كان بروفسور الفاتح السماني بين الناس خفيف الظل، شفيف الروح، متقد الذهن. لا ندري كم عاش بيننا إنساناً وعالماً. طويلاً أم قصيراً من الزمن المحسوب بالساعات والأيام. ولكن كثيرنا يشعرها برهةً وقد رحل عنا بغتةً. منذ يوم رحيله، أحاول إستدراك اللحظة المرة دون جدوى. أن أكتب شيئاً، أن أقول شيئاً غير الدموع. لا شيء غير الحزن. الحزن طبعاً والذكرى. ولكن لنا في سيرته وسريرته وما تركه لنا من إرث مهني وإنساني العزاء.

كان أستاذي وكان صديقي، كان أستاذ الكل وصديق الكل، وحبيب الناس، كل الناس، وصديق الإنسانية. انا أحببته أكثر، كلنا، كل من عرفه عن قرب، نتنافس في محبته.
كان قلبه كقلب الأقطاب العظيمة. سوداني وطني أصيل. عرف بالزهد والتواضع والنزاهة والورع.
وان كانت تلك السريرة فالسيرة المهنية أيضاً عطرة وكثيفة وعظيمة.

نهل الراحل المقيم علمه في مكافحة الوبائيات في أعرق وأرقي جامعات العالم ونذر كل حياته العملية في درئها ومقاومتها ومات وهو ينشط في كبح اخرها (جائحة الكورونا) في بلده السودان. انه العالم العلم والزميل الأقدر والصديق الأكبر بروفسور الفاتح زين العابدين السماني برير الحسين، والذي انتقل الي جوار ربه يوم 23 ديسمبر2020.

يشهد كل من عرف الراحل المقيم عن قرب على الإجتماع الفريد في شخصه للتميز الأكاديمي والجدارة المهنية والكفاءة الفنية من ناحية والتواضع الإنساني والحكمة والهدوء من ناحية اخرى. لاشك لدي في ان دماثة الأخلاق وحلاوة المعشر والتواضع الجم الذي ظل يتعامل به بروفسور الفاتح مع الجميع بغض النظر عن مستواهم الأكاديمي ووضعهم الإجتماعي لا تعود فقط الي خبراته كمعلم لأجيال من الأطباء ولا للدبلوماسية التي اكتسبها في قيادة المنظمات الدولية لسنين طوال بل ترجع في المقام الأول لجذورأسرته الصوفية ونشأته في منطقة ريفية. اذ ان جده برير الحسين هو شيخ شبشة الذي يعود الفضل لمجاهداته في ادخال ونشر الطريقة السمانية في كثير من مناطق النيل الأبيض وكردفان، كما حكي لي ابن عم الفقيد دكتور الطيب الوسيلة، استشاري أمراض القلب المعروف، وشقيقه دكتور كريم الدين، الأستاذ الجامعي في مجال الجيولوجيا. ورغم اقامة بروفسور الفاتح في الأعوام الأخيرة بالخرطوم، فقد تعود الراحل المقيم على زيارة مسقط رأسه في جبل العرشكول على النيل الأبيض كل عيد أضحية، وذلك براً بوالدته وتواصلاً مع أسرته وعشيرته، الممتدة عبر أقاليم السودان، والذين تواصوا على إحياء سنة اللقيا هناك كل عام.

اما من ناحية التميز الأكاديمي فقد تخرج بروفسور الفاتح من كلية الطب بجامعة الخرطوم عام 1967 وكان من اوائل الأطباء السودانيين الذين خدموا في مناطق النيل الأبيض وكردفان وما زالت خدماته في ودعمه لمستشفى ام روابة والخدمات الصحية بأقليم كردفان تحكى حتي يومنا هذا. الجدير بالذكر ان الراحل المقيم ولد ونشأ في منطقة العرشكول علي النيل الأبيض، شمال غرب الدويم، مما أهله لمعرفة ليس فقط الأمراض المنتشرة بالمنطقة وانما أيضاً المفاهيم المجتمعية للمرض والثقافات العلاجية السائدة في المكان. وهنا أذكر مقارنات شيقة قمنا بها بين ما عايشه في تلك الفترة من حياته العملية وبين ما ورد في الأعمال التوثيقية والبحثية القيمة التي قام بها بروفسور أحمد الصافي عن المفاهيم الشعبية للصحة والمرض، خاصة ما ورد في كتابي بروفسور الصافي "الحكيم" و "كلمني بلغة أفهمها".

تلقي بروفسور الفاتح دراساته العليا ابتداءً في مدرسة ليفربول للطب الإستوائي بجامعة ليفربول، حيث حصل علي الدبلوم العالي في الطب الوقائي وماجستير طب المجتمع في عامي 1975 و 1976. مع العلم بان هذه المدرسة هي الأولى علي مستوى العالم في هذا المجال اذ تأسست عام 1898. ثم عاد الراحل المقيم والتحق بهيئة التدريس بكلية الطب بجامعة الخرطوم وخدم في وزارة الصحة بأقليم كردفان. ثم ابتعث مرة اخرى الي جامعة هارفارد حيث حصل علي درجتي الماجستير والدكتوراة في علم الوبائيات في العامين 1981 و 1985، على التوالي. وهناك تلقي بروفسور الفاتح التدريب علي يد علماء أعلام في مجال الصحة العامة مثل بروفسور والتر ويليت، وهو من ألمع المختصين في علمي الوبائيات والتغذية، واساتذة نوابغ في الإحصاء الحيوي مثل الراحل بروفسور جميس وير، عميد الشئون الأكاديمية بمدرسة هارفارد للصحة العامة لما يقارب العقدين من الزمان. وأذكر في أكتوبر 2014 وإبان عملي في التدريس في برنامج ماجستير الصحة العامة المشترك بين جامعة الملك عبد العزيز وجامعة هارفارد بجدة، ان تواصل معي بالايميل بروفسورجميس وير وحكي لي عن مشاركته التي يفختر بها في تقييم رسالة دكتوراة بروفسور الفاتح وكيف انه كان معجباً به لإجتهاده وتميزه الأكاديمي. استمر التواصل والإحترام المتبادل بين بروفسور الفاتح ومدرسة الصحة العامة بجامعة هارفارد طوال ثلاثين عاماً بعد تخرجه منها وأثمر في 2014 بتقديم الدعوة لبروفسور الفاتح للإقامة في بوسطن لمدة عام كزميل باحث بالمدرسة والعمل اثنائها في إعداد المناهج والبرامج التدريبية والمواد التعليمية اللازمة لإنشاء برامج دبلوم وماجستير في المناهج البحثية الكمية في مجال الصحة في السودان ودول الجوار.

بدأت حياة الراحل المقيم بروفسور الفاتح المهنية واختتمت بالعمل كأستاذ جامعي. ففي الفترة ما بين 1978-1990 تقلد البروفسور مناصب أكاديمية في كلية الطب بجامعة الخرطوم وفي جامعة الخليج العربي في البحرين. حيث درّس علم الوبائيات والإحصاء الحيوي وعلوم السكان وطرق البحث العلمي. وقدمت له الدعوات كزميل باحث ببرنامج تاكيمي للصحة الدولية في جامعة هارفارد (1985-1986) وكزميل باحث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (1980-1982) ، وببرنامج سياسة الغذاء والتغذية الدولي التابع لجامعة الأمم المتحدة. كما عهد في تلك الفترة لبروفسور الفاتح بمسؤوليات التدريس في العديد من المؤسسات الأكاديمية في السودان ، بما في ذلك جامعة الجزيرة وجامعة جوبا. وبعد تقاعد بروفسور الفاتح عن العمل في المنظمات الدولية عاد مرة اخرى للعمل كأستاذ جامعي وتقديم علمه الغزير وخبرته الطويلة للالاف من طلبة الطب والأطباء داخل السودان. اذ التحق الراحل المقيم بالعمل في مدرسة الطب بجامعة الأحفاد للبنات وظل يعمل بها طوال 13 عاما وحتي رحيله (نوفمبر2007 – ديسمبر 2020)، مؤمناً بالدور الهام لتعليم المرأة في تمكينها مجتمعياً. وهناك قام بتدريس علم الوبائيات ومناهج البحث العلمي لطالبات البكالريوس وطالبات الدراسات العليا وأشرف على أبحاث التخرج والرسائل الجامعية. كما عمل كعضو بالمجلس الأكاديمي لجامعة الأحفاد ولجنة البحوث الجامعية. اما خارج جامعة الأحفاد فقد كان بروفسور الفاتح عضواً بمجلس طب المجتمع بالمجلس السوداني للتخصصات الطبية وفي اثنتين من لجان المجلس الطبي السوداني. كما اجتهد في ادخال العديد من البرامج التدريبية الهامة في السودان مثل برنامج الوبائيات الحقلي وعمل في اللجنة الاستشارية الفنية الخاصة بهذا البرنامج. كذلك قام البروفسور في نفس هذه الفترة بتدريس علم الوبائيات في العديد من المؤسسات الأكاديمية في السودان ولم يبخل بتقديم الدعم الفني لوزارة الصحة الاتحادية ومنظمة الصحة العالمية واليونيسيف في العديد من الأنشطة. وهنا لا يفوتني ان اذكر أن لبروفسور الفاتح العديد من البحوث والأوراق العلمية المنشورة وحظي ثلاثة منها علي عدد كبير من الإحالات العلمية من قبل باحثين اخرين في مجلات طبية محكمة.

وقد كانت للراحل المقيم مسيرة مهنية باذخة في المنظمات الدولية. اذ عين بروفسور الفاتح للعمل كممثل لمنظمة الصحة العالمية ورئيس لبعثتها في سلطنة عمان (أبريل 2004 - يناير 2007) ، وجمهورية إيران الإسلامية (يوليو 2001 - مارس 2004) و المملكة العربية السعودية (نوفمبر 1996 - يونيو 1999). حيث مثل في تلك الدول مجمل أنشطة منظمة الصحة العالمية وقام بإنشاء ورعاية البرنامج التعاوني للمنظمة مع السلطات المختلفة بتلك الدول وعمل على حشد الموارد والتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى والشركاء الدوليين والمحليين في مجالات الصحة والاستجابة للطوارئ. وقد أوكلت للراحل المقيم إبان فترة عمله بالقاهرة (يوليو 1999 - يونيو 2001)، كمستشار للمكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية، مهام ترصد الأمراض المعدية والتأهب للأوبئة والاستجابة لها ومكافحتها على المستوى الإقليمي. وكان مسئولاً عن تطوير السياسات وأنظمة الترصد المرضي المتكاملة وتصميم وتنفيذ أنشطة التدريب الإقليمية. وقام بتقديم الدعم الفني لدول الأقليم في مجالات التأهب والاستجابة للأوبئة والجوائح. كانت بداية المساهمات المهنية لبروفسور الفاتح في المنظمات الدولية عندما التحق بالعمل كمستشار أقليمي لصحة الطفل بمنظمة اليونيسف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالأردن (يناير 1991 - أكتوبر 1996). حيث كان بروفسور الفاتح مسئولاً عن إبتدار وتصميم وتنفيذ الإستراتيجيات اللازمة لتسريع تحقيق الأهداف الخاصة بصحة وتغذية الأطفال، بما في ذلك بناء القدرات الوطنية لدول الأقليم، وتوفير الدعم الفني للمكاتب القطرية، وإعداد وتقييم البرامج القطرية وتطوير وتعزيز التواصل مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى والمنظمات غير الحكومية ذات الصلة.

تعود معرفتي لبروفسور الفاتح للعام 2012 عندما التحقت بالعمل كأستاذ مشارك في طب المجتمع بمدرسة الطب بجامعة الأحفاد. هناك قام البروفسور بتعريفي بالزملاء وكان نعم العون لي في استيعاب النظم الإدارية السارية والثقافة المؤسسية المحيطة. وقد تعاونا في تصميم وتدريس المقرر الأكاديمي الخاص بعلم الوبائيات ومناهج البحوث العلمية وقمنا بوضع الواجبات المنزلية والامتحانات النصفية والنهائية لها في تناغم قائم علي اتفاقنا علي مبدأين أساسيين هما: أولاً أهمية توفير التدريب الكافي لطلبة الطب في مناهج البحث العلمي وعدم الإكتفاء بتدريسهم أبجديات طرائق التقصي العلمي وذلك لحوجة الأطباء لهذه المهارات للتمكن من متابعة التطورات العلمية المتسارعة واستعمالها في رعاية المرضي بأحدث ما توصلت له الإكتشافات العلمية. وثانياً لحوجة السودان الماسة لإنتاج البحوث العلمية بأيدي ابناءه وبناته ذات أنفسهم، رصداً لتحديات بلادهم الصحية ذات الأولوية وايجاداً للحلول والمعالجات العلمية اللازمة للتصدي لها. وامتد التعاون بيننا في أبتدار حلقات نقاش نقدي دورية لبحوث طبية رائدة بالمجلس السوداني للتخصصات الطبية. عقدنا اولى هذه الحلقات في فبراير 2013، واستمر بروفسور الفاتح، مع اخرين، بمثابرة وجد في قيادتها بعد سفري خارج البلاد وحتي اخر حلقة عقدت قبل رحيله. وإبان إعدادي وتقديمي لبرنامج صحة وتنمية بتلفزيون السودان القومي في 2020، كان الراحل المقيم أول من قدمت له الدعوة للإستضافة والحديث في البرنامج ولكنه آثر ان يقدم لي النصح عن بعد. ولا أنسى له النصيحة الغالية التي عملت بها في البرنامج بتخصيص حلقتين لنقاش كل موضوع حتى نستوفيه حقه في التداول بعمق.

بروفسور الفاتح السماني كان الكثير والمزيد وكان الإنسان. كان لين العريكة، لطيف القول والعبارة، سمح المعشر. ولكن لا يجامل في العمل والعملي ولا يتجاوز الأعراف والأخلاق المهنية مهما كلفه من ثمن. ولا يجامل السلطات ولا يهادن السلطان في الحق.

وكان لي شرف ان عملت تحت إشرافه أو بجانبه في عدة مناسبات أكاديمية ومهنية. شكراً لله وللأقدار التي جعلتني أتعرف عن قرب للعلم الكبير. استدفأت بإنسانيته واستضأت بعلمه.

على روحه السلام ومثواه باذن المولى جنة الصديقين والشهداء وخالص العزاء لزوجته وشريكة حياته اسماء امين سوار الدهب وابناءه وبناته الدكاترة محمد ورشا وخالد ولينا. وانا لله وانا إليه لراجعون.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.