يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة عامة لتاريخ السودان (سلطنة سنار) في الفترة الواقعة بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. ويجيء الاهتمام بهذا الموضوع من واقع ندرة الموضوعات والتحليلات التي تناولت علاقة السودان بالحراك والتغييرات التي تجري في الفضاء الإقليمي المجاور بشكل عام وفي مصر بشكل خاص. وذلك من خلال النظر لموقع السودان، وموضعه ضمن نطاق التأثر/ التأثير في الاقليم وكظهير جغرافي مجاور لمصر التي كانت العلاقات بينهما تشهد على مدى التاريخ- باستثناء فترات قصيرة، تفاعلاً، وتأثيراً، مدّاً وجزراً.
لمناقشة هذا الموضوع سوف يستند المقال بشكل رئيسي على ورد في كتاب (عصر البطولة في سنار) لمؤلفه الباحث الأمريكي جاي سبولدينق، مع ايراد لبعض الأفكار التي استند إليها الكتاب والتي تربط السودان بفضائه الإقليمي المجاور وبخاصة مصر. بالتالي يشير المقال لبعض ما ورد في كتاب (عصر البطولة في سنار) من ارتباطات واشارات لبعض الأفكار التي تتناول تأثير الرأسمالي الأوربية ومفاهيم الحداثة والسردية الغربية حول تفوق الغرب. ويتم التركيز بشكل خاص على الأفكار والمقاربات تناولت تاريخ مصر في الفترة بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر و المتعلقة بالنهضة الإسلامية المحلية في مصر وعلاقاتها بالنمو الرأسمالي والتي والتي نجد لها بعض أثر وإحالات وإشارات في في كتاب(عصر البطولة في سنار).
الملاحظ أن الفترة بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر أن تاريخ مصر قد حظيت بكثير من الاهتمام، ويرجع ذلك للأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لمصر،في تلك الفترة، و للأحداث السياسية والعسكرية المتواترة. وقد تجلّى ذلك الاهتمام في العديد من الكتابات والوثائق والتحليلات التي توثق لتفاصيل الحياة وللحراك المجتمعي ولتاريخ مصر في تلك الفترة، وقد لا نبعد النجعة إن زعمنا أن كثيرا مما كتب في تلك الفترة عن مصر يتضمن معلومات وإشارات يمكن أن تعين لفهم ‏تاريخ السودان(دولة سنارفي تلك الفترة).
كان جاي سبولدينق قد اشار في كتابه (عصر البطولة في سنار) اتفاقه أو تماهيه مع بعض آراء من سبقه من مفكرين خاصة تلك التي تناولت العلاقة بين الإسلام والرأسمالية في مصر في القرن الثامن عشر، وهو ما سنتخذه مدخلاً لمناقشة العلاقة بين تاريخ السودان(دولة سنار) وبين تاريخ مصر في نفس الفترة المذكورة، خاصة أن تلك التحليلات والأفكار والتي تستبطن الجدل حول الرأسمالية والحداثة الغربية، تلقي الضوء على بعض الجوانب في تاريخ السودان، ليس في إطار حدوده الجغرافية فقط، بل من خلال امتداداته الإقليمية.
من ناحية أخرى يرجع الاهتمام بكتاب عصر البطولة في سنار استناده في تحليله على عدة مصادر متنوعة وقاعدة بيانات أولية عريضة، بالإضافة لكونه يحتوي على أفكار واستبصاراتٍ تساعد في النظر لتاريخ السودان من خلال رؤية جديدة نحو علاقته بجواره الإقليمي وتأثيرات ذلك على الدولة والمجتمع.
إن الأفكار والمقاربات ‏المفسِّرة لتاريخ مصر في الفترة المشار إليها، تجيء كذلك في إطار الجدل الفكري حول‏ ما يرتبط بالسردية الغربية من مفاهيم ومقاربات، خاصة أن تلك السردية ظلت مهيمنة ولفترة طويلة على التحليلات المفسرة للتاريخ ‏ والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، إلى أن ظهرت أطروحات جعلت من شمول وصحة مسلمات السردية الغربية، موضع شك وتساؤل كبيرين.
وكانت أطروحات مدرسة (المركز والهامش) من ابرز الأطروحات التي استندت على فكرة تفوق الغرب وإن أختلفت معها في أسباب ذلك التفوق. حيث أرجعت كتابات مدرسة المركز والهامش تفوق الغرب لتحقيقه للفوائض المالية الضخمة من خلال العلاقات التجارية غير المتكافئة التي أنشأتها الرأسمالية بين الشرق والغرب، وكذلك من خلال السيطرة على الأسواق وعلى هوامش وأطراف العالم. وفي هذا الإطار كانت من بين الكتابات البارزة والناقدة للسردية الغربية، كتابات ‏إيمانويل فالرشتاين صاحب نظرية النظام العالمي الحديث(The Modern World System). كما انتقد فالرشتاين ضمن نقده للمركزية الغربية/ الأوربية،
ثم ظهرت من بعد ذلك كتابات إدوارد سعيد النقدية حول الاستشراق ، لتضيف بعدا جديدا لنقد السردية الغربية من خلال نقد الاستشراق الذي رآه (أسلوباً من التفكير المستند على التمييز الأنطولوجي، والابستمولوجي بين الشرق والغرب) كما ينظر إليه باعتباره مؤسسة جمعية للسيطرة على الشرق و( كأسلوب للهيمنة على الشرق و إعادة هيكلته والتحكم فيه.
من جانب آخر ظهرت بعض الأطروحات التي تتناقض بشكلٍ بيِّن مع فكرة تفوق الغرب، أو تتعارض تحديداً، مع فكرة تخلف الشرق. وكان من بين تلك الأطروحات من اتخذت من مصر نموذجا لتحليلاتها، والقول بفكرة حدوث نهضةٍ فكرية في مصر وتطورٍ محلي تحقق من خلالها نهوضاً اقتصادياً قائماً على إمكاناتها ومواردها المحلية أكثر من اعتماده على الخارج.
مكسيم رودنسون في كتابه الموسوم‏‏(الإسلام والرأسمالية، 1966) وكذلك بيتر غران في كتابه(الجذور الإسلامية للرأسمالية)‏ والذي أتبعه لاحقاً بكتابه الأخير(صعود ‏الأغنياء/ أصحاب النفوذ). يشير بيتر غران, أن مصر شهدت في الفترة بين القرن السابع عشر والتاسع عشر نهضة فكرية جاءت عقب حدوث نمو اقتصادي محلي وتراكم للثروة لدى ‏الطبقات العليا في مصر، بفعل الخراج والجزية والغنائم ، تكوَّن من خلاله فوائض اقتصادية ورأسمالية ذات جدوى.
وفي وقت لاحق عضّد بيتر غران نظرته المناهضة للسردية الغربية وتخلُّف الشرق ‏بوجهة نظره التي وردت في كتابه (صعود ‏الأغنياء /أصحاب النفوذ)، والتي أوضح فيه أن الأغنياء وأصحاب ‏النفوذ يشكِّلون دائماً طبقة من الأغنياء تفرض نفوذها من خلال السيطرة و الاستحواذ ‏على فوائض رأس المال.
فاذا أمعنا النظر في تاريخ السودان في الفترة المذكورة استناداً على التحليلات الواردة في كتاب(عصر البطولة في سنار). في محاولة للربط بين التحليلات التي أوردها سبولدينق في كتابه المذكور، وبين تلك التي تماهى معهاأو اتفق فيها من أفكار لمكسيم روبنسون، وبيتر غراي حول ذات الموضوع. و في ذات السياق يبرر سبولدينق استناده على أفكار محددة (رودنسون وغران وغيرهما) في تحليله لعلاقات التبادل التجاري في سنار بقوله:(....بالنسبة لبعض الموضوعات مثل علاقات التبادل التجاري في سنار تبدو المقارنة خارج نطاق التجربة الأوربية مفيدة) . وفي نفس هذا الاتجاه نجد سبولدينق يستشهد كذلك بأفكار كل مكسيم رودنسون، وبيتر غراي في قوله بأن العوامل التي دمرت سنار كانت عوامل رأسمالية ظهرت(تحت ستار الإسلام). كما يمكننا القول أنه دعم رأيه هذا بآراء إيمانويل فارليشتاين، في نظريته (نظم العالم) لكي يعتبر سنار واقعة ضمن النظام العالمي ذي العلاقات غير المتكافئة، كمقدمة تجعل من تحليله منطقياً.
من ناحية أخرى، وغير بعيدٍ مما نتحدث عنه، نجد أن سبولدينق يتفق مع ما أشار إليه إيمانويل فالرشتاين(كما ذكر سبولدينق) في مقدمة كتابه) إلى عدم جدوى دراسة أي مجتمع ككيان بنيوي منفصل ‏من أجل فهم ديناميات ذلك المجتمع، أي بمعنى ضرورة وضع العوامل والتأثيرات الخارجية في ‏الاعتبار من أجل فهم تلك الديناميات، وذلك هو ما فعله سبولدينق في تحليله.
‏‏وبالنظر إلى تحليل سبولدينق للوضع في سنار في ذلك الوقت نجده يربطه بالنظام الرأسمالي العالمي ذي العلاقات غير المتكافئة مستشهداً في ذلك كما ذكرنا آنفاً بأفكار إيمانويل فالرشتاين في نظريته (نظم العالم)، القائلة بارتباط الشرق والغرب في علاقات تجارية واقتصادية غير متكافئة. ويؤكد سبولدينق في هذا الصدد أن الحراك الذي جرى في السودان في تلك كان يحمل في باطنه بذور التغيير، وفق(عوامل رأسمالية، تحت ستار الإسلام) مما أدى ذلك إلى بروز أدوار أكثر دينامية لطبقة رجال الدين والتجار على مستوى السلطة والمجتمع. وتعتبر هذه الفكرة هي المحور الرئيسي لتحليل سبولدينق، خاصة حول الأدوار التي لعبها التجار ورجال الدين، باعتبارهم أن رجال الدين على كانوا على وجه الخصوص، يمثلون طلائع التغيير وحملة الأفكار المستحدثة، في سبيل التغيير الاجتماعي والاقتصادي في السودان في تلك الفترة.
بالإضافة لما تقدم نجد أن اختيار سبولدينق الفترة بين القرن السابع عشر والثامن عشر من تاريخ السودان لتحليله كان متوافقاً إلى حد كبير مع الفترة الزمنية التي اختارها بيتر غراي في تحليله لتاريخ مصر، حيث ان اختيار الفترة الزمنية المشار اليها يجعل تحليل سبولدينق متساوقاً أو ليس بعيداً ممن التحليلات السابقة التي أشرنا إليها، ويجعل كذلك النتائج التي توصل اليها تتوافق مع المقدمات التي أفترضها بدءً.
ومما يضع هذا التصور في إطاره المنطقي المقبول أن الفترة الزمنية خاصة أن سودان سلطنة سنار في تلك الفترة كانت تربطه مع مصر علاقات قوية ومتشابكة في اكثر من اتجاه، فقد كانت تلك العلاقات تشمل دون حصر، تبادل البضائع والسلع، وتواتر سير القوافل، وحركة التجار،وطلاب العلم بين البلدين، كما شهدت وفود العديد من العلماء ورجال الدين والتجار من مصر إلى السودان.
لابد هنا كذلك من الإشارة لجانب مهم ورد في تحليل سبولدينق من خلال تبنِّيه لأسلوب تحليل المحتوى، من خلال تحليل العيد من الوثائق التاريخية(مثل وثائق المحاكم، والصكوك، والمراسيم السلطانية...إلخ)، والمصادر الأولية المتعددة والتي أضافت بُعداً واقعياً، وقيمة كبيرة للتحليل، حيث أتاحت تلك المادة الغنية من المصادر والإحالات بناء تسلسل منطقي للحراك والديناميات من خلال ربطها بالتطورات المصاحبة مثل صعود رجال الدين في السودان من تنافسهم وصراعاتهم وتحالفاتهم مع التجار وأصحاب النفوذ في ذلك الوقت.
ولابد هنا من الإشارة إلى نقطة جوهرية في تحليل جاي سبولدينق، وهي التي أشرنا فيها إلى التقائه مع فالرشتاين، وهي أهمية عدم إغفال العوامل الخارجية عند تحليل التغيرات الاجتماعية لأي مجتمع، حيث نجد هنا أن سبولدينق مزج في تحليه بين الواقع المحلي للمجتمع و بين تفاعلاته وتأثره بالعوامل الخارجية، واصفاً في ذلك تقبل المجتمع التدريجي لتلك التغييرات بسلاسة، رغم العمق والزخم المصاحب لذلك التغيير.
من بين الأفكار المبتكرة والتي وردت في كتاب عصر البطولة هي فكرة صعود أصحاب النفوذ أو الأغنياء ليقودوا التغيير من خلال سعيهم للحصول على العائدات الاقتصادية، علماً أن تلك الفكرة قد بلورها بيتر غران لاحقاً في كتابه الموسوم(صعود أصحاب ‏النفوذ/ الأغنياء)‏، والتي أكد فيها، أن مقاربة صعود الأغنياء وأصحاب النفوذ، تصلح تماماً لتفسير التاريخ.
في الختام من خلال هذا العرض العام لكتاب (عصر البطولة في سنار) حول تاريخ السودان(سلطنة سنار)، وفي اطار أخذه أو تماهيه مع بعض الأفكار التي تحاول تقديم رؤية جديدة لعلاقة الشرق والغرب تختلف عما وَقَرَ في الفكر العالمي فترة من الزمن ليست قصيرة، يمكننا أن نخرج ببعض الاستنتاجات المهمة. من بينها أنه بالرغم من أهمية العوامل التأثيرات المحلية وخصوصيات المجتمعات المحلية من أجل فهم التاريخ والديناميات المحركة له، إلا أننا يجب الا نغفل دور العوامل والمؤثرات الدولية والإقليمية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.