بسم الله الرحمن الرحيم
" أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ "

كتب د. محمد محمود مقالة في التعقيب على ورقة د. عبد الله احمد النعيم، في الاحتفال بذكرى الأستاذ محمود محمد طه، اختار لها عنوان (دستور طه وازمة الاسلام).. والورقة اساسا عبارة عن نقد للفكرة الجمهورية كفكرة اسلامية، تنطلق من القرآن.. وقد ركز د. محمد محمود في ورقته على موضوعين: موضوع الحرية الفردية المطلقة وموضوع الرق وكان مدخل د. محمد محمود على نقد د. النعيم، هو رد على كتاب (اسس دستور السودان)، الذي كان محورا لورقة د. النعيم، الى اصله، كدستور اسلامي يقوم على القرآن.. فقد جاء من اقوال د. محمد محمود:" ما الذي يقوله أسس دستور السودان للبشرية ويقدّمه لها إذن؟ يقول الكتاب في ديباجته: (ليحقق دستورنا كل الأغراض آنفة الذكر، فإنّا نتخذه من القرآن وحده: لا سيما وأن القرآن لكونه في آن معا دستورا للفرد ودستورا للجماعة قد تفرّد بالمقدرة الفائقة على تنسيق حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة، تنسيقا يطوّع الوسيلة لتؤدي الغاية منها أكمل أداء.) وهكذا يتّضح لنا مما يقوله طه أن ما يقدّمه للبشرية هو دستور إسلامي.".. فد. محمد محمود اراد ان يصل الى (اسلامي) هذه لينطلق منها ، وذلك لاعتبار اساسي عنده.

فد. محمد محمود ملحد، يعلن الحاده.. وانا لا اقول هذا لأي اعتبار غير اني اريد ان احدد منطلقه بصورة واضحة.. فإلحاده هو الاطار المرجعي الذي يحدد وفقه مواقفه الفكرية.. في القضايا المختلفة.. يقول الدكتور عن الحاده: "كتبت عن إله الاديان وموقفي في المسألة واضح، وهو أنه وهم، وإله صنعته الاديان (فمثلما صنعت الديانة الاغريقية القديمة إلهاً أطلقت عليه زيوس، فإن اليهودية صنعت إله أطلقت عليه اسم يهوه).. وهذا ما قلته في كتاب نبوة محمد من أن إله النبوة صنعته النبوة، وصنعته على صورتها، ولا يتجاوز مستواها المعرفي والأخلاقي".. ويقول: "وننطلق في كتابنا هذا في النظر لنبوة محمد وللنبوة عامة من افتراض أولي مؤداه أن النبوة ظاهرة انسانية صرفة، وأن الإله الذي تتحدث عنه النبوة لم يُحدث النبوة ويصنعها، وإنما النبوة هي التي أحدثت إلهها"!! هذا هو إلحاد الدكتور.. هو ينكر اله الاديان، وهو الله الذي لا اله غيره، فمن ينكره هو الملحد.. والله في الاديان الأمر فيه قام على سلطان مبين، فالنبوة لم تصنع الله كما زعم الحاد الدكتور، وإنما هي وحي من الله، قام عليه الدليل، ودعمته المعجزات.. فإذا انكر الدكتور ذلك هذا شأنه، وهذا هو الالحاد.. فأي دين غير الاديان السماوية التي قامت على النبوة، هو من صنع صاحبه.. هو هوى.. المهم انا أقول عن الدكتور بأنه ملحد، بمعنى أنه ينكر الله كما جاء في الاديان الكتابية، وهذا ما يقوله هو بنفسه عن نفسه..
فد. محمد ذكّرنا بأن اسس دستور السودان هو الدستور الاسلامي، واخذ كله من القرآن ، ليبني على هذا نقده، حسب منطلقه الذي ذكرناه.. ملاحظتي الاساسية بالنسبة لحديث د. محمد محمود الذي اطلعت عليه هو انه يقرر، في اهم الامور واخطرها، دون أي اعتبار للواقع الفعلي!! فهو يقول مثلا: " إن ما يدركه المواطن العالمي وما يمثّل أساس موقفه الأخلاقي وإيمانه بفكرة الحقوق العالمية أن وقوفنا مع الإنسان في أي مكان وزمان ضد أي شكل من أشكال استلابه هو عنصر أساسي من العناصر التي تعرّف إنسانيتنا".. وهو في هذا القول كان يعلق على موضوع الرق بالذات، ويتهم القرآن بانه يبيح استعباد الانسان للانسان!! فد. محمد محمود يغيب النظرة التاريخية تماما، وعنده ما يشكل استلابا للانسان في القرن الواحد والعشرين يشكل استلابا للانسان في أي زمان ومكان!! فالرق مثلا هو استلاب للانسان في القرن الواحد والعشرين، وهو بنفس القدر استلاب للانسان في القرن السابع او حتى في القرن الأول.. وكذلك الحال بالنسبة للحرية، او أي قيمة انسانية.. فعنده، ما يسميه استلابا للانسان، ليس له ما يبرره في أي مرحلة من مراحل التاريخ.. وليست هنالك حكمة لوجوده في أي مرحلة من مراحل التاريخ.. وهذا لا علاقة له بالتفكير الموضوعي، لا من قريب ولا من بعيد.. لا أحد يقول أنه ليس من الضروري اعتبار الظروف التاريخية الموضوعية.. العقل نفسه، نشأ وتطور في مستويات مختلفة، فلا يمكن أن يكون حكمه على الأشياء في بداية اطواره، كما يكون حكمه بعد نضجه.. والانسان نفسه بدأ من بدايات بدائية وتطور إلى أن وصل إلى ماهو عليه الآن.. وكذلك البيئة في الأرض.. فالزعم بأن الحكم على الأشياء هو نفسه، في مختلف الأزمنة والأمكنة، زعم خاطئ، ويدل على سطحية شديدة في التفكير.. ويخاللف البداهة.. والرق الذي يتحدث عنه د. محمد محمود، ظاهرة نشأت مع الحرب.. والحرب ظاهرة لها دور ايجابي في التفاعل والتطور الحضاري، ولم ينته دورها هذا إلا في القرن العشرين وبعد الحرب العالمية الثانية.. وحتى الآن الحرب مستمرة، والقليل من الناس يدرك أن دورها التاريخي قد انتهى.. فإذا جاء د. محمد محمود بآخرة ليقول لنا أن الموقف من الحرب ينبغي أن يكون في كل الأزمنة والأمكنة موقف واحد، فنقول له هذا انكار للواقع وتفكير اجوف، وتغييب تام للنظرة التاريخية، ولحكمة دخول الأشياء في حياة البشر.. وهو موقف خالي من الصدق.. اليوم السلام هو أهم وأكبر حاجات الانسانية، وهو لم يكن كذلك في أي تاريخ سابق.. وحتى اليوم وبعد أن أصبح السلام حاجة حياة أو موت، لا تزال الانسانية عاجزة عن تحقيقه.. هذه النقطة هامة جدا لتحديد الموقف من فكر د. محمد محمود.. فالسمة الأساسية لهذا الفكر إن صح أنه فكر هي أنه ينكر الواقع، ولا يبني عليه.. ويمكن أن تكون هذه الظاهرة هي مفتاح تفكير الدكتور، وهي السبب الأساسي في الحاده، فبسببب من انكاره للواقع ينكر الله نفسه!!
توكيداً لإنكاره للواقع، يقول د. محمد محمود عن التكفير في الإسلام: "إن الموقف التكفيري يستند على نصوص القرآن ومادة الحديث والممارسة النبوية.. والتكفير القرآني كما هو معلوم لم يقتصر على المشركين الموصومين بالوثنية، وإنما امتد ايضاً لأهل الكتاب من يهود ومسيحيين لعدم قبولهم بنبوة محمد.. هذا التكفير للكافة كان كلمة القرآن الأخيرة والشاملة ضد مخالفيهم وهم يترسّمون خطى القرآن"!! لاحظ (هذا التكفير للكافة كان كلمة القرآن الأخيرة والشاملة) من أين أتى الدكتور بزعمه الباطل هذا.. هو لم يأت به قطعاً من القرآن، وإنما أتى به من موقفه المبدئي الذي يقوم على مخالفة الواقع.. فالقرآن يقول مثلاً: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وهي آية واضحة تقوم على حرية العقيدة الكاملة، وفيه من أراد أن يكفر فهو حر في اختياره هذا، على خلاف آيات الفروع التي كانت تصادر حق الكفر لاعتبارات تاريخية، ليس في ذهن الدكتور مكان لها.. وآيات الاسماح عديدة، ونحن لا نحتاج إلى ذكرها هنا.. فتقرير الدكتور بأن (التكفير للكافة كان كلمة القرآن الأخيرة والشاملة) تقرير باطل، مخالف للواقع، ولم يذهب إليه الدكتور إلا لأنه ملحد يرفض القرآن، ويرفض رب القرآن.. وبنى د. محمود على موقفه الخاطئ هذا، زعمه الذي جاء فيه: " ومن الطبيعي أن يكون اليوم كلمة التكفيريين الأخيرة والشاملة ضد مخالفيهم وهم يترسمون خطى القرآن" هذا التقرير الباطل، انبنى على تقريره الباطل السابق.. والواقع أن من تحدثوا عن التكفير في الندوة كانوا كلهم من أهل القرآن، وكانوا كلهم ضد التكفير، ولكن د.محمد محمود لا يرى إلا ما يريد أن يرى، حتى لو كان ما يراه غير موجود ويخالف الواقع الفعلي مخالفة تامة.
يقول د. محمد محمود: "إن الموقف التكفيري يستند على نصوص القرآن ومادة الحديث والممارسة النبوية".. وبالطبع هذا القول ينكر آيات الاسماح انكاراً تاماً، فصاحبه يريد أن يقرّر من عنده، ومخالفة للواقع الفعلي، أنّ القرآن يقوم على التكفير في القرن الواحد والعشرين، كما في القرن السابع، ولا يوجد أي اختلاف بين المرحلتين التاريخيتين.. وهذا، بالطبع خلاف الواقع، ولا يقوم إلا على رغبة الدكتور الشخصية في نقد الاسلام والقرآن بصورة مبدئية وشاملة، من منطلق أنه ملحد يرفض القرآن.. ولو كان الدكتور أميناً مع نفسه، ومع الآخرين، لتحدث حديثاً واضحاً، يقوم على مبدئه الأساسي، كأن يقول مثلاً، أن القرآن خطأ بصورة أساسية، لأنه يقوم على الزعم بأنه منزل من الله، والله نفسه غير موجود!! هذا هو المنطق الذي يقوم على مرجعيته.. ولكن الدكتور تركه ليقرر أشياء ليست أساسية في مبدئه، ولا وجود لها في الواقع الفعلي، وإنما هي من عنده.
يقول د. محمد محمود: "وهكذا يتضح لنا مما يقوله طه أن ما يقدمه للبشرية هو دستور اسلامي.. وما نلاحظه أنه ورغم أنّ هذه الاسلامية هي السمة الأساسية التي تميز الدستور الذي نقدمه عن أي دستور آخر، إلا أنه يسقطها عندما يثبت في عنوان كتابه سمات حكومته بأنها (جمهورية فيدرالية اشتراكية)..".. في هذه الملاحظة، يبدو د.محمد محمود وكأنه يتهم الأستاذ بأنه يخفي سمة الاسلامية من الدستور الذي يقدمه!! هذا مع أن د.محمد محمود بنفسه أورد من الديباجة ما نصه "ليحقق دستورنا كل هذه الأغراض آنفة الذكر، فإنا نتخذه من القرآن وحده" وجاء في مقدمة الطبعة الثانية: "قلنا في كلمة الغلاف أن "أسس دستور السودان" هي (أسس الدستور الاسلامي)..".. فنفس النص موجود في الغلاف الخلفي، مع إضافة "هو أسس الدستور الاسلامي حقاً، ولكننا لا نسميه اسلامياً لأننا لا نسعى إلى اقامة حكومة دينية، بالمعنى الشائع عند الناس..الخ".. فملاحظة الدكتور لا معنى لها ولا قيمة لها.. وسمة الاسلامية تقوم عليها جميع دعوة الأستاذ محمود.. وصدرت عديد من الكتيبات عن الدستور الاسلامي.
ويقول د. محمد محمود في صورة من التهكّم غير اللائق: "إذن وحسب النعيم ما على المواطن العالمي الذي لن يستطيع أن يجد حقوقه الانسانية العالمية في الاعلان العالمي إلا أن ينظر في القرآن، دستور البشرية، ليجد حقوقه العالمية الحقيقية".. هذا الذي تتهكم منه هو الحق الذي لا حق غيره.. وهو لا يتم الحصول عليه بمجرد النظر في القرآن، وإنما عن طريق المعرفة بالله التي يتم عن طريقها معرفة القرآن، ومعرفة الدستور الذي يقدمه القرآن.. وهذا أمر موجود بصورة مفصلة في كتابات ومحاضرات الأستاذ محمود.. وهو ما يقوم عليه كتاب أسس دستور السودان.

الحرية الفردية المطلقة:
بعد أن اورد د. محمد محمود نصّاً للأستاذ محمود عن تنسيق حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة، ذهب ليقول: " دعنا نقصر محاكمتنا لدعوى طه على الوعد بما يصفه بـ "الحرية الفردية المطلقة". إن هذا المواطن العالمي عندما يطّلع على القرآن لن يجد تعبير "الحرية الفردية المطلقة" البتة، ولكنه سيجد أن القرآن في واقع الأمر يقرّ ويبيح استعباد الإنسان للإنسان ويشرّع له (وهو في ذلك لا يختلف عن التوراة والثقافات القديمة)..".. عندما يقوم د.محمد محمود بنقد فكر الآخرين، عليه أن يلم بالمعلومات الأولية والأساسية، عن هذا الفكر الذي ينتقده .. من عباراته، أعلاه واضح جداً انه لا يعرف المعلومات الأولية لفكر الأستاذ محمود الذي يتحدث عنه بهذه االجهالة، والسخرية التي تدل على الخفة.. المعاني في الدين ليست نصوصاً جاهزة تنقل من القرآن، وإنما هي تقوم على منهج معرفة محدد، هو منهج التقوى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، فالمعاني تؤخذ من الله.. ولا يستطيع أن يأخذها إلا من يجود منهج التقوى_ بالطبع أنا أعلم أن د.محمد محمود، كملحد، من المستحيل في حقه ان يفهم ما اقوله، ولكن انا اقوله للآخرين_ القضية ليست (تعبير) وإنما هي معرفة.. وموضوع الحرية الفردية المطلقة مشروح في العديد من كتب الفكرة، خصوصاً كتاب (الرسالة الثانية)، الذي جاء فيه تحت عنوان (الحرية الفردية المطلقة)، ما نصه: "كثير من الفلاسفة يرى أن الحديث عن الحرية الفردية المطلقة نافلة من القول، وإلا فحرية الفرد يجب أن تكون مقيدة، إن لم نرد لها أن تصبح فوضى . وأما الإسلام فهو يرى أن الأصل في الحرية الإطلاق، واننا حين نتحدث عن الحرية ، من حيث هي، وفي أي مستوى كانت، إنما نتحدث عن الإطلاق، من حيث لا ندري، ذلك بأن الحرية المقيدة إنما هي نفحة من نفحات الإطلاق تضوعت على أهل الأرض بقدر طاقتهم على احتمالها، فكأن القيد ليس أصلا، وإنما الأصـل الإطـلاق، وما القيـد إلا لازمة مرحليـة تصاحب تطـور الفـرد من المحـدود إلى المطلق. 
فالحرية في الإسلام مطلقة، وهي حق لكل فرد بشري، من حيث أنه بشري، بصرف النظر عن ملته أو عنصره، وهي حق يقابله واجب، فلا يؤخـذ إلا بـه، وهـذا الواجب هـو حسن التصـرف في الحـرية . فلا تصبح الحرية محدودة إلا حين يصبح الحر عاجزا عن التزام واجبها، وحينئذ تصادر في الحدود التي عجز عنها، وتصادر بقوانين دستورية".. حسب النص
1. الحرية في الإسلام مطلقة لأنها نفحة من نفحات الاطلاق.. والإطلاق هنا هو الذات الالهية.
2. الحرية في الاسلام حق لكل فرد بشري من حيث أنه بشري بصرف النظر عن ملته أو عنصره.. وهي حق يقابله واجب لا يؤخذ إلا به، هذا الواجب هو حسن التصرف في الحرية.. فالحرية تصاحب تطور الفرد من المحدود إلى المطلق والمطلق هو الذات الإلهية.. وفي الاسلام الفرد البشري سائر إلى الله في إطلاقه!! والسير هنا ليس سيراً في الزمان والمكان وإنما هو سير من النقص إلى الكمال، والكمال المطلق.. فنهاية العبد في الاسلام كمال الرب، وكمال الرب في الاطلاق، والله تبارك وتعالى يقول: " وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى " يعني منتهى السير وليس السير إلى الله بقطع المسافات، وإنما هو بتخلق العبد بأخلاق الرب، (والله تعالى يقول: "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) اردت أو لم ترد لقاءه، وأين يكون لقاؤه؟ في أرضه أم سمائه؟ لقد قال جل من قائل: (ماوسعني أرضي ولا سمائي وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن) الحديث فأنت اذاً إنما تلقاه فيك وبه لا بك وبذلك يقول المعصوم: "تخلقوا بأخلاق الله إن ربي على سراط مستقيم".. والله تعالى يقول "كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون"..).. والأمر كله مشروح بالتفصيل، ولكن د. محمد محمود لا يستطيع أن يفهمه.. من المستحيل في حق د. محمد محمود أن يفهم هذا القول الذي نتحدث عنه لا لأن القول صعب.. ولا لأن د. محمود لا يفهم وإنما لسبب أساسي هو أنه ملحد!! لا يؤمن بوجود الذات الالهية المطلقة!! هذا يجعله بصورة مبدئية حاسمة عاجز تماماً عن فهم دعوة الأستاذ محمود لأنها دعوة في جميع تفاصيلها تقوم على التوحيد وعلى معرفة الله.. والدكتور يرفض بصورة مبدئية وجود الله فمن أين له أن يعلم ما يتعلق بالله، والتوحيد معرفة الله، وليس فقط معرفة وجوده.. مما يمكن أن يعلمه الدكتور هو التشريع، وحتى علمه هنا يكون قاصر جدا، لأنه منفصل عن التوحيد فبما أن دعوة الأستاذ محمود كلها تقوم على التوحيد معرفة الله والدكتور يرفض وجود الله، فبالضرورة عنده كل ما يتعلق بمعرفة الله مرفوض مبدئياً.. وفي الدين أنت لا يمكن أن تسير إلى الله دون الإيمان به، وبرسوله، وبقرآنه، وكل هذا مرفوض عند د. محمد محمود.. فلا معنى لأن يناقش تفاصيل الفكرة، في حين أن كل الأساس الذي تقوم عليه عنده مرفوض.. الملحد لا يستطيع أن يفهم الدين، وأنا لا أقول هذا كمهاترة، كما يفعل الدكتور، وإنما أقوله، لأنه الحق الذي لا حق غيره.
يقول د. محمد محمود: " سيجد هذا المواطن العالمي أن طه الذي يحدّثه عن "الحرية الفردية المطلقة" والذي عاش في القرن العشرين، كان من المدافعين عن الرِّقّ الإسلامي والمبرّرين له".. هذا محض اختلاق وكذب فموقف الأستاذ محمود محمود من الرق واضح، وهو نقيض ما يزعمه الدكتور، وقد جاء من أقوال الاستاذ محمود: "الرق ليس اصلا في الاسلام..
فالأصل في الإسلام الحرية ، ولكنه نزل على مجتمع الرق فيه جزء من النظام الاجتماعي والاقتصادي . وهو مجتمع قد ظهر عمليا أنه لا يحسن التصرف في الحرية ، مما أدى الى نزع قيام أفراده بأمر أنفسهم ، وجعل عليهم وصي إلى ذلك الأبد، وقد رأينا أن هذا أدى الى شرعية الجهاد ".. مجرد القول أن الرق ليس أصلاً ينفي زعم الدكتور والقول أن الأصل في الاسلام الحرية يعني إن ما هو غير الأصل لا يكون إلا لاعتبارات مرحلية، وأنه متى ما اصبح الأصل ممكناً فهو المطلوب.. د. محمد محمود يعلم ما ذكرناه، ولكنه لا يريده بل يريد أن ينكره، ومنهجه كما ذكرنا هو انكار الواقع.. وعبارة (الذي عاش في القرن العشرين)، توهم القارئ بأن الأستاذ يؤيد الرق في القرن العشرين.. مع ملاحظة أن الدكتور لا يفرق بين القرن العشرين وخلافه من القرون، وذكرنا قوله (إن وقوفنا مع الانسان في أي مكان وزمان ضد أي شكل من أشكال استلابه هو عنصر أساسي من العناصر التي تعرف انسانيتنا) فعنده الرق مثلاً، أو أي صورة من الاستلاب، في القرن العشرين أو في القرن الأول، أو حتى ما قبل التاريخ هو يقف ضده بنفس المستوى، وهذا ما يشكل انسانيته!! إن هذه نظرة للتاريخ مسطحة، ليس فيها عمق تاريخي ولا بعد مستقبلي.. إن الأشياء تأخذ موقعها من الصحة والخطأ، والمنفعة والضرر، حسب ملابسات التاريخ.. والشيء قد يكون صحيحاً في وقته ويصبح باطلاً في وقت آخر، حسب الحاجة إليه.. فقد كانت الحرب مثلاً وهي أكبر الشرور، نافعة طوال التاريخ، بل كانت اعظم وسائل التفاعل الحضاري، وأدت إلى تطور الحياة.. ونفس الحرب أصبحت لا قيمة لها بعد الحرب العالمية الثانية.. أصبحت لا تؤدي دورها في التفاعل الحضاري.. وبفضل الله، وبسبب تطور المواصلات، وسبل الاتصال ظهر ما هو أكفأ منها في التفاعل الحضاري، ودون حاجة إلى اراقة الدماء.. ولذلك أصبحت الحرب لأول مرة في التاريخ باطلة وغير مجدية، الأمر الذي يقتضي الاستغناء عنها بصورة تامة، واستبدالها بالسلام.. وبظهور اسلحة الدمار الشامل توكدت ضرورة الاستغناء عن الحرب واستبدالها بالسلام.. هذا مبدأ أساسي في التوحيد، وهو يقوم على أن كل ما دخل الوجود، دخل بارادة الله، ولا بد أن تكون هنالك حكمة في دخوله.. ولا يكون باطلاً إلا بعد استنفاد حكمة دخوله، ومجيء الحق الذي هو أكمل منه في خدمة الغرض الذي كان يخدمه وعند ذلك يذهب ويجيء البديل.. وموضوع الحرب والسلام أوضح مثال لما نقول.. وهذا يقوم على مبدأ أساسي في التوحيد هو(حكم الوقت).. وهو يعني ما يريده ويرضاه الله في الوقت المعين، حسب حكمته.. ولما كان الدكتور لا يؤمن بالله، فمن المؤكد لا يؤمن بحكم الوقت.. وما فات عليه في هذا الأمر، لا يحتاج إلى معرفة حكم الوقت، إنما هو أمر بداهة لا يفوت على الانسان العادي، الخالي من الغرض، ولم يطمس فطرته زغل التحصيل.. ولا يمكن لإنسان يفكر، أن يعتبر أن القيم ثابتة عبر التاريخ، لا فرق فيها بين الماضي والحاضر والمستقبل.
قلت أن الدكتور يعلم موقف الأستاذ من الرق، ولذلك بعد النص الذي نقلناه أعلاه، يواصل فيقول "صحيح أنه يقول ويقوله المسلمون المعاصرون من أن الرق ليس أصلاً في الاسلام".. (الرق ليس أصلاً في الاسلام) هذا قول الأستاذ محمود وليس قول المسلمين المعاصرين.. وأنت طالما أنك تعلم أنه يقول أن الرق ليس أصلاً في الاسلام، لم زعمت أنه (من المدافعين عن الرق)؟! ويواصل في النص " إلا أنه يدرك في نفس الوقت أنه لابد من تبرير إباحة الإسلام للرِّقّ ".. الاسلام لم يبح الرق، وانما وجده سابقاً عليه، وعمل على تخفيفه.. والاسلام يقوم على أن الأصل هو الحرية.. وفي موضوع ما اسماه الدكتور تبرير للرق، يورد نص الأستاذ الذي جاء فيه: " والحكمة في الاسترقاق تقوم على قانون المعاوضة. فكأن الإنسان عندما دُعِي ليكون عبدَ الله فأعرض، دلّ إعراضه هذا على جهل يحتاج إلى فترة مرانة، يستعد أثناءها للدخول، عن طواعية، في العبودية لله، فجُعِل في هذه الفترة عبدا للمخلوق ليتمرّس على الطاعة التي هي واجب العبد. والمعاوضة هنا هي أنه حين رفض أن يكون عبدا للرب، وهو طليق، وأمكنت الهزيمة منه، جُعِل عبدا للعبد، جزاء وِفاقا ...".. واضح أن الحديث في النص عن قانون المعاوضة في الحقيقة: عن حكمة دخول الرق في الوجود، ولا علاقة له بالعبادة.. ولكن الدكتور لأنه مغرض، ولأنه محروم من فهم المعاني التوحيدية جعل الموضوع موضوع تبرير ويتعلق بالعبادة!! ذهب يقول (وهكذا فإن طه في تبريره للرِّق يرفعه لمستوى العبادة وينظر له كفترة مِران وتدريب ليصبح استعباد الإنسان للإنسان جزءا من خطة الإله وحكمته لخلاص العبد)!!
نواصل....

خالد الحاج عبدالمحمود – رفاعة
18/2/2021م