عليه المرأة من ميراث أو مهر تدخره لنفسها و لا تكلف بإنفاق شيء منه- بينما ما يحصل عليه الرجل ينفق منه على المرأة –بنتاً له أو زوجةً أو اختاً أو أماً.
أمَّا إذا سقطت الواجبات في الانفاق، وخفت التبعات والمسؤوليات المالية،عندئذ تصبح الحصة في الميراث متساوية بين الذكر والأنثى،ومن ذلك:
• حال الأبوين اللذين يرثان أولادهما وكان للمتوفى ولد ذكر فلكل منهما السدس،يقول تعالى:( وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ) النساء:11.
• حال الاخوة لأم إذ يسوى بينهم في الميراث ذكوراً وإناثاً.فإن كان الوارث واحد أخ أو أخت فلكل منهما السدس،وإن كانوا أكثر من واحد فهم يشتركون في الثلث يوزع عليهم بالتساوي.( وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ) النساء:12.
ففي هذه الحالات ليس على الوارثين أعباء و لا مسؤليات، لذلك تساوى فيها حق الرجل والمرأة في الميراث.مما يدل على أنَّ الزيادة في ميراث الرجل على المرأة، ليست لتمايز جنس الرجل والمرأة ،أو للمفاضلة بينهما. بل إنَّ استقراء حالات الميراث ومسائله يكشف ما يأتي:
1. إنَّ هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.
2. وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة مثل الرجل تماماً.
3. وهناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.
4. وهناك حالات ترث فيها المرأة و لا يرث نظيرها من الرجال
أي أنَّ هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل،أو أكثر منه، أو ترث هي و لا يرث نظيرها من الرجال ،في مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل.(د.صلاح سلطان: (ميراث المرأة وقضية المساواة) ص:10،46 طبعة دار نهضة مصر "سلسلة في التنوير الإسلامي"-القاهرة 1999). ومن هنا ندرك الحكمة من توزيع الميراث بالصورة التي بينها القرآن،ومنه يتبين ان ميراث الزوجة مقدر على اساس العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين..وهذا هو احد المعايير التي ينتج عنها تفاوت بين الذكر والأنثى.. لكنه تفاوت لا يفضي إلى أي ظلم أو انتقاص من إنصاف الوارث.
اباحة الزواج للمسلم من الكتابية العفيفية،وعدم اباحة زواج المسلمة من الكتابي :ومما اعترضت عليه الكاتبة في الشريعة الاسلامية، أن الشريعة اباحت للرجال حق الزواج من الأجنبية غيرالمسلمة،وحرمت ذلك على المرأة ، وحقيقة فقد أجازت الشريعة للرجل الزواج من الكتابية العفيفة،وليس مطلق اجنبية،بل حرمت زواج الرجل المسلم من المشركة، كما حرمت زواج المسلمة من المشرك، (وَلَا تَنكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) البقرة:221. أما اباحة الزواج للرجل من الكتابية العفيفة، فقد ورد في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) المائدة: 5.
وإنما أجاز الإسلام للمسلم أن يتزوج يهودية أو نصرانية، ولم يُجز للمسلمة أن تتزوَّج بأحدهما؛ لأن الكتابية حين تتزوج بمسلم ، تتزوج برجل يؤمن بنبيها ، بل وبسائر أنبياء الله ، ولا يكون مسلماً إلا بهذا ، ولا يحل له أن يفرِّق بين أحد من الرسل عليهم السلام ، قال تعالى : ( آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) البقرة/285 ، أما اليهودي أو النصراني، فلا يعترف أدنى اعتراف بالإسلام، ولا بكتاب الإسلام، ولا برسول الإسلام. فكيف يمكن أن تعيش في ظلِّه امرأة مسلمة يطالبها دينها بشعائر وعبادات، وفروض وواجبات، ويشرع لها أشياء، ويحرم عليها أشياء؟!
كما أن الإسلام قد ضمن للزوجة الكتابية في ظل الزوج المسلم حرية عقيدتها، وصان لها بتشريعاته وإرشاداته حقوقَها وحرمتها.ولكن الديانة النصرانية أو اليهودية لا تضمن للزوجة المخالِفة في الدين أي حرية، ولم تصُن لها حقها، فكيف يغامر الإسلام بمستقبل بناته، ويرمي بهن في أيدي من لا يرقبون في دينهن إلًّا ولا ذِمَّة؟!
ومن هنا كان الإسلام منطقيًّا مع نفسه، حين حرَّم على الرجل المسلم أن يتزوج وثنية مشركة؛ لأن الإسلام ينكر الشرك والوثنية كل الإنكار، فكيف يتحقق بينهما السكون والمودة والرحمة؟!.كما حرم على المسلمة أن تتزوج من يهودي أو نصراني،لما سبق أن ذكر.
أخيرا ؛ فإن هذا الحكم ليس غريبا على الأديان الأخرى ، ولا أمرا شاذاً تفرد به الإسلام، بل نجد نفس الموقف تقفه النصرانية واليهودية من المخالفين لهم في المعتقد ومن بينهم المسلمين ،فالنصارى ينص كتابهم المفدس على ان من موانع الزواج تحريم الزواج بين المسيحيين وغير المسيحيين( الرسالة الأولى إلى كورنتس 14/6 ) ،بل انهم لا يزوجون بعضهم بعضاً اذا اختلف المذهب ،فالكاثوليكي لا يستطيع أن يتزوج بامرأة بروتستانتية ، وإن تجرأ على ذلك عوقب من قبل الكنيسة ، والعكس بالعكس ! . وكذلك اليهود فانهم لا يجيزون زواج اليهودي من الأغيار،بل يقولون ان الدين والمذهب شرط في عقد الزواج،واذا كان احد الزوجين من غير الدين او من مذهب آخر فلا يجوز العقد بينهما ،والا كان الزواج باطلاً".ويعلل بعض احبارهم هذا الحكم بقوله:" انما حرمت التوراة عليهم مناكحة غيرهم من الامم لئلا يوافقوا ازواجهم في عبادة الاصنام والكفر بالله سبحانه وتعالى"،وفسر بعضهم التحريم بسبب أن اليهود جنس مختار ،ونسلهم مقدس وينبغي الا يتنجس بمخالطة الاممين" وفي دولة اسرئيل التي تدعي العلمانية قدم مشروع قانون يمنع على المواطنين والمستوطنين اليهود رجالاً ونساءً أن يتزوجوا من غير اليهود في اسرائيل او خارجها ،وكل زواج مختلط من هذا النوع فهو غير معترف به قانونا"
عدم زواج المرأة من غير ولي : هناك خلاف بين الفقهاء في اشتراط الولي في عقد النكاح،وقد ذهب الاحناف الى ان المرأة العاقلة البالغة لها الحق في مباشرة العقد لنفسها بكرا كانت او ثيبا ،ويستحب ان تكل عقد زواجها لوليها صوناً لها من التبذل اذا هي تولت العقد بمحضر من الرجال الاجانب عنها،وليس لوليها العاصب حق الاعتراض عليها الا اذا زوجت نفسها من غير كفؤ او كان مهرها اقل من مهر المثل.واستدل الأحناف بما يلي:
1- قول الله تعالى"فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ"
2- وقوله تعالى :(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ"، ففي هاتين الآيتين،إسناد الزواج الى المرأة،والأصل في الإسناد أن يكون الى الفاعل الحقيقي.
3- ثم إن المرأة تستقل بعقد البيع وغيره من العقود فمن حقها ان تستقل بعقد زواجها،اذ لافرق بين عقد وعقد.
واحاديث اشتراط الولاية في الزواج تحمل على ناقصة الأهلية،كأن تكون صغيرة او مجنونة.. وتخصيص العام،وقصره على بعض افراده بالقياس جائزعند كثير من اهل الأصول.( انظر: فقه السنة،سيد سابق،ج2 ص:88-89).
واخيرا عرضت الكاتبة لقانون الاحوال الشخصية ، حيث الضرب_كما تقول-، والتأديب، والهجران في المضاجع وعدم الكفاية في الحقوق ، وانهن لسن أهلاً للتصرف في أدق شئونهن الخاصة، الا وهو عقد زواجهن، وعصمتهن، وطلاقهن.
وقانون الاحوال الشخصية في جملته وضع من أجل إقامة مجتمع معافى وأسرة مستقرة،وعلاقات إجتماعية نظيفة،وان اخطا القائمون على تطبيقه، فليس هذا ذنب الإسلام ولا يقدح في صلاحيته.وهو يقوم على أمرين: 1-بناء الاسرة على اسس مستقرة ،ومعالجة ما تتعرض له الاسرة والمجتمع من تحديات،وعقبات .
ومسالة تاديب المرأة الذي ورد في قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) النساء: 34 .يدخل في مواجهة العقبات التي تعترض بناء الأسرة وتهدد بتصدعها،فالشريعة مقصدها الأسمى مصالح العباد،و الأصل في عقد الزواج وفقاً للشريعة المحبة والرحمة، يقول تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)الروم:21،كما أنَّ الأساس في الزواج الاستقرار والدوام، وأنَّه في الأصل عقد مؤبد لا يجوز فيه التأقيت بوقت محدد،وأي شرط لتقييده يعتبر شرطاً لاغياَ.لكن رغم ذلك قد تنشأ بين الزوجين بعض الخلافات التي تعود إلى اختلاف الطباع والعادات والرغبات والمصالح والأمزجة.أو إلى سوء اختيار أحد الزوجين للآخر.ولذا وضع الإسلام تشريعاً محكماً لعلاج ذلك، رعاية لمصلحة الفرد والجماعة.وهو تشريع عادل يتدرج على مراحل ،ولو التزم الناس به لسعدوا جميعاً ،ولم يشعروا بشيء من الغبن والظلم. وهذا التشريع يلتزم الخطوات التالية:.:
1- يطالب الإسلام إبتداءً كلاً من الرجل والمرأة أن يحسن اختيار صاحبه عند الاقدام على الزواج.
2. -يطلب من الطرفين استشعار مسئوليته نحو الآخر،ونحو ثمرة الزواج وهم الأولاد: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا."
3. -عند ظهور بوادر الخلاف،بين الزوجين، ينبغي على كل من الطرفين أن يتحلى بالصبر ،ويحاول تجاوز الخلاف،واصلاح ذات البين : (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء:19، " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي غيره".
4. -ان بلغ الأمر درجة ترفعت فيها المرأة عن طاعة زوجها،واصبحت ناشزاً،فينبغي ان ينصحها بالكلمة الطيبة،فإن لم يجد ذلك معها فليجرب اسلوب الهجر في الفراش, وعدم القرب منها،, فإن لم يؤثر فعل الهِجْران, فاضربوهن ضربًا لا ضرر فيه, فإن أطعنكم فاحذروا ظلمهن, فإن الله العليَّ الكبير وليُّهن, وهو منتقم ممَّن ظلمهنَّ وبغى عليهن.( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ) النساء:(34)وهذا وسائل تتخذ داخل الأسرة، ويرشد الاسلام الى اتباعها علها تفلح في رأب الصدع وتقويم الخلل،فيبدأ بالموعظة والتناصح بين الزوجين وقد ترقى الى درجة الهجر في المضجع ،وان لم تجد هذه الوسائل يطلب الإسلام اللجو الى الضرب.فيى الخلاف حول مسألة ضرب الزوجة الناشز خلاف واسع بين الفقهاء حول طبيعة هذا الضرب ومعناه،وكيفيته ومن يقوم به وهل هذا التعامل مع كل إمرأة ناشز تختلف مع زوجها ،او مع ناشز بلغ بها النشوز والعصيان درجة خرجت بها عن السوك القويم ،فهناك من اباحه ولكن لم يجروء على القول بوجوبه،لما يقابله من احاديث للرسول صلى الله عليه وسلم تنهى عن ضرب النساء وذم من يقوم بذلك، و قوله صلى الله عليه وسلم، في الضاربين لنسائهم: "ولا تجدون أولائكم خياركم"!، فالذين يضربون النساء ليسوا خيار المسلمين وفقاً لرسول الله الذي روي عنه أنه قال: " خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي"،كما ان ضرب المرأة، يناقض أيضاً سيرة الإسلام في احترام وتحرير وتكريم المرأة خاصةً والإنسان عموماً، كما يناقض سيرة النبي ﷺ مع زوجاته وتوجيهاته النبوية الصريحة التي تنهى عن ضرب النساء، فإذن الإسلام يقول ليس الرجل الكريم هو الذي يضرب. بل ذهب بعضهم الى الخروج من هذا الخلاف بتفسير الضرب على غير ما هو متعارف عليه من دلالة كلمة الضرب "فقالوا بان الكلمة تعني في غالبها المفارقة، والمباعدة، والانفصال والتجاهل خلافاً للمعنى المتداول الآن لكلمة (ضرب )" وعليه فقد قرر بعض المحبين دثين بأن الضرب المعني في الآية " يفيد المباعدة والانفصال والتجاهل" ولا يفيد الضرب بمعناه المتعارف عليه بين الناس.(انظر: القول الفصل في معنى (واضْرِبُوهُنَّ) .. بقلم: محمود عثمان رزق،18 كانون1/ديسمبر/2018 Sudanile).
5. -إذا تطور الخلاف بين الزوجين،وجب ادخال الأقارب لإزالة أسباب الخلاف: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) النساء:35
6- وإذا فشل الطرفان في رأب الصدع واعادة المياه إلى مجاريها،وشقَّ على الزوجين الاستمرار في الحياة الزوجية ،أبيح للرجل أن يطلق زوجته طلقة واحدة رجعية- تمكث المرأة في بيت الزوجية لمدة ثلاثة أشهر تقريباً،وذلك من أجل أن يراجع كل من الزوجين موقفه، وتكون هناك فرصة لعودة المياه إلى مجاريها.و لا يصار إلى الطلاق إلا بعد طرق جميع أبواب الإصلاح،وفشل كل الوسائل المؤدية إلى الوفاق،والتأكد من استحكام النفور بين الزوجين واستحالة العشرة بينهما. ومع أنًّ الإسلام أباح الطلاق في هذه الحالة،إلا أنَّه لا يرضى عنه بل يذمه وينفر منه،فيقول الرسول :" أبغض الحلال إلى الله الطلاق". ويقول أيضاً: " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة،فإنَّ الله لا يحب الذواقين والذواقات". لذلك اختلف الفقهاء في حكم الطلاق ،هل هو مباح أم محظور؟ والأصح ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة وهو الحظر إلا لحاجة أو ضرورة فيباح.جاء في الهداية: " والأصل فيه الحظر لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية،والاباحة للحاجة إلى الخلاص ،وقال الإمام مالك :"الأصل في الطلاق الحظر والاباحة لحاجة الخلاص"
والسؤال الذي يثيره البعض ومن بينهم كاتبة المقال ،لماذا جعل الطلاق بيد الرجل.فحقيقة ليس في ذلك تمييزاً للرجل على المرأة،كما توهمت الكاتبة ،ولرفع هذا الوهم يمكن القول بأن الإسلام في هذه المسألة راعى ما يأتي:
1. إنَّ الرجل تقع على عاتقه المسؤولية عن الأسرة ،وهو المكلف بالانفاق عليها،فمن الطبيعي أن يكون له الحق في الإبقاء على الزواج أو عدمه.
2. إنَّ معظم الرجال بحكم طبيعتهم التي خلقهم الله عليها أبعد ما يكونوا عن التأثر بالغضب العارض،والنفور الطاريء،وينبغي أن يكونوا أكثر اتزاناً في تقدير عواقب الأمور،خلافاً لكثير من النساء اللائي تتحكم فيهن العواطف والإنفعالات الوقتية.فلو أسند حق الطلاق ابتداء الى المرأة ، لقضي على كثير من الأسر لمجرد غضب عارض ،أو انفعال طارىء.
وانصافاً للمرأة أعطاها الإسلام الحق في انهاء رابطة الزواج ،حتى لا تضار إذا اكتشفت أنَّ زوجها سيء العشرة،أو ذا عيب يمنع دوام الحياة الزوجية:
• فلها الحق-كما يقول الحنفية- أن تشترط في عقد الزواج أن يكون الطلاق بيدها، ويتأكد هذا لديهم إذا ابتدأت المرأة بهذا الشرط فقالت: زوجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي أطلق نفسي كلما شئت، فقال الزوج: قبلت.. ومن ثم يكون أمرها بيدها.
• كما لها الحق في التخلص من زوج لا ترغب فيه،بأن تتفق معه على دفع مبلغ من المال مقابل تطليقها،وهو المسمى بالخلع،وهذا المال يعد تعويضاً للرجل عن المال الذي دفعه في الزواج.يقول الشيخ سيد سابق:" فإن كانت الكراهية من جهة الرجل،فبيده الطلاق،وهو حق من حقوقه،وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله.وإن كانت الكراهية من جهة المرأة،فقد أباح لها الإسلام أن تتخلص من الزوجية بطريق الخلع، بأن تعطي الزوج ما كانت أخذته منه باسم الزوجية لينهي علاقته بها" ( فقه السنة ( السيد سابق)،دار الكتاب العربي بيروت لبنان طبعة ثالثة:1397/1977. ج 2 ص:294).ثم يقول :" وفي أخذ الزوج الفدية عدل وانصاف: إذ أنَّه هو الذي أعطاها المهر،وبذل تكاليف الزواج والزفاف وأنفق عليها ،وهي التي قابلت هذا كله بالجحود ،وطلبت الفراق،فكان من النصفة أن ترد عليه ما أخذت. وإن كانت الكراهية منهما معاً:فإن طلب الزوج التفريق فبيده الطلاق وعليه تبعاته،وإن طلبت الزوجة الفرقة،فبيدها الخلع وعليها تبعاته كذلك ". ( المرجع نفسه: ( السيد سابق) ج 2 ص:294-295.)
ودليل الخلع :ما ورد في قصة إمرأة ثابت بن قيس بن شماس، التي جاءت إلى رسول الله ﷺ رسول الله ،ما أعتب عليه(أي على زوجها)، في خلق و لا دين،ولكن أكره الكفر في الإسلام،فقال رسول اللهﷺ:" أتردين عليه حديقته،قالت: نعم،فقال رسول الله :أقبل الحديقة وطلقها". ولكن كما ضيق الإسلام في الطلاق فقد ضيق في الخلع ،وجعله آخر الحلول لحسم الخلاف،فقد روي عن الرسول ﷺ أنَّه قال:" أيَّما إمرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس ،فحرام عليها رائحة الجنة".
• كما أنَّ المرأة لها الحق في طلب الطلاق اذا كان الزوج سيء العشرة ،أو اكتشفت فيه عيوباً منفرة،أو لا تستقيم معها الحياة الزوجية السليمة،أو كان مريضاً بمرض مؤذ تسري عدواه إليها...
آمل أن يكون قد تبين من خلال عرض قضايا المرأة وموقف الفقهاء منها، أنَّه لا سلطان للفقهاء على الناس سواء كانوا رجالاً أم نساء ،وأن ما خلفوه من تراث لا يعدو ان يكون مجرد اجتهاد، قد يختلف فيه مع الفقيه فقهاء آخرون ،وقد يخالف الفقيه نفسه ما سبق ان توصل اليه من آراء ،في مرحلة من مراحل حياته، كما حدث للإمام الشافعي حيث كون في بغداد مذهباً، بُنٍّيَ على ما ثبت لديه من نصوص وواجهه من أحداث ووقائع،ولما ارتحل الى مصر جدت له بعض الوقائع, فغير كثيراً من آرائه وبعض اجتهاداته.والشافعي نفسه قد فتح الباب واسعاً للرأي والرأي الآخر،وقال قولته المشهورة رأيي صواب ويحتمل الخطأ، ورأي خصمي خطأ ويحتمل الصواب. كما أنَّ كلاً من الأئمة الأربعة، ورد عنه أنه قال: (إذا خالف قولي الحديث فاضربوا به عرض الحائط).فالفقيه ليس لديه سلطة عقلية ولا روحية على الناس،ورأيه ليس ملزما الا في حدود ما ثبت له ولغيره من نصوص وما اقتنع به من وسائل وما أقنع به غيره.