أداء القضاء بعد الثورة أمرٌ محيّر.. ونحن هنا لا نريد أن نتدخّل في مجرى قضية بعينها أو نعترض على أحكام القضاء .. لكن لا شيء يمنع من تناول ما يلاحظه المجتمع حول الكفاءة التي تتطلبها المناصب العامة ورصد مستويات (الارتقاء والانحدار) في أداء مرافق الدولة ومن بينها المطالب الطبيعية بضرورة التأهيل وإعادة التأهيل للعاملين في وظائف ومراكز الدولة العدلية والتنفيذية والتشريعية والسيادية وغيرها.. فهذا حق مشاع.. وفريضة حاضرة للتقدم والتطوّر.. فبأي آلاء ربكما تكذبان!!
ما رأيناه في محكمة انقلاب الإنقاذيين هو محل (ملاحظة عامة) من واقع ما يدور في هذه المحاكمة في هذه الدورة وفي الدورة السابقة؛ فقد بدا واضحاً أن المتهمين بجريمة الانقلاب والمحامين المدافعين عنهم يحاولون التلاعب داخل المحكمة للتقليل من هيبتها..وهذا ما كان ينبغي أن يفوت على فطنة أي شخص داخل أو خارج قاعة المحكمة.. وكان المنظور والمأمول ألا يتم السماح لهم بكل هذه الألاعيب والمقاطعات و(الطلبات السمجة) التي يرمي المحامون والمتهمون من ورائها إلى تسويف المحاكمة بالمماطلة و(المقاوحة) واختلاق الأعذار و(الفنططة) والاعتراضات المتصلة التي لا تحترم وقت المحكمة ولا إجراءاتها بل تحاول هز هيبتها.. فما معنى أن يقف أحد المدافعين عن مخازي الإنقاذ عشرين مرة ليقاطع القاضي وليردد ذات الطلب بتقليص وقت المحاكمة (بحجة أن المتهمين كبار السن) مما يجعل المحاكمة وكأنها مشاهد هزلية تدور في أحد مسارح الكوميديا السوقية حيث يصر المحامون على تقديم مطالبات مهلهلة النسج يتم تكرارها بالتبادل من أكثر من محامي وهم مجموعة ليست صغيرة أوكل لكل شخص فيها دور لتكرار ذات المطالب التهريجية ..وهذا من العبث الذي لا يليق بقائمة اتهام تتعلق بتقويض دستور البلاد وهدم بنيتها الديمقراطية عبر انقلاب عسكري قامت به عصبة إيديولوجية مارقة.. استخدمت بالتزييف اسم القوات المسلحة السودانية..!!
في دورة محكمة الإنقلابيين السابقة كانت قطاعات الشعب في غاية الغضب من إدارة القاضي السابق للمحاكمة.. وكيف أنه سمح بالهتاف والهرجلة وعبارات السخرية من المتهمين والمحامين والفلول الذين يصيحون داخل القاعة .. والمحامي الذي يتجاسر على القاضي ويوجه إليه من داخل المحكمة عبارات خارجة لا علاقة لها بالقضية مثل عمل لجنة إزالة التمكين التي طردت القضاة المزيفين.. قضاة الفساد الذين جعلوا من ساحة القضاء ساحة للرشاوي والابتزاز وأوكاراً لمليشيات المؤتمر الوطني ومخزناً للأسلحة والمهمات العسكرية .. عندما كان القضاة يرتدون (الكاكي) داخل القضائية ويخرجون به للمشاركة في تقتيل مواطنين باسم الجهاد..!! وقد ابتهج الناس باعتذار القاضي الأول عن مواصلة رئاسة المحكمة بسبب خشيته من تصاعد (ضغط الدم)..وتفاءلوا بقاضٍ جديد يمنع المتهمين وهيئة دفاعهم من (الهرجلة والبرجلة) …ولا زالوا يأملون..!! ونقول (بالبلدي) هل يحتاج إثبات انقلاب الإنقاذ إلى كل هذا الشهور لإثباته..؟! وهو انقلاب مكشوف اعترف به من قاموا به في كل المنابر داخلياً وخارجياً بشهادات موثقة من قادتهم عن الإعداد والتوقيت والأشخاص والمهام..الخ ألم يعترف الترابي صراحة بالانقلاب.؟ ألم يقل المخلوع مليون مرة (متبجحاً) إنهم أخذوا البلد بالقوة ومن يريدها عليه أن يأخذها بالقوة و(يطالعهم الخلا)..؟!
هذه الإجراءات نراها (والله أعلم) لا ترتقي إلى خطورة الاتهام..! والجميع يتطلع إلى الحفاظ على استقلال القضاء وضمان هيبة قاعات التقاضي لأن الإنقاذيين ومن يدافعون عنهم لا يرتدعون.. ولن يتركوا عادتهم في التهريج والتلاعب.. ولا بد من زجرهم عند الضرورة.. (ووضع الندى في موضع السيف بالعلا / مضرٌّ كوضع السيف في موضع الندى).. بلاش دوشة…!!