كلنا نعلم، علم اليقين، أن الوحدة الوطنية هي ضرورة لنا ولكن .. فقط الحيطة العالية، أي السور، هي التي تخلق الجار الممتاز وإنفصال دارفور هو سلام وأمان لأهل دارفور في المقام الأول، وبقية السودان والمنطقة كلها، وبعدها يتوجب النظر في حال بقية الأقاليم .. الإنفصال لا يجب أن يعني عداوة وحرب وكراهية ولكنه يعني دولتان جارتان شقيقتان تعيشان في وئام وسلام وتساندان بعضهما البعض .. البيت الذي تسكنه أسرة واحدة أكثر أماناً وهدؤاً من ذلك الذي تسكنه أسر متعددة .. بالطبع ستكون جاراً طيباً أن كان جارك أيضاً طيباً

نعم, نعلم علم اليقين أن الوحدة الوطنية القومية هي درعنا وضرورة لنا من أجل البقاء فوق هذه الأرض وحماية لنا في هذه الدنيا المستعرة والمشتعلة تنافساً وتآمرا، وأن الوحدة الوطنية هي التي حتماً ستحمينا من غدر ومكر أعدائنا ولــــــــــكن ألم يكن من الأجدر لتلك الوحدة أن تحمينا من غدر ومكر بعض مواطنينا الذين هم أشد عداوة ونكاءة لنا، ولأنفسهم، من الأجنبي، بتخلفهم وقبيلتهم البغيضة العارمة؟ .. أناس قالوا أنهم حملوا السلاح ضد الدولة من أجل حقوقهم وقد كان الأفضل لهم ولأهلهم تفجير ثورات شعبية سلمية، كما دأب العظماء الأحرار من أبناء وبنات هذا الشعب، في أكتوبر ١٩٦٤ وأبريل ١٩٨٥ وديسمبر ٢٠١٨، وليت كفاح حملة السلاح كان من أجل شعوبهم، فقد كشفت الأيام أنها من أجل مصالحهم ومكاسبهم الذاتية .. إعتركوا وتعاركوا في كل مفاوضاتهم من أجل مناصب دستورية وقصور فاخرة وسيارات فارهة في العاصمة ومن أجل ذلك عملوا على شرعنة مليشيات الدعم السريع التي ما أنشأت إلا لحربهم ولكن تلاقت الأغراض والنوايا وهي فقط الفوز بالحكم في المركز مدعين أن أهل الشمال قد حكموا ٦٥ عام وقد آن الأوآن لينالوا فرصتهما وكأن الشعب لم ينتقض ولم يثور على تلك المنظومة المركزية البالية التي خلقت كل هذه الأزمات والحركات والمليشيات والحروب وفاقمت النعرات العنصرية القميئة وإقعدت البلاد ٦٥ عام، فهل يعقل أن يتواصل هذا الغثاء؟ بالطبع لا

مشكلتنا الحقيقة في هذا الوطن أن الغالبية العظمى من أهل الشمال والوسط تتفاخر بإنعتاقها من ضيق القبلية وخروجها لبراح الوطنية في حين نجد أن هناك من يمارس رعونة القبيلة بكل رذالتها فيما يسمى بالهامش وهو موجهاً أصابع الإتهام للغالبية المستنيرة بل يرسل الأحكام المطلقة بأنها أسباب كوارث هذا الوطن .. كيف يمكن أن تكون هناك وحدة وطنية قومية في ظل تلك الإتهامات والأوهام والأحقاد والتنافر؟ هناك العديد من العوامل والمعطيات التي بمقدورها تحقق التنمية الشاملة في بلد كسوداننا المترف بالثروات ولكن لابد أن نعي أن الوحدة الوطنية وحدها هي خارطة الطريق والبوصلة التوجيهية للتقدم في الإتجاه الصحيح والنمو والتطور الحقيقي وهي كفيلة بتوفير المنابع الدائمة للدفع الإيجابي ومن ثم الإنجازات الكبرى ولكن، لإدراك تلك المفاهيم، يتوجب إفساح المجال لكل شعوب السودان لكي تصلح حالها في ديارها المستقلة وبعيداً عن المؤثرات والمكايدات السياسية والعرقية والتناحر القومي الذي هو سمة سوداننا المنكوب

الظروف التي جعلت أهل الشمال هم أصحاب السلطة في سوداننا هي نفس الظروف التي أوجدت السودان نفسه .. فقد جاء الأتراك ومن بعدهم الإنجليز من البوابة الشمالية وعلى طول نهر النيل وكانت الحظوة لساكني تلك المناطق في التنمية والتعليم والعمران والإستئثار بالسلطة.. وجميعنا يعرف، في العالم أجمع، أن المجتمعات التي تقطن على ضفاف المياة أكثر إزدهاراً وحظوة من تلك التي تبعد عنها .. وبغض النظر عن كل ذلك علينا إدراك ما آل له حال السودان، الذي أوجده الإنجليز ورحلوا عنه، وتركوا السلطة والسطوة لأهل الشمال، فقد ظلت كل الحكومات المتعاقبة في فشل متواصل متراكم بسبب الحرص على إدارة ذلك الوطن القارة من الخرطوم وهو فشل ظل تعارضه النخب المستنيرة وتدين إدمان ذلك الفشل .. والحقيقة تؤكد أن مشاركات قيادات وزعماء الهامش في ذلك الفشل قد أدى لخراب كل البلد وليس الهامش لوحده .. وعليه وحتى لا نقضي على ما تبقى من نسيج مجتمعي مهتريء ونزيد الخراب خراباً يجب العمل فوراً على التقسيم لدويلات كونفدرالية ومنح خيار الإنفصال لمن يرغب دون شروط مسبقة أو تعجيز .. دائماً نجد التغيير أمر عسير وقد يكون شبه مستحيل ولكنه ممكناً فقط عندما تكون هناك الشجاعة الكافية لتجريب الشيء الذي نخافه، فمالذي يضيرنا أن سعينا لخلق سبعة مراكز لسوداننا بديل مركز واحد؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
٢٠ فبراير ٢٠٢١