في سياق ولع شمس الدين الكباشي بالإعلام فقد ظل دائما يوفر فرصة ذهبية للشغوفين بتفاصيل ما يجري خلف كواليس العسكر ، وذلك ان الرجل يلقي بالمعلومة علي عواهنها كما يقولون ، وذلك منذ ان كان عضوا باللجنة السياسية للمجلس العسكري ثم لا حقا متحدثا رسميا باسم ذلك المجلس في تلك الفترة الصعبة وتمسك العسكر بالسلطة ، ومحاولاتهم اليائسة لاستيلاء علي إنجاز ثوار ديسمبر وفبركة مرحلة عسكرية شائهة تعتبر امتدادا لنظام الثلاثين من يونيو 1989.

وعليه فان الجنرال الكباشي هو وما زال ذلك ال(Organ) اَي لسان حال الحالمين بسرقة الثورة ،او تقليم أظافرها ومن ثم إعادتها للثكنة العسكرية حيث ينتظر بشغف من هم خلف القضبان او جماعات الفلول او من لف لفهم تصريحات الفريق الكباشي الموتورة ، التي تداعب اخيلتهم المريضة ، وفي ذات الوقت فهي كما ذكرت توفر فرصة لقراءة العقل العسكري الشريك في الانتقال ، رغم ما تثيره من توتر لمرضي الضغط والسكر .
عبارة (حدث ما حدث) والتي تشكل بينة قضائية يمكن البناء عليها فقد جرت علي لسان الكباشي غداة فض الاعتصام من امام القيادة العامة ،وبتلك الطريقة الوحشية التي أزهقت مئات من الأرواح ومئات من المفقودين والأسرى كأبشع عملية عسكرية تمت في داخل مدينة الخرطوم منذ سقوطها في يد كتشنر عقب هزيمة الوطنيين في معركة كرري عام 1898 .
حدث ما حدث ، محاولة لإلغاء كل التاريخ السابق لتلك اللحظة فهي شبيهة بعبارة سبق السيف العزل في سياقها التاريخي و(باركوها يا جماعة ،تعالوا نفتح صفحة حديدة) ولكن الجنرال كان عضوا فاعلا في ذلك الاجتماع والخلية العسكرية التي أدارت فض الاعتصام .
صعد الكباشي الي الواجهة السياسية والإعلامية في محادثات جوبا التي افضت الي سلام جوبا ، وأصبح يمثل خميرة العكننة الإعلامية والسياسية في المحاولات اللاحقة التي قادها حمدوك لإلحاق الحركة الشعبية/الحلو بتلك المحادثات او حتي قيادة خط منفصل يفضي بدوره الي سلام ، فقد حاول اغتيال مساعي حمدوك بذلك التصريح (حمدوك لا يملك ان يعطي الحلو حتي وعودا ).
وحتى في ورشة عمل لتقارب الآراء في علاقة الدين بالدولة والتي ترأس جانبها الحكومي الكباشي فقدساهم بجهد مقدر لإجهاض توصيات تلك اللجنة .
في إطار ذلك الولع بالإعلام استضافته قناة العربية الأسبوع الماضي قناة العربية لالقاء الضوء علي الراهن السياسي ومن ثم اطلق مقولته التي لم تجد حظها بعد لدي الراصدين للشأن السياسي السوداني ، فقد قال ان تشكيل هذه الحكومة الانتقالية الثانية والتي جاءت بعد إعسار سياسي انها (الفرصة الاخيرة)، وبغض النظر عن فرصته التي يلمح بها ،الا انها لا يمكن ان تنفصل عن تصريحات قائده البرهان موجها حديثه الي الجماعات السياسية المتشاكسة ، انه قد يضطر لتشكيل حكومة طوارئ،كل ذلك يوضح بجلاء ان صدر العسكر يضيق بالديمقراطية ،ولو انهم يَرَوْن العالم من حولهم فان تشكيل اَي حكومة ديمقراطية قد يأخذ اشهرا وسنوات ،وأمامهم المثال القائم في لبنان ،او تونس ، او حتي بلجيكا حيث ظلت بدون حكومة عقب انتخابات 2019 ولمدة عام كامل. ، فالحكومات المدنية لا يتم تشكيلها بالأوامر والفورمانات ،وتحريك الكتائب والخنادق العاجلة وتعيين القادة بذلك الهرم العسكري الذي لا يصلح لإدارة الشأن المدني .
و بعد ان تفتقت عقلية العسكر وحلفاءهم التقليدين عن تكوين مجلس الشركاء ، والذي اصبغوا عليه صفة الجودية ،كعبور لما هو ابعد من ذلك ،فقد وجد العسكر أنفسهم قد انتقلوا من حالة اليتم السياسي الي حاضنة هجينة ، تتجاوز (الحرية والتغيير) وتمحو تلك الذاكرة الثورية ولغتها الي واقع يستجيب لتمرير العسكر وفلول الامس وباتو يتصورون ان حكومة الطوارئ قادمة لا ريب فيها وتلك هي الفرصة الاخيرة التي نطق بها الجنرال الكباشي في حالة استصحاب لما يدور خلف الكواليس .
إذن فان لغة العسكر وتصريحاتهم متاحة لفضح تفكيرهم ونواياهم التي تدار خلف الثكنات المغلقة حتي في تأجيج خطاب الحرب مع اثيوبيا ، والخروج عن الخطاب الدبلوماسي وتقزيم دور وزارة الخارجية وها هو الكباشي يقول (ان اثيوبيا تنقصها فقط الشجاعة لإعلان الحرب ).
وتلك دعوة صريحة للنزال في واقع سياسي واقتصادي لا نحسد عليه ، ولكنه قطعا هو السعي نحو حاضنة شعبية مشحونة بالجلالات والتجييش الذي سيسيطر علي الساحة ومن بعدها حلم (حكومة الطوارئ)، و (حدث ماحدث) .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.