لم يعد ما كان غامضاً أكثر وضوحاً منه الآن. فقد تمايزت الخطوط والألوان تماماً، ولم تعد هناك من حاجة إلى مزيد تحليلات ذكية ورصد معلومات سرية. فالمعطيات الاقتصادية والأمنية والسياسية على الأرض مبذولة لكل ذي عينين، ولا تحتاج لكل هذا السيل من المقالات والأشرطة التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي.
فلنوقف الآن الكتابة والتسجيل والبث الذي يصور الحال ويشكو، إذ لا جدوى من الوقوف على حائط المبكى هذا وهدر الطاقة والدموع، ولتتجه همتنا لتلمس كيفية الخروج من هذا النفق الذي وضعنا فيه أعداء هذا الوطن وشعبه، ولنسمي حينها الأشياء بأسمائها.
قلتها بدلاٍ عن المرة، مرات، بأن قيادة عسكر البشير ومرتزقته لن يتركوا مركب الثورة يمضي لتحقيق غاياتها، لأنهم وفلول التنظيم الإسلاموي كانوا شركاءه في كل الجرائم التي ارتكبت طيلة ثلاثة عقود، وأن أياديهم الملطخة بالدم السوداني مليئة بالمال المنهوب. وأنهم حاولوا، ويحاولون، وسيحاولون إلى آخر قطرة دم سوداني، وإلى آخر ذرة من تراب الوطن، وقف مسيرة الثورة وإرجاع عقارب الساعة إلى ما قبلها. وما هذه الضائقة المعيشية الخانقة، والانفلات الأمني، وما طبول الحرب هذي التي تقرع في الفضاء، سوى وسائل إلهاء ومقدمات لانقلاب يخططون له، يأتي محمولاً على حاضنة شعبية هشَّة ومصطنعة. من تحالف تآمري مع حركات فنادق الخرطوم المسلحة في اتفاقية جوبا. وفلول التنظيم الإسلاموي، وبعض قيادات الإدارة الأهلية المندثرة.

الجرس في رقبة القط
وهم يراهنون في نجاح تخطيطهم للانقلاب على ملفي الضائقة المعيشية الخانقة والانفلات الأمني، في حين أنهم هم من يحكمون قبضة أصابعهم على خيوط هذين الملفين ويحركونها كيفما شاءت الخطة.
فهم – وحدهم – من يسيطرون على المال والسلطة الأمنية، ومن ثم ينعون على السلطة المدنية فشلها في معالجة المشكل الاقتصادي، وعجزها عن ضبط الانفلات الأمني. في الوقت الذي جردت فيه الوثيقة/ الخازوق السلطة المدنية ممثلة في جهازها التنفيذي من صلاحياتها الأمنية وتركت أمرها لجنرالات لجنة البشير الأمنية، وأوكلت إليهم هذه المهمة التي أصروا عليها باعتبار أنهم الجهة التي تمتلك السلاح وشرعية سلطة استخدامه، وكان هذا هو مبرر استصحابهم كشركاء في السلطة الانتقالية: حفظ الأمن !.
ولكنهم، إمعاناً في التضليل اخترعوا للانفلات مسمى "التفلتات" الأمنية. بينما هو ليس مجرد تفلتات يقوم بها أفراد أو جماعات من خارج سلطة مؤسسات الدولة الأمنية، في مناطق محدودة وفي أوقات متباعدة بين وقت وآخر. وإنما هو نمط سلوكي ممنهج، تشيح بموجبه الشرطة والجيش وجهاز المخابرات بوجهها عن عصابات التهب المسلح داخل العاصمة والمدن الكبرى، وتترك الحبل على غاربه ممدوداً لمليشيات مسلحة (مجهولة!)، باقتحام القرى ومعسكرات النازحين وتعمل تقتيلاً في المدنيين من كل الأعمار، واغتصاباً للنساء، ونهباً للمواشي والأموال والأعيان وحرقاً للأكواخ، في ظل غياب تام لأي سلطة أمنية رادعة تتصدى للغزاة المتوحشون.

الحرية كعبء على الإرادة
أما ملف الضغط الآخر لتمرير الانقلاب وإكسابه الشرعية والتبرير الكافي فيتمثل في الملف الاقتصادي والضائقة المعيشية الخانقة التي جعلت البعض يردد مع الفلول في تظاهراتهم المفبركة شعارات تتحسر على أيام "الإنقاذ" وتعتذر للعسكر وتدعوهم للانقلاب على السلطة وتولي الحكم. وقد قلت من قبل أن هذه ظاهرة شاذة في تاريخ المجتمعات والدول يصعب تفسيرها: أن يخرج المدنيون يطالبون العسكر بأن يحكموهم و"يخلصونهم" من حريتهم التي صارت عبئاً عليهم !.
ولا تدري بماذا يمكن أن تفسر هذا. هل تذهب مع التفسير السياسي لفنون الحكم بأن هذا يعتبر نجاحاً لتطبيق معادلة: حصار الخبز والحرية لإخضاع الشعوب، حين تضعها أمام أحد الخيارين إما هذا أو ذاك؟. أم تذهب إلى أنه ضرب من نوع "الخوف من الحرية" كما صاغه سيكولوجياً إريك فروم ؟. أم أنه أعمق من ذلك نوع من "العبودية الطوعية" الذي تلخصه مقولة إتيان دو لابويسي في الاجتماع السياسي بأن: لا وجود للعبودية إلا لأنها طوعية، في مقالته بالعنوان أعلاه؟.
أياً كان التفسير الأقرب إلى الواقع فإن الثابت والمعلوم بالضرورة لكل سوداني اليوم هو أن الفقر سببه الأول يرجع إلى أن المكون العسكري بقيادة لجنة البشير الأمنية يستحوذ بين يدية على أكثر من 80% من موارد خزينة الدولة، والتي لا تخضع لسلطة الحكومة. كما أنه هو المسؤول عن تهريب موارد الدولة المحلية والمستوردة عن قصد. وهو المسؤول عن عدم تصديه لظاهرة الإتجار بالنقد الأجنبي نهاراً جهاراً في الطرقات. كما أنه ليس على استعداد لمناقشة القصور في عجزه وفشله عن أداء مسؤولياته، بل يقوم – على العكس – برميها في ملعب الحكومة المدنية المشلولة اليدين. ويتخذ هذا الفشل ذريعة لضرورة تدخله والقيام بانقلاب على الحكم المدني (اسماً !) والاستيلاء على السلطة منفرداً، وتشكيل "حكومته" من المدنيين في الأحزاب الموالية له وبعض حركات فنادق الخرطوم المسلحة حكومته (غير المؤقتة). وقد شكلها الآن بالفعل قبل أن يذيع بيانه الأول.
حسناً.
لم يعد أحداً يجهل تفاصيل هذا المخطط، لأنه لم يعد سراً. إذ لم تعد قيادة العسكر تعبأ بإخفائه أو التستر عليه، جهراً بالسوء. وقد صرَّح بعضهم أكثر من مرة أنهم لا يخشون أحداً في الداخل أو الخارج. في حالة إنكار مزمنة للواقع تدعو للعجب.
ولكن ثمة سؤالان هنا: هل تكفي قوة السلاح ووحشية استخدام العنف المفرط وحدهما لضمان نجاح الانقلاب على السلطة، ثم على استدامة حكمهم ؟.
تجربة الإطاحة بتسلط وسلطة الحركة الإسلامية ممثلة في نظام المؤتمر الوطني وحكومة الإنقاذ، لو لم تخن العسكر ذاكرتهم، كفيلة بالإجابة بالنفي.


إذن على ماذا يراهنون؟.

(الاتكاء على حائط متداع)
من الواضح أن طرفي معادلة السلطة الانتقالية: رئيس الوزراء ومن يصاحبونه، والمكون العسكري ومن يتابعونه، يراهن كل منهما على دعم الإدارة الأمريكية له.
- حمدوك مدفوعاً للثقة في دعمها له، بالتقارير الصادرة من هناك، والتي تتحدث عن سيطرة العسكر على الاقتصاد السوداني، وتبدي تخوفها من أن يؤدي ذلك إلى استحالة العبور نحو الديمقراطية ويحول دون تحقيق مدنية الدولة. وبالقانون الذي أصدره مجلس النواب الأمريكي بضرورة ايلولة الأموال التي بحوزة الجيش والأجهزة الأمنية لولاية الدولة. كما تتعزز هذه الثقة والطمأنة بتعاطف الدول الأوروبية وتطميناتها ووعودها بدعم الحكومة المدنية.
- ويراهن البرهان ولجنة البشير الأمنية أيضاً على دعم الولايات المتحدة بدفع من إسرائيل التي بعث لها البرهان من الرسائل ما أكد لها استعداده للمضي إلى آخر الشوط معها. خاصة وقد أعلنت الإدارة الجديدة أنها ستعزز ما أبرمته الدول العربية مع إسرائيل من اتفاقيات تطبيع وتعاون يصل لحدّ التحالف. كما يستند هذا المكون العسكري بما يجده من دعم إمارتي، وتحالف عسكري مع مصر ظهرت ملامحه جلية، في خلافها مع أثيوبيا على سد النهضة، واستعداده لخوض الحرب نيابة عنها ضد جارته الشرقية.
- أم أنهم يراهنون على دعم إسرائيل لهم دون أمريكا، وكل الشواهد الماثلة تؤكد ذلك وتدل عليه ؟. ومن هذه الشواهد، أن "إيلي كوهين، وزير الاستخبارات الإسرائيلي زار الخرطوم، بحسب (الأناضول) في 27 يناير 2021م، قبيل أيَّام من إعلان الحكومة الجَّديدة، وأعلن أن بلاده، تضع "اللمسات الأخيرة" لتوقيع اتِّفاق التَّطبيع بواشنطن خلال الشُّهور الثَّلاثة القادمة، كما صرَّح لصحيفة يدعوت أحرونوت بأن الدَّولتين بصدد "إبرام اتِّفاقات تعاون اقتصاديَّة وزراعيَّة، كما سيسمح للطائرات الإسرائيليَّة بالتَّحليق في سماء السُّودان". مضيفاً بأنه التقى البرهان، ووزير الدِّفاع ياسين إبراهيم، وأنه "تفاجأ بالرَّغبة السُّودانية في المضي قدماً، وبالرُّوح الإيجابيَّة تجاه الإسرائيليين"!.
بل أكثر من ذلك، قال كوهين في بأن الدَّولتين "وقَّعتا اتِّفاق تعاون استخباراتي بمبادرة سودانيَّة حيث "قدَّم لهم وزير الدِّفاع مسودة الاتِّفاق للتَّوقيع عليها فقاموا بترجمتها بسرعة من العربيَّة إلى الإنجليزيَّة، وأعملوا فيها بعض التَّصحيحات، ووقَّعوها رسميَّاً"!. وأضاف كوهين للصحيفة قائلاً "وصلنا الخرطوم بمخاوف، وغادرناها ونحن راضون تماماً .. لقد أصبح الأعداء أصدقاء"!. وكشفت هيئة البثِّ الإسرائيليَّة الرَّسميَّة أن من بين المواضيع التي بُحثت خلال الزِّيارة إمكانيَّة "ضمِّ إسرائيل إلى مجلس الدُّول العربيَّة والأفريقيَّة المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"! . كما أوضحت أن "وفداً سودانيَّا سيزور إسرائيل قريباً"!. أضف إلى ذلك تأكيد زيارة الوفد الإسرائيلي للسودان، والتي قال عنها عضو المجلس السيادي محمد الفكي سليمان بأنها كانت ذات طبيعة عسكريَّة بحتة، وأن الوفد قام بطواف على منظومة الصِّناعات الدِّفاعيَّة، والتقى بعسكريين! (1).
ولكن ما لم يسأله المكونان على نفسيهما هو: إلى أي مدى ينبغي أن يركنا لنجاعة هذه التطمينات الذاتية وجدواها ؟.

(والنسر الأمريكي يحلق متربصاً)
إذا ما وضعنا في الاعتبار ملاحظتنا حول غلبة المكون العسكري الآن، فإن ذلك ينبغي أن يثير حذر ومخاوف المكون المدني من أن يدفع الدولة العميقة في النظام الأمريكي – أياً كانت رغبات الرئيس المنتخب – لدعم انقلاب المكون العسكري. ولكن على "العسكري"، بذات الوقت" أن لا يركن إلى الاطمئنان بدعم الإدارة الأمريكية كضرورة حتمية في مواجهة "المدني".
وبالمقابل كذلك، إذا ما أعلنت أمريكا دعمها للسلطة التنفيذية، وأصدر الكونغرس قانونه بدعم الحكومة المدنية وتجريد العسكر من قوتهم الاقتصادية، فإن ذلك ينبغي أن يثير قلق العسكر ومخاوفهم. ولكنه لا يعني بذات الوقت أن السلطة المدنية ضمنت بشكل كامل ونهائي دعم أمريكا وانحيازها لها بمواجهة العسكر.
فالسياسة الأمريكية لا تستخدم القيم التي تتحدث عنها كثيراً إلا كذرائع في خدمة مصالحها وتحقيق رغباتها، فرياح المصلحة الأمريكية هي التي تحدد اتجاه شراع قيم الحرية والديمقراطية.
وبنظرة متفحصة تتجاوز السطح وما يتم تبادله من تصريحات دبلوماسية رسمية على أجهزة الإعلام، سيتضح للطرفين أن أمريكا تقف في المنطقة الرمادية بين طرفي النزاع في السودان.
أكثر من ذلك أن أمريكا لن تتدخل لتضغط على طرف منهما لصالح الآخر. وأنها ستظل في موقعها الرمادي، في انتظار من ستكتب له الغلبة منهما لتعلن اعترافها به. وإذا ما تدخلت فإنها ستفعل ذلك لصالح من هو أقرب للكرسي منهما، تاركة النتيجة لتفاعلات الصراع الداخلي.
فقد أعرب الطرفان مسبقاً عن ولائهما المطلق لأمريكا، وتسليمهما بسيادتها على السودان، وبالتالي لن يهمها بشكل خاص من هو المنتصر، طالما النتيجة النهائية لصالحها. فما يصدر عنها من أقوال وأفعال، مثل تكرر لقاءات قادتها العسكريين بنظرائهم السودانيون في الخرطوم وبورتسودان يؤكد حقيقة رمادية موقفها، وينبغي أن لا يعتبره العسكريون ضمن رسائل التطمين الأمريكي لهم. فهي مثلها مثل الرسائل الإيجابية التي ترسلها للمدنيين، يجب أن لا يأخذوها بعيون مغمضة.
وإذن فعلى هؤلاء الذين يتصارعون أن يعلموا بأن النسر الأمريكي يحلق عاليَّاً على مسافة واحدة منهما في انتظار من يصيبه الإعياء منهما قبل الآخر لينقض عليه .. وينجو الآخر.
ولا يظنَّن من نجا بأنه ناجٍ، فقد سقط في الفخ وأسقط معه الوطن !.
ومن يسقط في حضن أمريكا – أو أي قوة عظمى – وهو مريض يعاني الضعف والإعياء... فَقَد نفسه، ووطنه، وحريته.

وعلى كلّ.
أيَّاً كان خيارهما: أمريكياً، مصرياً، إماراتياً، شيطانياً، فإنهما أخطآ الخيار الوحيد الرابح: الشعب وقواه الثورية الحيَّة. ولهذا الخطأ/ الخطيئة نتائجه التي ستقلب الموازين وتطرح خيارات أمامهما، وأمام من راهنوا عليهم في الخارج، قواعد في اللعب جديدة، وسيناريوهات تضع الجميع أمام اختبار قاسٍ.
وهذا ما سنراه لاحقاً.

مصادر وهوامش
(1) التفاصيل مأخوذة بثصرف عن: كمال الجزولي، رزنامة الأسبوع، أَيُعِيْدُنِي لِلْشَعْرِ مَوْتُكَ المَنْثُور؟!، سودانايل، بتاريخ: 14 شباط/فبراير 2021.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.