يتطلع شعب السودان بكل مكوناته الاجتماعية في كل شبر من ارضه لحياة الرفاهية والحكم الرشيد ولمستقبل مشرق واعد لينعم بالحرية والسلام والعدالة ولإدارة موارد الوطن الذي يسع الجميع دون تمييز وهذا لا يتم الا بالمصارحة والمكاشفة والاحترام المتبادل من اجل المصلحة العامة. والتغافل والتجاهل للمشاكل سيعمقها بلا شك ونؤكد ان الفترة الانتقالية مسؤولية الجميع حاكم ومحكوم والانسان هو محور النهضة ويتم ذلك بالعلم والتدريب والتأهيل والدراسة والبحث الجاد بعيدا عن الاهواء والنعرات العنصرية البغيضة التي تعج بها مواقع التواصل الاجتماعي لبعض العاطلين والفاشلين والجبناء من المرضى النفسيين الذين يروجون للأكاذيب والافتراءات وإشاعة البغضاء بين مكونات المجتمع ونأمل سن قوانين رادعة في حقهم وتطبيقها بصرامة. تحتاج الموارد الطبيعية والموارد البشرية المميزة حسن ادارتها وتوجيهها لدعم الإنتاج والبناء والتنمية والنهضة وهو أكبر مكسب للوطن والشعب. والابتعاد عن المحاصصات والمناكفات التي تضر بالجميع و استبدالها بعقد المؤتمرات وورش العمل و المحاضرات و الندوات الهادفة و الموجهة لسير المجتمع في طريق النهضة المنشودة. تفعيل دور الباحثين المتميزين في الداخل والخارج لإيجاد حلول ناجعة وفق منهجية علمية واشراك المواطنين فيها في الحضر والريف. وتفعيل دور المؤسسة العسكرية في خدمة المجتمع. ولذلك سأورد بعض الدراسات تباعا للباحثين وللمهتمين بأمر البلد. وليس لي فضل فيها غير النقل من مصدرها. واليكم هذه الدراسة " الدور الاجتماعي للجيش في دول العالم الثالث " إعداد: د. سامي عجم العدد 51 -كانون الثاني 2005 الرابط https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content/

الدور الاجتماعي للجيش في دول العالم الثالث
تمتّع الجيش عموماً بثلاث مزايا أساسية لا تتمتّع بها أيّ مؤسّسة اجتماعية أخرى وهي التنظيم الدقيق وامتلاك القوّة المتمثّلة في الأسلحة والمعدّات العسكرية الموضوعة في تصرفه وفقاً للقوانين، والهيبة العالية الناتجة عن ذلك، هذا بالإضافة إلى توفير المال اللازم لتأمين التسلّح وتحقيق الأمن وهكذا فإنّ كثيراً من دول العالم محكومة من قبل عسكريين سيطروا على السّلطة عن طريق الانقلابات العسكرية يضاف إليهم من انتقل من صفوف الجيش إلى السلطة السياسية عبر أحزاب حاكمة أو عبر الوسائل الديموقراطية وإشكالاتها المعقّدة، والناجمة في دول العالم الثالث عن علاقات صراع ما بين الجيش والمؤسّسات السياسية.
لدى الحديث عن الجيش في دول العالم الثالث بشكل عام، وفي مجتمعات الدول العربية بشكل خاص، فإن أوّل ما يتبادر إلى الأذهان هو تلك الظاهرة العسكرية التي بدت من أبرز الظواهر السوسيولوجية في العالم العربي، سواء حملت أم لم تحمل بذور الثورة، وسواء قامت أم لم تقم بانقلابات عسكرية ما يميّز الظاهرة العسكرية في الدول العربية التشابك، وأحياناً كثيرة، التنازع مع الظاهرة السياسية، وذلك في إطار الصراع على السلطة غير أننا لن ندخل في سياق هذا البحث في إطار مشاريع الصراع والتنازع، ولن نتطرّق إلى ما آلت إليه الظاهرة العسكرية في الدول العربية، بل سنتناول إشكالية الواقع، محاولين تفسير التوجّه الجديد للمؤسّسة العسكرية المنحى الاجتماعي إنّ الفارق كبير بين بناء النظريات حول الدّور المعاصر للجيش، بمعنى الدّور غير العسكري، وتطابق تلك النظريات مع حقائق أرض الواقع.
ترى ما هي قدرة وإمكانيّة الجيش، أيّ جيش، على إحداث تغييرات في المجتمع وتحديثه وعصرنته؟ وما هي قدرة المجتمع بدوره على تحديث وعصرنة الجيش؟ هل الحديث عن دور الجيش في التنمية شأن مبالغ فيه ؟وهل صحيح أنّ الروح العسكرية تضعف عندما يقوم الجيش بدور إنمائي ؟وأين تكمن الذهنية العسكرية وإجراءاتها المعيارية، وأين تنسجم مع الدّور الاجتماعي ؟علماً أنّ الدّور الاجتماعي للمؤسّسة العسكرية عموماً هو دور مجتمعي شامل لكلّ المجالات غير العسكرية (اقتصادية، تنموية، صحية، بيئية...)، وقد لعبت المؤسّسة العسكرية في الكثير من الدول دوراً أساسياً في مجالات المساعدة الاجتماعية والإسكانية والصحية (خلال الحروب والكوارث الطبيعية أو في حالات النزاعات المسلحة)وسوف نركّز على هذا الدّور المجتمعي للجيش في حالات السلم، كونه يساهم في الحدّ من التباين بين "المجتمع العسكري "و"المجتمع المدني"، هذا التباين الناجم عن الدّور الأمني للجيش من جهة، وعن التفرقة بينهما أيضاً في المجال الجغرافي من جهة أخرى، والمبررة بالتنشئة العسكرية وبالدّور الأساسي للجيش وبنيته المتمايزة .وربما أدّى كل ذلك بالبعض، من داخل أو من خارج المؤسّسة العسكرية، إلى التعامل معها كونها مميّزة.

إشكاليّة البحث
تفترض هذه الدراسة أنّ الدَّور الاجتماعي للمؤسّسة العسكرية ما زال بحاجة إلى جهود كبيرة لبلورته وتجسيده بصورة جليّة على أرض الواقع وهذ أمر لن يتحقّق بمعزل عن تغيير في الأسس التي تربّى عليها العسكريون كجماعة مهنية متميزة والفهم السليم للمؤسّسة العسكرية لا يكون إلاّ عن طريق فهم دقيق وشامل للمجتمع، وتحديداً للسلطة السياسية فيه.
فإذا كانت السلطة السياسية قائمة على "القسر"، كما ذكر ووديز في مؤلفة "الجيوش والسلطة"(1)، فمن هو القادر على تحقيق صيغة القسر للدولة؟ لتطبيق صيغة القسر لا بد من استخدام القوات المسلّحة، ويصبح الجيش القوّة الوحيدة القادرة على تحقيق هذه الصيغة، وتصبح المؤسّسة العسكرية بالتالي مختلفة بطبيعتها وبدورها عن باقي مؤسسات الدولة، لها نظامها وقانونها الخاص، يمارسان ويطبّقان ضمن إطار الولاء والتراتبية.
من هنا نفهم إشكاليّة العلاقة ما بين السلطة السياسية والمؤسّسة العسكرية في دول العالم الثالث :سلطة سياسية تطلب من المؤسّسة العسكرية الولاء لها، ومؤسّسة عسكرية تـنطلق من دورها في حماية الدولة ونظامها، وتصبح الإشكالية بـينهما تحديداً في التساؤل التالي:
هل للحكومة السياسية حقّ ولاء الجيش لها بمقتضى الدستور، أم أنّ السلطة السياسية تنبع من فوهة البندقية؟
من البديهي إذاً أن تـقرّر العوامل السياسية، كونها نسيج المجتمع بكامله، التحّول أو سلوك القوّات المسلحة فكلّما نضجت العوامل السياسية، أخذت العمليات مجراها داخل القوّات المسلّحة(3).
وهكذا فإنّ الإشكاليّة تبقى وتـتمحور حول العلاقة بين المجتمع العسكري والمجتمع المدني، سواء كانت علاقة صراع أم علاقة انسجام، والتي ليست سوى انعكاس لبنيان المجتمع .هذه الإشكاليّة الحديـثة لم تكن قديماً مطروحة للبحث، حيث سادت علاقة تشابك واضحة ما بين المدني ¬السياسي والعسكري¬ السياسي.

منهجية البحث
لبلورة فرضية البحث انطلقنا من إطار توثيقي نظري عام يرتكز على المنهج التحليلي الاجتماعي .وبذلك تكون الخلفية النظرية مستمدّة بشكل عام من مبادئ علم الاجتماع وميادين علم النفس الاجتماعي.
أمّا المجتمعات المقصودة بهذا الافتراض وبهذا المنهج، فهي مجتمعات العالم الثالث عموماً، والمجتمع اللبناني خصوصاً كنموذج لهذا العالم، فهو مجتمع يكاد يكون تمثيليّاً لأسباب عدة :أوّلها خروجه من حرب أنهكت مؤسساته وخصوصاً المؤسّسة العسكرية، وانطلاقة حركة إعادة إعماره على المستويات كافة، إضافة إلى نظامه المفترض أن تتعاطى المؤسّسات ضمن إطاره ألا وهو النظام الديموقراطي.
تجدر الإشارة إلى أنّ استخدام مفهوم "بلدان العالم الثالث" يشير إلى خصائص هذه البلدان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .وهذا المفهوم يشمل دولاً عديدة تتشابه على مستوى البنية الاقتصادية وعلى صعيد المشاكل التنموية، إلاّ أنه لا يعني بالضرورة تشابهاً بين هذه الدول في مسألة العلاقات المتـشابكة والمعقّدة بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية .فتجارب أميركا اللاتينية مثلاً بالنسبة لهذه المسألة، تختلف عن تجارب أفريقيا، وكذلك عن تلك التي عرفها ويعرفها العالم العربي.
ويعود هذا الاختلاف إلى عدّة عوامل تتعلّق بالتركيبة الاجتماعية والسياسية وكذلك العسكرية، وأبرزها عامل الثقافة السياسية الذي يحدّد العلاقة ما بين شرعية الحكم (سلطة سياسية) والتدخل العسكري(4) بأشكاله المختلفة التي تستند إلى القوّة (سلطة عسكرية).

تطوّر بنية التنظيم العسكري
سوسيولوجياً، يعتبر التطوّر البنيوي للجيش، قراءة وإستقراءً يلقيان الضوء على طبيعة العلاقات التي تربط الجيش بالمجتمع المدني من خلال تطوّر النظم العسكرية والتكنولوجية.
ويمكن تقسيم تطوّر التنظيم العسكري في المجتمع العربي إلى ستّ مراحل(5):
أ ¬ المرحلة الأولى: بدأت مطلع الفتوحات الإسلامية وإنتهت بإنهيار الحكم الأموي.
ب¬ المرحلة الثانية: وهي مرحلة الازدهار، وإستمرت حتى بروز دولة المماليك ومن ثمّ الحكم العثماني.
ج¬ المرحلة الثالثة: وهي المرحلة السلطانية أو الملوكية، استمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر، وشهدت تحوّل التنظيم العسكري إلى نظام بـيروقراطي.
د¬ المرحلة الرابعة: وهي مرحلة الإصلاح، بدأت في عصر التـنظيمات الجديدة التي أدخلها سلاطين بني عثمان على الحكم، وانتهت بسقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.
هـ¬ المرحلة الخامسة: وهي مرحلة التكوين، ترعرعت في ظلّ الاستعمار الأوروبي واستمرت بشكل أو بآخر حتى الإستقلال وبعده، وما زال تأثيرها قائماً حتى اليوم في كثير من البلدان العربية.
و¬ المرحلة السادسة: وهي مرحلة الإنماء والتنمية، ولعب فيها العسكر دوراً بارزاً في مسيرة الإنماء القومي لجهة التعبئة القومية وبرمجة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويمكن القول إن العسكر في المرحلة الخامسة، أي مرحلة الاستعمار، لم يتمكّن من اجتذاب مختلف الفئات الاجتماعية، فالأفضليّة كانت تُعطى للأقليّات وللعائلات البارزة وبعد مرحلة الاستقلال صار الجيش يتّسم بثلاث صفات متلازمة هي (6):
أ ¬ المهنية العسكرية (Profession des armes).
ب¬ نموذجية دوره التنموي.
ج ¬ صورته المصغّرة عن الدولة.
ودُعم الجيش من قبل الدولة والشعب، وصار جزء هام من ميزانيّة الدولة يقتطع لوزارة الدفاع(7)، وأدخلت التقنيّة في مهامه وفي تنظيمه، وكان تصوّر الناس للجيش بأنه جنّة الوظائف، فكان عديد الجيش أوّل من أُدخل الضمان الصحي ونال التعويضات العائلية والمكافآت إضافة إلى عدّة تقديمات، فترابطت النظرة إليه بازدواجية، إزدواجية الإنماء والقسر الدّور الطليعي في الإنماء والتقدم، ودور التدخل العسكري.
إن تدخل العسكر، من حيث المبدأ، حاجة، وهي حاجة المجتمعات لقوى إنضباطية تساعدها في ما عجزت هي عنه، خصوصاً إذا ما ربطنا مجتمعاتنا بعميلة التحديث ومن زاوية سوسيولوجية، فإن الظاهرة العسكرية المعاصرة غير منفصلة عن التاريح القومي العربي وعن مواريث الحضارة الإسلامية فالتأكيد على أن الظاهرة تدور بين قطبين من العلاقات يبدو تأكيداً أساسياً ما بين رجال الدولة ورجال الجيش(8).
وإذا ما عدنا إلى تقاليد الإسلام العسكرية، نجد أن ذلك الدِّين انطوى منذ ظهوره على مجموعة متغيّرات تتّصل بالدّور السياسي للعسكريين وعادة ما يتمّ التدخل العسكري في الشؤون السياسية، ليس بدافع التحديث من عبء التاريخ فالتاريخ العسكري يتأثّر بالمسائل المادية وبالمسائل المعنوية(9)، سواء بسواء.
إن السباق على التسلّح والإنفاق على أسلحة الدمار، ومن ثمّ الحدّ من سباق التسلح والميل إلى نزع الأسلحة، شكّلت كلّها صعوبات جدّية في ميدان التفوّق وتأمين أنظمة الدفاع الإستراتيجي، غير أنّها كانت مترافقة مع صعوبات نفسية ومعنوية ظهرت سابقاً في الشكوك والمخاوف المتبادلة ما بين المعسكرين الغربي والشرقي.
وقد لخّص بيري الإتجاهات العامة التي تسود تلك الدراسات في صدد العلاقة بين الإسلام والظاهرة العسكرية في العالم العربي بقوله
إن تأثير الإسلام يشكّل دافعاً مهماً في صعود الضبّاط العرب إلى السلطة والرابطة رابطة جدلية(10).
ورغم أن صورة الضابط وخصائص النخبة العسكرية تختلف من قطر عربي إلى آخر، كما وتختلف داخل القطر الواحد، إلاّ أن مجموعة من الأنماط والتأثيرات تـتمثّل خصوصاً في المصادر الأجنبية التي ألقت بتأثيراتها على تشكيل صورة الضبّاط في الأقطار العربية وحسب بيري فإن الصّفوف العسكرية العربية المعاصرة تشتقّ خصائصها من مصدرين أساسيـين العثماني والأوروبي، خصوصاً البريطاني والفرنسي والألماني.

واعتباراً من النصف الثاني للقرن العشرين، برز بحدّة مفهوم الأمن القومي الذي تمحور في الدول العربية حول ثلاث قضايا:
¬ السياسة الخارجية
¬ الصراع ضد إسرائيل
¬ مشكلات التنمية الإقتصادية والإجتماعية
وبإعتقادنا فإن مفهوم الأمن القومي هو قضية مجتمعية قبل أن يكون مفهوماً عسكرياً(11) محدّداً حسب ما هو شائع وممارس فالتـنمية على علاقة وثيقة بالأمن، والنمط الذي تتخذه هذه العملية وشكلها وكيفية تعبئة الموارد البشرية والإقتصادية في مجتمع ما، تطرح آثارها على موضوع الأمن.
إن الإستراتيجية العسكرية هي جزء من الإستراتيجية الشاملة للدولة، وهي بالتالي بحاجة للتفاعل مع المجتمع المدني، الذي بدوره بحاجة للجيش كقوّة نظامية تساعده، ليس فقط على حفظ الأمن، بل على الإستفادة أيضاً من الخدمات الكبرى التي لا يمكن لغير الجيش من القوى أن يؤمّنها.
غير أن هذه الشمولية والجزئية لا تحدّد الأولويات بالمطلق، حيث أنّ الأولويات تبقى رهناً بعوامل موضوعية تارة، وبخصوصيّات بعض دول العالم الثالث تارة أخرى.
على المستوى الموضوعي نميّز بين حالتي السلم والحرب، ففي الأولى يفترض نظرياً أن تتقدّم أولويات التنمية الإجتماعية والإقتصادية، المحدّدة أهدافها من قبل السلطة السياسية ومؤسساتها الدستورية، في حين تتقدم الإستراتيجية العسكرية ومتطلباتها على غيرها في حالة الحرب، وتصبح المؤسّسات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية كافة داعمة للمؤسّسة العسكرية هذا على المستوى الموضوعي غير أننا نلاحظ العديد من التجارب في دول العالم الثالث حين تـتقدّم متطلّبات المؤسّسة العسكرية على غيرها حتى في حالات السلم، فنجد أن جزءاً كبيراً من ميزانيات هذه الدول يخصّص لتلبية متطلبات المؤسّسة العسكرية (تسلّح ¬ تطويع¬ تجهيز ¬ تدريب...).

4¬ الجيش مؤسّسة سياسية!
تلعب الدولة دوراً بارزاً في عملية التنمية عن طريق إداراتها المتنوعة فهي توجّه سوق العمل وتشرف على إعادة توزيع الثروة الوطنية، فيتنافس الزعماء والسياسيون على المناصب في الدولة وفي مؤسّسة الجيش، على اعتبار أنّ من يسيطر على الجيش يستطيع أن يسيطر على الدولة وعلى المجتمع أيضا وحيث أن الجيش يستقطب المتطوّعين، وهو يساوي بين الضابط وزميله على أساس الرتبة العسكرية لا على أساس الأصل العائلي والوجاهة، أصبح الضابط في بعض الدول يحلّ محلّ السياسي التقليدي، وأضحى بالتالي أداة الوصل بين المجتمع عامة والمجتمع الريفي خاصة، والدولة وكنتيجة لذلك أضحت المواقع والأدوار في دائرة متواصلة الجيش مرآة المجتمع والمجتمع مرآة الجيش، حيث لا فصل بين الظاهرة الإجتماعية والظاهرة السياسية ومن ثمّ العسكرية. فالإجتماعي هنا هو الأساس الذي يتحكّم ببقية المستويات.
إن انكفاء المجتمع الزراعي.الفلاّحي مقابل بروز المجتمع الصناعي والخدماتي غيّر النموذج العسكري النظامي العربي الذي نشأ في ظل الإستعمار الأوروبي، وأصبح جزءاً من الدولة الحديثة بمصالحها الإنمائية المتنوعة(14). وواقع الأمر أن تبنّي البلدان العربية للنظم الأوروبية جاء نتيجة لدوافع خارجية بدلاً من أن يأتي بهدف سدّ حاجات داخلية تنبع من صميم المجتمعات عينها، فأتى التنظيم العسكري ليسهّل أطماعاً خارجية واضحة،العسكرية فيه لا تختلف عن المسلك الرجولي والقيم العنترية أو شرف الدفاع عن الأرض والعرض(15).
ان العسكرية سلوك، والسلوك هو في صميم علم النفس، والبنية العسكرية مناطة بالتركيبة الإجتماعية، وهذه في صميم علم الإجتماع، والعلمان مترابطان ويمكن تجسيدهما في إطار علم النفس الإجتماعي؟
أما على المستوى الوظائفي للمؤسّسة العسكرية، فإنها تصبح ميداناً لجميع العلوم الإنسانية (إقتصاد ¬ إدارة أعمال ¬ طبّ ¬ تاريخ ¬ ديموغرافيا...) والدراسات الحديثة تقوم على رؤية شاملة للظاهرة وتدرّسها في مختلف مستوياتها عبر مقاربات متعددة الاْنظمة (Multidisciplinaires) هذه المقاربات هي نفسها التي تحملنا على اْْْْْعادة النظر في الدور المجتمعي للجيش. فدور الجيش في المجتمع كمؤسسة غير مفصول عن وضعية المجتمع وما يريده من المؤسسة العسكرية,اذ يتوقف على النموذج الأم الذي نشأ عليه,وعلى تركيبة المجتمع وفصائله بشكل عام , وعلى التدخل السياسي لتلبية الأحتياجات العامة والتفصيلية لمؤسسة الجيش(ميزانيات التسلح-احتياجات ماديّة ومعنوية وتلبيتها). يمكن أن يليه اعتماد سياسة اشباع الحاجات الاساسية للجماهير(16) , وهو من الاساليب الجديدة في ادارة المجتمع- الدولة , ويطرح بالتالي حتميّة الوظيفة الاجتماعية للمؤسسة ,وكلاهما يمهّد ويسهّل للشرعية الوطنية والوظيفية معاً,وهذه لا تقلّ أهمية عن تلك المشاكل السياسية الاخرى التي يعيشها العالم العربي ,ولا عن الايديولوجيات المعاشة:مشاكل التجزئة والهوية والسّلطة واحياناً "عبء الثورة" (حالة العراق) و "عبء التاريخ" (حالة السودان)(17)، فأغلب الوظائف وبالتالي الممارسات السياسية ذات أساس إجتماعي، نذكر منها على سبـيل المثال:
أ¬ بناء المؤسّسات :وهي أساس التنمية الإجتماعية والاقتصادية، وما زالت خاضعة لدرجة عالية من التسيـيس.
ب¬ التأثيرات المتبادلة ما بين الإستقرار السياسي والإستقرار الإجتماعي.
ج¬ التركيبة الإجتماعية لضبّاط الجيش وعلاقتها (المساواة الإجتماعية وبهيكلية المجتمع المساواة بين أبناء مختلف الفئات الإجتماعية في مسألة تطويع التلامذة الضبّاط).
د¬ التدخّل العسكري، وأقصى مستوياته الإنقلاب العسكري المبرّر دوماً بكونه وسيلة لتحديث المجتمع وتحسين الظروف المعيشية للشعب.
5¬ الدّور الإجتماعي للمؤسّسة العسكرية.
ترتبط رفاهية المجتمع إلى حدّ بعيد بقدرته العسكرية، أي بمدى توافر عناصر القوّة واستراتيجية استخدامها، إذ أنّ "حالة التوازن والوفرة في القوى تخلق موقفاً من التكافؤ النفسي ومن الإحساس بالقدرة على الحركة وإمكانية المناورة والمساومة، وتوجد فرصاً وبدائل متعددة"(18). إن الدور الإجتماعي للجيش هو عنوان واسع يرتبط أولاً بأهمية المؤسّسة العسكرية ثم بالأدوار المناطة بها في بلدان العالم الثالث.
نفهم الدور الإجتماعي للمؤسّسة العسكرية بذاك الذي يجمع بين الجيش والمجتمع المدني، حيث أنّ عدم التلاحم بينهما هو إنفصام مرضي بسيكولوجي، يخسر فيه المجتمع سنداً قوياً، كما أن العدوانية والبأس الشديدين يجعلان من الصعب تنظيم القوّات المسلحة (كحالة النموذج القبلي مثلاً)، كما تشكّل الأنانية الغريزية، الفردية والجماعية أساساً لنشوب الحروب(19)، ولعدم مساندة المؤسّسات الاجتماعية.
مهمة الجيش إذاً ليست عسكرية أو أمنية فحسب، بل هي اهتمام بالمجالات الإجتماعية الخدماتية التي ما زالت على غير وجهٍ حسنٍ في المجتمعات النامية، حيث إداراتها ومؤسّساتها عاجزة عن توفير الخدمات والمساعدات المطلوبة كمّاً ونوعاً.
ضمن هذا الإطار تبرز أهمية الدّور الإجتماعي للمؤسّسة العسكرية من خلال التـنشئة العسكرية التي لا يمكن فصلها عن التـنشئة المدنية والوطنية، والتي تـتوجّه إلى العدد الكبير من المتطوّعين والمجنّدين الذين سيعودون بعد انتهاء فترة خدمتهم إلى مجتمعهم ومؤسّساته المدنية.

مفهوم الخدمة الاجتماعية
أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها تطوّر وتحوّل الإهتمام بخدمة الفرد من تقديم المساعدات المالية له وإعالته لتحسين وضعه الإقتصادي، ليشمل رصد سلوكه ومساعدته على تخطّي مشاكله، إنطلاقاً من التعمّق بدراسة مشاكله كفرد في المجتمع. وتوسّع الإطار المنهجي لهذه الدراسات نحو التشخيص الإجتماعي وتحديد العوامل النفسية، في وقت إنتشرت فيه مفاهيم الأسرة وأساليب التـنشئة الإجتماعية، وتطوّرت كذلك مفاهيم الصحة النفسية، فأسندت إلى المتخصّصين الإجتماعيين والنفسيين مسؤوليات علاج أفراد القوّات المسلحة، وكانوا قد أشاروا أساساً إلى أنّ "السلوك الإنساني لا يعتمد على إرادة الفرد بل يخضع للخبرات المختلفة التي تمرّ بها حياة الفرد، إضافة إلى تأثير الأسرة(20) عليه".
تهتّم الخدمة الإجتماعية إذاً "بتـنمية قدرة الفرد حتى يكتسب بصيرة في مشكلته ويتقبّل مسوؤلياته ويشارك في إيجاد حلّ لها باستخدامه إمكانياته الخاصة والإستفادة من موارد وخدمات المجتمع"(21).
يستخدم المتخصّصون الإجتماعيون نظريات متعددة، ويطبّقون جوانب مختلفة من مدارس علم النفس عند مساعدة "العميل"(22)؛ وقد تطوّر مفهوم "دينامية الجماعة" مع بدايات القرن العشرين، وعُمل على تطبيقه، ليس فقط في المصانع والإدارات، بل أيضاً في القوّات المسلّحة "مفهوم القيادة ¬ التنظيم خلال أوقات السلم ¬ تأثير الحرب على الصحة النفسية للجنود". إن مفاهيم الخدمة الإجتماعية تعمل بشكل أساسي على تنظيم المجتمع وتطوير حاجاته الإجتماعية والنفسية التي تمثّل واقعاً هاماً في سلوكه؛ فأهم ما يبحث عنه الفرد هو الإنتماء والأمن، بالأهمية نفسها التي يبحث فيها عن التقدير والإلفة الإجتماعية.
إلاّ أنّه ولتحقيق إشباع حاجات الإنسان، هناك عقبات متنوعة، منها النفسية التي تعود إلى تاريخه الخاص وطبيعة علاقاته الأسرية، ومنها ما يعود إلى العقبات الإجتماعية والإقتصادية التي تلعب دوراً كبيراً في مظاهر سوء التكيّف. وهذه ليست عوائق نابعة من واقعه الخاص، بل من المجتمع بشكل عام، كعدم توفّر فرص العمل وإنتشار البطالة، أو عدم توفّر وسائل التدريب المهني، أو عدم قدرة الدولة على تأمين مختلف إحتياجات ومتطلّبات الشعب "بعد حرب او أزمة ما" ممّا يؤدي إلى ظهور مشكلات جديدة تـتطلّب المساعدة والخدمة الإجتماعية التي يمكن للجيش أن يساهم في توفيرها بروح "مدنية" وبمدخل إصلاحي يهتمّ بتحقيق التوازن وبتنظيم الإحتياجات لتحقيق رفاهية مجتمعية وأمان وإنتماء وإستقرار لأفراد المجتمع.

التنشئة المدنية
تعتبر التـنشئة المدنية مستوى أساسياً من التـنشئة الإجتماعية التي لا تحدث من دون أن يبدأ التعلّق والتماهي الأول بالوطن.
يُقصد بالتـنشئة المدنية التأثير الذي يقع على الطفل من بـيئته الإجتماعية لتحويله إلى كائن إجتماعي، ولإعداده لثـقافته التي يعيش فيها. إنّها، أي التنشئة، عملية تشكيل الفرد عن طريق ثقافته حتى يتمكّن من الحياة ضمن ثـقافة مجتمعه. ولكلّ ثقافة سماتها الخاصة التي تحاول طبع أفرادها بها. لذا ينشأ أبناء الثقافة الواحدة ولهم طابع مشترك يميّزهم عن غيرهم من أبناء الثقافات الأخرى.
هذا الطابع المشترك يؤدي إلى وحدة الميول والإتجاهات النفسية. ورغم وجود تـشابه بين أفراد الثقافة الواحدة، إلاّ أنّ هذا لا يلغي الإختلافات بين الأفراد (عوامل وراثية، مناطقية، أسرية...) والتي تحدّد إمكانيات التفاعل والإندماج بين الفرد وبيئته، ومدى هذا التفاعل أيضاً.
إن التـنشئة هي إجتماعية بالضرورة، والوحدة الإجتماعية الأساسية في التنشئة هي الأسرة التي لها الدور الأول في إعداد الطفل لدوره في الحياة الإجتماعية والمدنية وحتى أحياناً العسكرية، وفي تحديد صورته عن نفسه (بدءاً من الرضاعة، الفطام، النظافة، التربية الجنسية...).
إننا نفّرق ما بين التـنشئة الإجتماعية الأولى، خلال مرحلة الطفولة، حيث يتعلّم الطفل طرقاً وعاداتٍ ثـقافية، والتـنشئة الإجتماعية الثانية خلال مرحلة المراهقة والرّشد.
ويُظهر الرسم التالي شبكة العلاقات المؤسساتية التي يخضع لها الفرد حكماً خلال تـنشئته الإجتماعية، حيث يظهر دور المؤسّسة العسكرية جلياً من خلال تأثيرها المباشر في أذهان الناشئة (تطويع، تجنيد) وغير المباشر (التربـية المدنية، مفاهيم:
الوطن، القائد)
* مؤسّسات لها علاقة بالمعرفة وبالمبادرة؟.
** مؤسّسات تنتج وتعيد إنتاج "الإنضباط" و "القيم الإجتماعية".
ويظهر فعل "التلقّي" من المفاهيم الأساسية التي تبثّها بإمتياز هذه المؤسّسات الإجتماعية (الأسرة ¬ المدرسة). فالتلقّي هو ضرب من ضروب التأهيل والترويض للولد: أن نجعله يستبطن المعايير والأعراف والمواقف والأدوار؛ إنه مسار تكيـيفي يسعى للإندماج والتفاعل، مما يؤدي بالطفل إلى إكتساب إستعدادات خاصة تمكّنه من السيطرة على نزواته الخاصة، وهذا ما يؤدّي إلى الطابع المشترك بين مجموعة واحدة ذات مظاهر موحدة في السلوك (طريقة الأكل ¬ طريقة الكلام ¬ المشي ¬ الضحك ¬ ردّ التحية ¬ نغمة الصوت).
التـنشئة الإجتماعية هي نوع من التشارك الإجتماعي؛ انها دخول في علاقة إجتماعية وتأهيل وإستيعاب للأفراد داخل الزّمر الإجتماعية، وهي نقطة مركزية في علم الإجتماع، تتناول مختلف أنماط تعليم الفرد، المرتبطة بالثـقافات والأنساق الإجتماعية، بهدف التكيّف الإجتماعي الذي هو حالة تلاؤم مع المجتمع الذي نعيش فيه بشروطه وبظروفه وبمتطلباته. والفشل في حالة التكيّف هذه (سوء التكيّف) يمكن أن يؤدي إلى أمراض وصعوبات نفسية تـتّسم بعدم التوازن وبالقلق وبعدم الشعور بالأمان. وممّا لا اختلاف حوله أنّ تـنشئة الفرد تظهر في إتجاهاته الإجتماعية، ويمكن للمدرسة، كمؤسّسة إجتماعية ثانية بعد الأسرة، أن تكون هي الأخرى مكانا للحياة وللنموّ، وميداناً لتكوين ميول الفرد وتوجّهها، وللكشف عن قدراته وتأهيله لإقتحام ميادين الحياة. وهي، أي المدرسة، أهمّ مؤسّسة مسؤولة عن خلق الشعور بالإنتماء عند الطفل؛ والإنتماء المقصود هنا هو انتماء الفرد لوطنه ولمؤسّساته ولا سيما الوطنية منها، فتأتي التـنشئة المدنية كجزء لا يتجزّأ من عملية التـنشئة الإجتماعية الأساسية الهادفة الى تدريب وإعداد الفرد على حبّ وطنه. إنّها تربية الجسد والفكر والإرادة والوجدان وتهيئة المواطن ليكون صالحاً ومعتزّاً بوطنه وبثقافته.
ويأتي لاحقاً دور الجيش في عملية التـنشئة هذه، حيث أنه يربّي أفراده على العلم والإدراك والإحترام على أساس مبدأ الحقوق والواجبات؟ ولا بدّ هنا من التوقف عند دور القيادة في مسألتي الإنتماء الجماعي وتكوّن الإدراك الشخصي الفردي، كونهما يشكّلان "فنّ التأثير على الآخرين للقيام بملء إرادتهم بما يلزم لتحقيق هدف ما أو لبلوغ غاية ما"(23). في التـنشئة يتحدد لكل فرد دور عام يمكن أن يتضمّن عدّة أدوار مختلفة أخرى، ناهيك عن الدور الخاص في تكوين هوامات الفرد وإسقاطاته الفعلية، والتي تأتي حصيلة لخبراته أثـناء تفاعله مع أسرته ومع المجتمع الخارجي. ويتبع الدور مركزاً هو بمثابة فكرة المرء عن نفسه التي لا تـتكوّن إلاّ عن طريق التفاعل الإجتماعي. إنّها التوازن في شعور الفرد بكونه جزءاً من المجتمع. فالتـنشئة قوام حياة المواطن والمجتمع والدولة، وهي مرحلة عبور أساسية لتكوين هويته الفردية.

خدمة العلم
تشكّل خدمة العلم (الخدمة العسكرية الإلزامية) الوسيلة الفضلى لتحقيق التـنشئة الوطنية كمستوى أساسي من مستويات التـنشئة المدنية. غير أن هذا الدور الهام، لا يمكن للمؤسّسة العسكرية أن تؤدّيه دون القيام بعمليات تـنشئة داخل صفوف الجيش على صعيدين إثنين:
أ¬ سياسي، لفهم حالات التسييس والبناء الأيديولوجي للمجتمع.
ب¬ إجتماعي، لفهم الواقع الإجتماعي ولضرورة تفهّم العسكريين للتركيبة الإجتماعية.
فمبدأ التجنيد هو من أهم مبادئ الخدمة العسكرية العامة، وأولى الوسائل لتحضير دفاع وطني لا يقوم على الإستعلاء والعدائية أو الكراهية. إنه مسار أوّلي نحو التغيـير والحداثة (في هذه المؤسّسة الأساسية بين مؤسّسات الدولة)، من أجل التأثير في سلوك وتفكير كوادرها بهدف تكوين اتجاه أكثر إنفتاحاً. إن خدمة العلم التي تساعد بانتقال الجيش من حالة السلم إلى حالة الحرب بإعداد إحتياطه الكبـير، غير منفصلة عن مبدأ التـنشئة، ولا يمكن أن تـتمّ ما لم يدرك المواطن دوره في مساندة الجيش، وذلك عبر نشر الوعي الوطني من قبل المؤسّسة العسكرية، والعمل على تـنمية ثـقة الشاب بنفسه واتكاله على الذات.
إن خدمة العلم هي الطريق السليم لوصول المؤسّسة العسكرية إلى الشعب، لتعاونه ويعاونها على أداء رسالة مجتمعية نافعة. فبرنامج الخدمة، وأساليب التجنيد والرؤية الواضحة، تحدّد جيش المستقبل، خصوصاً وأنّ التحديث في مجتمعاتنا أصبح حاجة ملحّة. إنّ الشباب هم طاقات الجيش، فمن الأهميّة بمكان معرفة كيفية الولوج إلى عقولهم وتنشئتهم تنشئة صالحة واعية، وتوعيتهم وعدم القطع معهم. وربما إستفاد الجيش من طاقات المجنّدين في مجالات عدّة، لكنّ الإيجابية تتمثّل في عودة هؤلاء الشباب إلى مجتمعهم بثقة عالية بالنفس، وبشخصية متّزنة، وبأفكار وبمعتقدات وطنية عنوانها الولاء للوطن الذي إليه وحده الإنتماء، وليس لمنطقة من مناطقه أو لطائفة من طوائفه ولا لعشيرة من عشائره.
ومن وجهة نظر نفس ¬ إجتماعية فإن خدمة العلم في لبنان مثلاً أعادت الهيبة للعائلة بعد أن كانت الحرب قد خلخلت السلطة الأبوية التي كانت عموماً بحالة تقهقر نتيجة تيّارات تربوية وثقافية معيّنة. ذلك أنّ استعارة الجيش لدوره الإجتماعي يعزّز تماسك الأسرة ويقوّي الوحدة الوطنية بما تقدّمه للشباب من مفاهيم محددة للولاء والإنتماء، ومن تجربة معاشة أساسها احترام القانون والإنضباط والتعاون لتنفيذ المهام.
الواقع أنّ المجنّد لا يتلمّس أحياناً إيجابيات خدمة العلم(24) إلا بعد تمضية فترتها، حيث يتبيّن بعد عودته إلى مجتمعه، مدى مساهمتها في بلورة شخصيّته وإزدياد ثقته بنفسه وبدوره الإجتماعي.
وهذا ما يؤكد وجود تقصير إعلامي في لبنان تجاه الشباب حول الأهمية الوطنية لخدمة العلم، ومساهمتها الإيجابية في تنمية شخصية المجنّد. وهذا ما قد يقدّم للمجنّد إحتمالاً أعلى في الحصول على فرصة عمل بعد إنتهاء فترة خدمته العسكرية، أي عكس ما هو سائد عند غالبية المجنّدين.
ما تقترحه هذه الدراسة هو العمل على وضع خطّة إعلامية تقوم على كون أهداف الإستراتيجية العسكرية، هي، إضافة إلى الدفاع عن الوطن وتوفير أمنه، تحقيق تنمية إجتماعية، وصولاً إلى العدالة الإجتماعية التي وحدها توّفر الأمن الإجتماعي وتصون المجتمع وأفراده.

المقترحات والتوّصيات:
يتمحور الدور الإنمائي للجيش في لبنان، بالمفهوم الشائع والتقليدي، حول أربع مسائل:
أ¬ عمليات الإغاثة وإسعاف المنكوبين خلال الكوارث الطبيعية.
ب¬ المساهمة بإنجاز البنى التحتية، خصوصاً في المناطق النائية (طرق المواصلات، بناء الجسور، مدّ شبكات الماء والكهرباء...).
ج¬ الحفاظ على البيئة (تشجير، تنظيف الشواطئ والأماكن الأثرية والسياحية، إخماد الحرائق).
د¬ توفير بعض الخدمات الصحية (حملات تلقيح ...).
إن إنجاز هذه الوظائف التنموية العادية، كمّاً ونوعاً، مرتبط بالواقع الإجتماعي وبمدى تطوّر مؤسّساته، إلاّ أن حصر الدور الإجتماعي للجيش بهذه القضايا تحديداً يتعارض مع النظرة الشمولية للمؤسّسة العسكرية ولدورها الإجتماعي. فالتنظيم الجيّد وإمتلاك الآليات يجب ألاّ يؤدّيا إلى إختزال الدور الإنمائي الإجتماعي للجيش بمجرد أعمال إغاثة وإسعاف. من جهة ثانية، فإنّ هذه الأعمال التنموية لا تقوم بمعزل عن تطوير مفهوم علاقة العسكريين مع المجتمع المدني خصوصاً في الجانب الإجتماعي منها، بينما تحافظ الأدبيات العسكرية على إعطاء الأولوية للمستوى السياسي للبحث؛ ونحن إذ لا ننفي أهمية هذا المستوى، إلاّ أن هذا الإقرار لا يعني تغييباً للمستوى الإجتماعي.
ويبرز الدور الاجتماعي للجيش من خلال التخطيط الدقيق والتحضير المتقن، ولا يمكن القيام بهذا الدّور من دون توجيه بين صفوف العسكريين لفكرة وأهداف الخدمة الإجتماعية، تماماً كما هي الحال مع مبدأ التنشئة الوطنية أو التجنيد أو التطويع. والحديث عن هذا الدور المتطوّر للجيش يفقد مضمونه إن لم يسبقه تحديد إستراتيجية للعمل القومي والوطني في مجالات التنمية التي توازي بالأهمية ما بين الأمن القومي والأمن الإجتماعي.
هذا التغيير المطلوب لمضمون الدور الإجتماعي لن يتحقق إلا في إطار تغيير إجتماعي شامل يتعدّى إطلاق المواقف إلى العمل العلمي المنظّم والهادف إلى تطوير المجتمع وبنيته. فالبنية العسكرية مترابطة مع البنية الإجتماعية التي تعزّز ظواهر وموضوعات للبحث والدراسة.
فما هو الواقع والموقف الإجتماعي في الدول العربية عموماً من مسائل السلام وتنظيم الأسرة والمساواة بين المرأة والرجل، وتطويع النساء وتجنيدهن.

إن الإجابات الموضوعية عن هذه التساؤلات لا تكون إلاّ عبر تعزيز وتطوير الدراسات في المجالات التالية:
أ¬ التكنولوجيا
تظهر مقارنة مستوى التكنولوجيا العسكرية العربية مع مستوى التكنولوجيا العسكرية في الدول الغربية، الفرق الشاسع بينهما، ويفسّر ذلك بالفوارق ذاتها ما بين المجتمعات العربية وتلك الغربية على الصعيد التكنولوجي العام القائم على المعرفة والعلم والمناهج التربوية وصولاً إلى المختبرات ومراكز الأبحاث والمصانع في الغرب، في حين ان دول العالم الثالث، وبينها الدول العربية، تعتمد على إستيراد التكنولوجيا، وبشكل خاص الأسلحة المتطوّرة. وإذا كانت التكنولوجيا الحديثة في مجال الأسلحة، تفرض ضرورة تصوّر طرق جديدة في التعليم، وخصوصاً في منظومات الإتصال والمعلوماتية، فإنّ تحقيق هذا الأمر لا يكون إلاّ عن طريق رفع مستوى المعرفة التكنولوجية في العالم العربي، وسائل وتقنيات، إذ أنّ تحديث هذا المجتمع أمر أساسي وعنصر لا يتحقّق من دونه تطبيق التكنولوجيا المتجددة في المؤسّسة العسكرية.

ب ¬ توفير قاعدة إحصائية ¬ ديموغرافية
إن معرفة الواقع بمستوياته كافة، ولا سيّما القدرات البشرية والإقتصادية، لا يمكن تحقيقها من دون توفّر معطيات رقمية دقيقة حول أوضاعها. كذلك فإن دراسة التطورات المرتقبة لجميع الظواهر الإجتماعية والديموغرافية والإقتصادية، تنطلق أساساً من تلك المعرفة الكمّية. وهذا ما يفترض وجود مراكز أبحاث، يتم مدّها باستمرار بالمعطيات اللاّزمة لإنجاز الدراسات وإيجاد حلول للمشاكل المطروحة، وهذا ما يوفّر إمكانية التأثير في التوجّه الإجتماعي بشكل يتلاءم والإستراتيجيات العامة، ومنها تحديداً الإستراتيجية العسكرية.

ج¬ الإعلام ووسائل الإتّصال.
يهدف الإعلام بشكل رئيسي إلى إيصال معلومات معّينة للجماهير لتأكيد رأي أو موقف، أو إلى تغيير هذه الآراء والمواقف من مسألة مطروحة. ودور الإعلام على صعيد بلورة أهمية الدور الإجتماعي للجيش، يمكن أن يندرج على مستويين:
¬ المجنّدون والأفراد والرتباء والضباط.
¬ المدنيون.
والتمييز بين هذين المستويين ينطلق من إختلاف التوجّهات والوسائل المتّبعة لتحرير مضمون الخطاب، غير أن الهدف هو واحد ويتحدّد بالتركيز على التوجّهات الجديدة للمؤسّسة العسكرية نحو الإنفتاح والتحديث.
د¬ تشجيع الدراسات النفسية وتطويرها داخل المؤسّسة العسكرية
توّفر الدراسات النفسية والنفس¬ إجتماعية إمكانية تحديد المشاكل التي قد يواجهها الفرد في موضوعات الإنتماء للجماعة والإندماج والتكيّف.. وتحدّد هذه الدراسات الطرق والوسائل التي تشكّل حلولاً لتلك المشاكل. ونشير هنا بشكل خاص إلى دراسات دينامية الجماعة التي تتناول مسألة دينامية الفرد في جماعته، وصولاً إلى فهم أوالية إندماجه في الجماعة، والعلاقات القائمة بين أفراد الجماعة، ومنها موضوع القيادة.
هذه الدراسات تسمح بمتابعة أوضاع العسكريين، برتبهم كافة، والدينامية العلائقية التي تسيّرهم أثناء وخارج الخدمة، كما تسمح بإنطلاقة الحوار مع المجنّدين ومع أسرهم أيضاً.
إن مفهوم القيادة قد تطوّر نظرياً وعملياً من "القائد الفرد" إلى "القيادة الجماعية"، وهذا ما يؤكد على ضرورة تطوير المفهوم الدينامي للجماعة في المؤسّسة العسكرية.
وأخيراً، وإنطلاقاً من مسلّمة حتمية العصرنة للمجتمع ولمؤسّساته كافة، وأولها المؤسّسة العسكرية التي تمتلك شرعية القوة والقسر، نتساءل كيف يمكن لهذه المؤسّسة ¬ الأساس أن "تتعصرن" في الأمور التقنية واللوجستية والتجهيزية من دون أن يطال ذلك بنيتها الإجتماعية؟
طالما أنّ السّلطة تمرّر عبر القوّة العسكرية، وإن بطريقة ضمنية، فكيف يمكن ألاّ يستجيب المجتمع، ليس لفوّهة البندقية، بل لحداثة ولعصرنة مطلوبتين
قد يبدو للبعض، وإجابة عن تساؤلات البحث، أنّ الحديث عن دور الجيش في التنمية والإنماء شأن مبالغ فيه، فللعسكر دوره التقليدي المعروف، إلاّ أن الوقائع أثبتت فشل التجارب السابقة في العالم العربي، حيث برزت خطوات العسكريين أنفسهم "كبار القادة" لتحديث دورهم وتطوير أدائهم وزيادة إنفتاحهم على المجتمع كضرورة عصرية ملحّة. والنقيض لكل هذا، أي إنغلاق المؤسّسة العسكرية على نفسها، يؤدي حكماً الى أمراض نفس ¬ إجتماعية تبقى، رغم سيّئاتها، أقلّ خطورة من النتائج الأخرى الملازمة لها، ألا وهي إنقسام المجتمع ما بين "عسكري" و"مدني" وهذان الإثنان، في هذه الحالة يكونان خاسرين.
ليس المطلوب إذاً أن يفقد العسكري روحه العسكرية، لأنّها مجال الإختصاص وتمايز المهنة، بل المطلوب هو الإنفتاح الإجتماعي والمشاركة الفعّالة، وعدم التقوقع.
إن عصرنة الجيش من وجهة نظر سوسيولوجية وسيكولوجية وتكنولوجية وإعلامية وخدماتية، هي الإطار التنموي الإجتماعي الأول.
وهذه مسؤولية مشتركة ما بين القيادة العسكرية والسلطة السياسية وفئة المثقفين "الإنتلجنسيا" التي ربما تتحمّل أكثر من غيرها مسؤولية بناء الدولة وإعادة البناء الإجتماعي على أسسٍ علمية وموضوعية. إن عملية إنتاج الثقافة يمكن أن توجّه لمساعدة المؤسّسة العسكرية والدولة على السواء في توجهاتهما الحديثة، بدءاً من الإقناع والتهيئة والتحضير للقيام بهذا الدّور التحديثي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.