خلال الأيام القليلة الماضية، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي، خبرا عن إتخاذ مجلس شركاء الفترة الإنتقالية قرارا، بتعويم الجنيه السوداني، وقرار آخر بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، وحسب ما جاء في التسريب، لم يعترض أحد سوى الأستاذ علي الريح أمين سر حزب البعث العربي الإشتراكي (الأصل).
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ثورة ديسمبر المجيدة قامت أجل التعويم والتطبيع ..؟
وهل تعويم الجنيه السوداني والتطبيع مع الكيان الصهيوني سيحلان الأزمة الإقتصادية ..؟
أم هي قرارات تخدم مشروع الشرق الأوسط الذي رسمت خطوطه العريضة وزيرة خارجية الولايات الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس ..؟
حسب علمي وفهمي وإيماني الصادق بحتمية الثورة الذي دفعنا من أجلها ثلاثون عاما من النضال والثبات على القيم والمبادئي إن القرارين لا علاقة لهما بالثورة من قريب أو بعيد، ولن يساهما في حل الأزمة الإقتصادية.
لأن القرارين كلاهما يكمل الآخر، التطبيع مع الكيان الصهيوني الهدف من ورائه حرف مسار الثورة ومضمونها الوطني والقومي والإنساني التحرري، وهكذا قرار تعويم الجنيه السوداني هو قرار لخدمة البرجوازية الطفيلية والرأسمالية العالمية التي تسوق لمشروع الشرق الأوسط الذي يسعى لإخراج العرب من المعادلة، ليصبحوا مجرد أتباع لإيران وتركيا وإسرائيل.
قرارات التطبيع والتعويم وقبلهما قرار رفع الدعم كلها هي أدوات لخدمة (النظام الدولي الجديد)
الذي تتحكم فيه نزعة مسعورة تسعى للهيمنة والسيطرة على مصادر الطاقة والمعادن، البترول والغاز والماس والذهب وغيرها من موارد مهمة وإستراتيجية.
وامامنا الواقع وقائع التدخل سافر لكل من محاور الرجعية العربية، بجانب تركيا وإيران وروسيا وفرنسا وإسرائيل لحرف مسار الثورات، وإدامة حالة اللاإستقرار وبالتالي تسهل مهمة التحكم في المنطقة وسرقة ثرواتها إلى الدرجة أضحت فيها الثروة العالمية في أيدي حفنة من البشر لا تتعدى نسبتها 10% من عدد سكان العالم، بينما يرزح 6 مليار إنسان تحت خط الفقر.!
النظام الدولي الحالي يعيش أزمة قيم ومبادئي ورؤى لتحقيق عالم أفضل ولعل أعداد ضحايا فايروس كورونا خير شاهد.!
يوم أمس تناقلت الأخبار العالمية أن عدد الضحايا في الولايات المتحدة لوحدها بلغ نصف مليون إنسان فارقوا الحياة بسبب هذا الداء اللعين .!
ارقام عدد الضحايا فضحت سياسات النظام الدولي وكشفت حجم الخراب فيه.!
عالم قادته مشغولون بالصراع على القيادة والهيمنة والتحكم، وليس من الحكمة والعقلانية، من أجل بناء عالم أفضل للإنسانية جمعاء.
عالم أصبحت الولايات الأمريكية تصارع من أجل الحفاظ على موقعها الذي حازته بعد إنتهاء الحرب الباردة، لكنه تراجع بغزو العراق وأصبح حقيقة في عهد ترمب الذي ساهم في بروز لاعب جديد هو روسيا بجانب الصين.
ولو عدنا إلى الوراء ثلاثة قرون، إلى القرن الثامن عشر الذي شهد قيام الثورة الفرنسية، التي بشرت بسيادة عصر الجماهير وثقافة الأنوار والديمقراطية والعدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان.
تتجلى المفارقة، التي تجعلنا نصل إلى حقيقة مفادها، أننا نعيش في عصر لا يرحم أينما نولي أنظارنا وأبصارنا لا نرى سوى الخراب والدمار والتوحش والتغول الذي بدأ بإحتلال العراق في ٢٠٠٣وقبله إحتلال فلسطين في ١٩٤٨، من منتصف القرن الماضي، وقبله كانت الحرب العالمية الأولى والثانية، والحرب الباردة وظلالها القاتمة على دولنا العربية والإفريقية، التي نطالع تجلياتها في بانوراما الخراب والتشظي في كلا اليمن وليبيا وسوريا، هذا بجانب صور الضحايا الذين يغرقون في البحر الأبيض المتوسط في طريقهم إلى أوروبا هربا من جحيم المعاناة وإنعدام فرص الحياة في دولهم التي تحكمها، أنظمة سياسية متكلسة وغارقة في مستنقعات الإستبداد والفساد.
في هذا السياق تأتي قراءتنا لقرارات رفع الدعم والتعويم والتطبيع، بهدف إفراغ الثورة من مضمونها الوطني والقومي والإنساني التحرري لصالح مشروع العمالة والخيانة والإرتزاق والخضوع لسياسيات الإمبريالية العالمية والصهيونية ومن خلفها الرجعية العربية التي تروج لنشر ثقافة الظلام وقطع الطريق على الديمقراطية والحرية في المنطقة .
لذلك نقول إن الذين يروجون للتطبيع هم في الواقع إما جهلاء بحقيقة العالم وتوجهات القوى التي تسعى الى السيطرة والتحكم في في مصير العالم، وإما ساسة فاسدين، أو وأمراء حرب يكبلهم ماضيهم وما إرتكبوه من جرائم ضد شعوبهم، كحال أعضاء الأمنية التابعة للنظام السابق بقيادة البرهان وحميدتي.
إذن الوعي بهذه الحقائق والمخاطر يجعلنا نتعامل معها بحكمة وعقلانية، بلا إفراط في الأوهام ولا تفريط في الحقوق، عبر موقف وطني شعبي مدرك لحقيقة النوايا والأهداف التي تروج لها القوى المنخرطة في مشروع العمالة والخيانة والخضوع للإمبريالية العالمية والصهيونية، ومؤسسات صندوق والبنك الدوليين، على حساب معاناة الشعب السوداني الذي عانى طويلا.
الحل الجذري والعلمي هو التوصل إلى إتفاق وطني جامع لكل أبناء وبنات الشعب السوداني في الداخل والخارج لوضع أسس بناء الدولة السودانية الحديثة الحاضنة لكل أبناءها وبناتها القائمة المشاركة العادلة في صنع القرار وتحمل المسؤولية، وإتباع سياسة النزاهة والشفافية والتقشف وزيادة الإنتاج بالإعتماد على الذات، كما فعل الثائر (توماس سانكارا) عندها لن نكون في حاجة للهرولة وراء وتركيا وإيران والإمبريالية العالمية والصهيونية والرجعية العربية.
ونفلح في تحقيق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة دون تبعية أو تطبيع، أو تعويم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////