.. في الحلقة السابقة استعرضنا تجربة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية و ما واجهته من صراع كونها مثلت خطابا آخر موازي لخطاب المؤسسة الدينية الرسمية التي تمثل السلطة في الدولة و كذا مسنودة من البابا (الفاتيكان ) ، شعر الناس العاديين الذي يعانون من قضايا دنيوية مثل الفقر و العوز و الاضطهاد أن خطاب لاهوت التحرير هو الخطاب الذي يمثل معاناتهم و يخاطب قضاياهم بالإضافة إلي أنه أجلي لهم بوضوح موقف السيد المسيح من كونه في سيرته و آياته (الإنجيل ) هو المعبر الحقيقي عنهم و أن الدين الحقيقي يكمن في معاني العدل والمساواة و الحرية و هذه القيم هي ما تضمنه تحديدا خطاب قساوسة لاهوت التحرير المغضوب عليهم من الكنيسة و السلطة لأنه ببساطة خطاب يعيد الموازين و يفضح التحالف السري الكبير بين رجال الدين (الممثل الرسمي للسلطة ) و رجال السلطة (الحكام ) و هو تحالف يقوم علي توظيف الدين و سلطته علي القلوب و العقول في خدمة المصالح المشتركة و التاريخية لرجال الحكم و الدين، لذلك علي الدوام و عبر التاريخ ظل هنالك دين رسمي تتبناه الدولة و تصنع له مؤسسة رسمية تختار لها من تشاء من رجال الدين الجاهزين لخدمة السلطة و خدمة مصالحهم الذاتية، و بالمقابل هنالك رجال عارفين بالدين و أسراره و مراميه الحقيقية، هم قلة في التاريخ خرجوا علي هذا التحالف و فضحوه بصدق و علم و وثوقية من خلال فهم عميق لماهية العلاقة بين اللاهوت و الناسوت، أي العلاقة بين الذات المطلق و واقع الخلق، و أيضا علي الدوام كان يتم التنكيل بهؤلاء النماذج بحرقهم أو شنقهم أو حبسهم حتي الموت بدواعي انهم هرطقوا و ارتدوا عن الأديان، في نموذج قساوسة لاهوت تحرير امريكا اللاتينية كان الأمر مختلف، لأنهم اشتغلوا علي خطاب خاطب أمور الناس الملحة و كان الواقع جاهز لتلقي معاني جديدة من الدين تنبع من قيم جديدة اصلا موجودة في داخله للنهوض بالناس و تحقيق تطلعاتهم الأصيلة في العيش بكرامة و حرية .

.. التف الناس حول خطاب لاهوت التحرير و حتي عندما حاربت السلطة رجال لاهوت التحرير قام الناس بمقاطعة كنائس رجال الدين التابعين للسلطة و الحاملين لخطابها و انشئوا كنائس لهم متواضعة من (الخيش ) و الصفيح و كان واضح جدا بؤس شكلها مقارنة مع كنائس السلطة و لكنهم تمسكوا بها و التفوا حولها و أقاموا شعائرهم فيها، مما أكد لهم أن الدين هو دينهم و القيم الناصعة التي ينادي بها أصبحت متمثلة في كنائسهم الجديدة و مع فقرها إلا أنها استطاعت أن تنشيء مجتمعات كاملة ملتفة حولها و أكثرية مجتمعية ضد أقلية معزولة تمثل السلطة و رجال دينها (دين السلطة ) الفاسدين .
.. عندما نستعرض مثل هذه التجربة الإنسانية العميقة فهي تعطينا دروسا عميقة و غالية و في غاية الرفعة لو أننا نكترث لامرين في غاية الأهمية و هما تقارب الإنسانية الجغرافي و الوجداني و العقلي و الأمر الآخر هو التملي عميقا في مسألة الدين و كيف نتعامل معه و كيف نفهمه و كيف نحرره من الطبقة التي تسمي رجال الدين و الذين هم على وفاق دائم مع مؤسسة الدولة و بالذات في نسخها الطاغوتية و الشمولية و هو دور بدأ منذ فجر عميق في التاريخ، بل يمكنك أن تقول منذ أن نشأت الأديان علي الأرض .
.. هذه الخلاصات الفائتة تجعلنا _لقيمتها العالية _نحيل نظرنا بوعي الي واقعنا .. واقعنا الذي يلعب فيه الدين دور كبير جدا في تشكيل وعي الفرد و علاقات المجتمع و تأثير ذلك علي واقعنا السياسي أو قل مجمل تاريخنا السياسي الحديث، و الأمر يتعلق بالميراث الروحي القديم الذي أشرنا له في بدايات حلقات هذه السلسلة من المقالات و هذا الميراث تعرض لتزييف و إستغلال تاريخيان جعلنا الآن نطرح و بقوة مسألة بروز لاهوت تحرير إسلامي /سوداني ؛ قد يذهب بعض المثقفين في إتجاه آخر، و قد لا يرون جدوي ربط النهوض بوعي مجتمعنا بلاهوت تحرير و لكن اقول لهم بكل وضوح أن تعاميكم عن أهمية الظاهرة الدينية في مجتمعاتنا و أهمية دراستها و التمعن فيها هو الذي جعلكم تحرثون في واد غير زرع و جعل طبقة رجال الدين الانتهازية هي علي الدوام التي تكسب في زرعها و تحصده وسط المجتمع و السلطة بذلك الاستلاب الذي تختطف به الواقع السياسي و تسيطر به علي إتجاهات الرأي مستغلة العاطفة الدينية و مستثمرة في الميراث الروحي العظيم لهذا الشعب .
.. آن لنا أن نشتغل بهمة عالية و عمق لتخليص هذا العقل الجمعي من ربقة السيطرة الزائفة لخطاب ديني انتهازي ليس له بالدين علاقة و إنما هو حصيلة آفة تجذرت منذ فجر التاريخ و الأديان و قامت علي الإستثمار في موضوع التديين لتختطف فكرة الإنسان عن الله و الكون و ظلت تنسج التصورات الساذجة لهذه المجتمعات حتي غدا الدين عندنا يتكلم به فاقدي العقل و الأخلاق و مريضي الأنفس و عاطلي الضمير الي الدرجة التي أصبح فيها السلام المجتمعي نفسه في خطر، ناهيك عن سلام العالم .
.. نواصل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.